الطفل محمود
التصنيف: Old Archive
2011-11-29 09:26 ص 759
بقلم: محمود زيدان
عادة ككل أسبوع وأثناء عودتي من موعدنا الكشفي مع الأطفال والأولاد من مختلف الأعمار وبعد موعد مليء بالصرخات والأنشطة والألعاب والتوعية والتربية الكشفية، أقف عند جارنا المعلم بلال لأشتري من دكانته ما يعيد لي بعضا مما ارتبط بطفولتنا من سكاكر وعصير وشيبس وشوكولا وبعضا من حاجياتنا كأشخاص مسؤولين وكبار كأغراض للمنزل وغيرها.
ولكن هذه المرة كان العطش سيد الموقف فكان العصير بنظري هو المنقذ، ركنت سيارتي جانبا وتوقفت أمام براد العصير حائرا فأي نكهة أختار ؟وأي شركة طعمها أفضل من الآخر.؟
وفجأة قطع حيرتي سؤال طفل بريء بدا على وجهه المتسخ قليلا من التراب والغبار الناتج عن لهوه في الفسحة المقابلة لدكانة عمو بلال حيث سألني ببراءة: "شو هاي؟ غرافة ؟" ابتسمت لجرأته وأخبرته مبتسما: " هيدا مثل الغرافة بس إسمو فولار، كل واحد بالكشاف بحطه وبتصير مثل الغرافة الخاصة بلباسه.. شو رأيك تصير تلبس مثلنا ونعطيك غرافة خاصة فيك ؟ "
أجابني بابتسامة وسؤال في آن واحد: " ما بدك تشتري؟ " أجبته: " مبلا حبيبي بدي جيب عصير بجبلك معي؟" هز رأسه الى الأعلى رافضا.
خرجت من عند عمو بلال وركب السيارة حاملا عصير التفاح المفضل، ليعود الصبي الصغير ويقترب مني مجددا ليسألني نفس السؤال السابق: " ما بدك تشتري؟" مرة أخرى وبسطحية أجبته :"مبلا حبيبي، اشتريت عصير تفضل شراب معي" وعرضت عليه عبوة عصير مما اشتريت.. فقال لي: " ومني؟ ما بدك تشتري؟ "
عندها فهمت مقصده والغاية من سؤاله وأشعرني حقا بسطحية إجابتي في المرة الأولى والثانية حين يسألني عن الشراء وأجيبه عن العصير(عالعطش ما شايف غير العصير)
"ليش شو معك ؟ " سألته مستدركا .. فما كان منه الا أن ذهب إلى صندوقه وحمله وجاء به إلي وقال:" أغراض وأدوات منزلية.."
نظرت إلى الصندوق فلم أجد به شيئا من اهتماماتي أو حاجياتي وبعفوية أخذت مبلغا بسيطا وأعطيته إياه وقلت له :" حبيبي ما لقيت شي شو رأيك تاخد هول واشتري فيهم يللي بدك إياه". تغيرت معالم وجهه وأجابني: " ما باخد ولا ليرة إذا ما أخذت بدالهم غراض.."
فاجأني رد طفل لم يتجاوز التاسعة من عمره، فحاولت أن أتحايل عليه: " طب شو رأيك تاخد قنينة العصير هاي؟ أصلا أنا اشتريت اثنين وما لازمني غير وحدة والثانية إلك" .
وكان رده هذه المرة كالصفعة على وجهي: " اشتري مني أغراض وأنا إذا بدي بجيب عصير.."
لقد صدمني بل صعقني هذا الطفل.. فما كان مني إلا أن حملت المبلغ وطلبت منه أن يعطيني شيئا بقيمته.. لم يتردد، وضع صندوقه أرضا وأخرج منه الأغراض، كما قام بوضعهم داخل السيارة وبعدها أخذ مني المال.. شعرت حينها أنه يخاف أن أعطيه المال وأمشي دون أخذ شيء من بضاعته فأراد أن يطمئن بتسليمه الأغراض ثم تسلّمه للمال..
عجيب أمر هذا الصبي.. سألته عن اسمه فقال لي : "محمود.". فرحت وقلت له ممازحا "صرنا محاميد أنا وإياك، وين بيتك حتى وصلك؟ " فابتسم وقال: " مش بعيد كتير بس ما تخاف بعرف روح لوحدي... هالسيارة إلك ؟ " أجبته: "إيه الحمد لله"...فأجابني "وأنا بس إكبر حيصير عندي سيارة"
ومشى محمود وصندوقه وتركني في سيارتي أتأمل وأتفكر كلامه وحديثه، أستصغر نفسي تارة وأتعجب من ذكائه العملي والتجاري والاجتماعي تارة أخرى، فيكبر في عيني وأجده يعلمني دروسا وعبر عدة الخصها بالآتي .. واعذروني لكثرة فلسفتي):
1- مدى الذكاء الاجتماعي لدى الطفل محمود وقدرته على فتح الحوار والنقاش وكسر الحواجز بأسئلة بريئة وجريئة.
2- قدرة محمود على تحديد أولوياته في حياته فحين سألته عن رغبته في الإنضمام إلينا أجاب بابتسامة ولكن بسؤال عما إذا كنت أود أن أشتري منه شيئا.. وهذا يدل على أن في حساباته الخاصة وجد أن ما يقوم به مقدم على اللهو واللعب بنظره.
3- لقد كبر محمود قبل أوانه فهو على ما يبدو يتحمل مسؤولية كبيرة ويحمل في عقله وصدره قلبا وفكرا أكبر من طفل صغير يرى الحياة لعب ورفاهية كغيره من أبناء جيله، ويتمتع بذكاء عملي بحيث اعتمد سياسة وضعه للصندوق جانبا وفتح الحوار والنقاش ليمهد بشكل مهذب وبسيط لعرض بضاعته على من يكسب ودهم وهنيهات الحوار معهم.
4- لم يقبل الهدية (عبوة عصير) ولم يقبل أن يأخذ مبلغا دون أن يشعر بقيمته وتعبه واشترط قبوله للمال بشراء بعض الأغراض منه. وهذا يدل على أنه طفل لديه من تجارب الحياة ما يجعل كرامته وشهامته أسمى من أي مال ومغريات ينجذب نحوها أي طفل بريء وحتى بعض الرجال والنساء.
5- استوقفتني كلمة محمود الأخيرة حين قال لي "وأنا بس إكبر حيصير عندي سيارة." أراد أن يشعرني عبر ذكائه وببراءة تفكيره وبمقارنته الطفولية أنني لست بأفضل منه فصحيح أني أملك سيارة واشتريت اليوم منه الأغراض ولكني أكبر منه وهو عندما يكبر سيحصل على سيارة وربما يقصد بهذا أنه سيكون أفضل مني.. وأسأل الله أن أراه كذلك..
6- سبحان الله.. يرسل الله لنا يوميا الكثير من الدروس والعبر ويأتي بها ممن نظن أحيانا وبسبب تفكيرنا الدنيوي وحياتنا المادية أنهم أقل منا منزلة ودرجة في الدنيا وتكون نظرتنا إليهم أحيانا نظرة دونية ومختلفة. فذكرني بأبيات للدكتور عبد الرحمن العشماوي حين قال:
ما قيمة الناس إلا في مبادئهم.. لا المال يبقى ولا الألقاب والرتب
ما قيمة الناس إلا في مبادئهم.. لا المال يبقى ولا الألقاب والرتب
7- أمام ما شاهدته من ذكاء في شخصية الطفل محمود سألت نفسي سؤالا بلا جواب، من المحتم والأكيد أن شخصية محمود قد بنيت بسبب وجوده في الشارع واختلاطه بالناس الكبير منهم والصغير وما ميزه عن باقي الأطفال قدرته وملكته الفطرية في اكتساب المهارات والقيم والمبادئ وغرسها في نفسه، ولكن ياترى لو كان محمود في إحدى مدارسنا المحلية، هل سيكون متفوقا ومتميزا في دراسته، أم أن طرق ووسائل تعليمنا الحالية كانت ستقتل ذكائه وإبداعه وتجعله واحدا من أرقام كثيرة لا نعرف عددها ولن نفرقها بين الجموع ؟
أخبار ذات صلة
في صحف اليوم: تراجع في موقف الجامعة العربية بشأن حزب الله بعد ضغط
2024-07-02 12:25 م 558
جنبلاط متشائم: أستشرف توسيع الحرب*
2024-06-24 09:10 ص 622
لبنان ليس للبيع... مولوي: نرفض الإغراءات المالية لتوطين النازحين*
2024-06-22 09:59 ص 541
تطوّر "لافت"... أميركا تكشف مكان السنوار وقادة حماس في غزة
2024-01-13 09:01 ص 677
خطة غالانت لما بعد حرب غزة.. هذه أهم بنودها
2024-01-04 09:09 م 657
مفوضية الجنوب في كشافة الإمام المهدي خرجت 555 قائدا وقائدة
2017-07-10 10:26 ص 2196
إعلانات
إعلانات متنوعة
صيدا نت على الفايسبوك
الوكالة الوطنية للاعلام
انقر على الزر أدناه لزيارة موقع وكالة الأنباء الوطنية:
زيارة الموقع الإلكترونيتابعنا
كفى اجتماعات بلا طعمة وجولات تصويرية إعلامية… من ينظّف صيدا؟
2026-03-08 11:32 ص
صور حين تتحول السيارة إلى بيت… والرصيف يصبح وطناً مؤقتاً
2026-03-07 10:57 م
بالفديو اثار القصف في مبنى جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية في صيدا
2026-03-07 12:16 م
رمضان في ساحة النجمة… فانوس البلدية بين الإشادة وعتب المتبرعين
2026-02-18 05:57 ص
تحليل المشهد الانتخابي في صيدا بعد خطاب دولة سعد الحريري

