×

إنهيار جدار مبنى في منطقة شرحبيل – صيدا طرح أسئلة

التصنيف: Old Archive

2012-02-22  09:50 ص  3813

 

هيثم زعيتر
قال الشاعر لما اشتدت عليه الهموم: «إن النصال تكسرت على النصال».. ويقول المواطن ومن غريب الصدف إن مصائب الحياة ومآسيها تتوالى في كثير من الأمكنة، وليس في مكان واحد، وقد يكون فيها مُبرر لأي حوادث، على إعتبار أنها تتجمع في مكان واحد، وعلى نوع معين من البشر والناس، كتبت عليهم الحياة العيش في ضنك وما شابه، إلا أن المسألة التي تُحاكي الكارثة تواجه في هذه الأيام الكثير الكثير من العائلات في عدة أماكن ومناطق من لبنان، كما لو أن الكوارث كتبت على المواطنين في هذا الشتاء القاسي، الذي «عمل فيه شهر شباط عمايله» - كما يقولون، فأعطى السيل من المطر، كما أعطى الكثافة من الثلج، الذي زاد الطين بلّة، بكوارث الإنهيارات التي شكلت هذه السنة ظاهرة غريبة وملفتة وسط هذا الشتاء المتميز، فانطبق المثل «شباط شبط ولبط»..
وظاهرة الإنهيارت هذه، في مواسم الشتاء ليست المرة الأولى في حياة المواطنين، ذلك أنهم اعتادوا أن لا يفاجأوا بحدوث بعض الإنهيارات، وإن كان بعضها يُشكل بعض الخطورة في أحيان كثيرة، ولكن كانت تحدث في الطرقات، وفي بعض المناطق الجبلية من خلال بعض الأعمال والأشغال، التي عادة ما كان يقوم بها المواطن، بفعل اجتهاده الخاص، وبعيداً عن حرفية المهندسين أو الاختصاصيين، كما بعيداً عن أعين واهتمام مراقبي الدولة وشؤونهم وشجونهم، إما من باب التوفير، أو من باب التهرّب من الإجراءات الإدارية العويصة التي تستغرق وتستهلك الوقت بدون داعٍ، وفي الهروب من تمرير هذه المعاملات بعيداً عن الجيوب، قبل تمريرها على امضاءات الموافقة، وما شابه ذلك من أخذ ورد يطال كل معاملة يُمكن أن يكتب على المواطن اللجوء إليها، في كل حال خطر له أن يقوم بأي عمل في أرضه، أو بيته، أو حوله وحواليه..
لكن هذه المرة - ولله في خلقه شؤون وشجون، يبدو أن هذه الإنهيارات تتمركز، بل تصيب المواقع الأكثر حساسية في حياة المواطن، وهي بيته أو مسكنه الذي يأويه، ويعتبره ملجأه الذي يستر كل بلاوي الحياة، التي يُعانيها أو كتب عليه أن يعيشها، ويخبىء فيها نفسه وعياله من هموم ومشاكل الحياة المعيشية التي يُقاسيها ويُعانيها..
فالمواطن في الإطار العام لهموم الحياة وقساوتها وظلمها يُمكن أن يتدبر نفسه وعياله، في المأكل والمشرب، بل والمصروف، حتى لو أكل الخبز والزيتون فحسب، أو أن يأكل الخبز مغمساً بالماء فقط وعلى الناشف.. ولكنه بالطبع لا يُمكن أن يتدبر لا نفسه ولا بالطبع أحد من عياله، فيما إذا طالت المسألة بيته أو المسكن الذي يأويه، حتى لو كان في ظل حيطه أو مجموعة من الحجارة، لأن البيت أولاً وأخيراً هو المكان الذي يستظل فيه السترة، تماماً كما هي الثياب التي يلبسها تُشكل له السترة من كل عوراته..

من هنا، يُشكل المنزل أو البيت، أو بالتحديد المسكن الذي يأوي المواطن بالنسبة له الحياة أو الموت، وطبعاً ليس من خيار له في هذا المجال سوى اختيار الحياة في ظل البيت..
لكن، المشكلة مع أي مواطن هي مسألة هذه الـ «لكن»، حيث تكتب له الأقدار أو تشاء له ما ليس في حسبانه، أو بالتحديد فيما يعتبر أنه آخر شيء يُمكن أن يخطر على باله التفكير فيه، أو مواجهته لمشكلة تعترضه، أو تفاجئه، أو، وهذه هي المعضلة الكبرى، أن تُشكل مأساة له ولعائلته، حيث تنهار أمامه كل مسائل وقضايا الأمان والإطمئنان، ولو في ظل حائط..
ويبدو كما تقول الأمثلة، إن المصائب عندما تحل، فإنها تحل مجتمعة وفوق بعضها البعض، بالتواتر ضاغطة ومؤثرة، وأحياناً تصل إلى حدود المأساة..
ولعل المثير هذه المرة أن مجموعة من الإنهيارات التي حصلت في عدة أماكن، وعدة مناطق، قد طالت بعض الأبنية، وبعض الإنشاءات الحساسة التي تعتبر داعمة لما يُسمى أبنية، وحتى عمارات سكنية تضم عدداً أو مجموعة من العائلات التي تسكنها، وذلك بفعل السيول الجارفة التي أحدثها شتاء شباط هذه المرة..
تساؤلات؟
هذه المفاجآت الطارئة تفرض مجموعة من التساؤلات أمام أي مواطن من المتضررين من المآسي الحاصلة أو القابعين بعيداً عن الأسباب الكامنة وراء هذه المشاكل التي تختبىء في ثناياها المآسي:
- هل هي بفعل هندسة عشوائية لعب فيها الغش والتلاعب بحياة الناس الهروب من وازع الضمير والمسؤولية؟
- أم بفعل القلّة التي تفرض على البعض نمطاً معيناً في التصرف ولو على حساب الحياة؟
- أم مما يُعرف في واقع الحياة الذي يغلب على المواطن في التلاعب على الدولة، وما هي في هذا السياق مسؤولية الدولة في القوانين والنصوص الوازعة والرادعة؟
- أم في المراقبة، أم في الزمن الرديء الذي يتعاقب بدون رحمة ويفعل فعله حتى على المسكين أو الفقير؟
- أم في أي قطبة مخفية في هذا الوضع؟
والسؤال الأهم في هذه الحالة: كيف وما هي وسائل الخروج من بوتقة هذه المسائل؟
لعل السؤال الأكبر إيقاعاً هنا، هو هل من المعقول أو المقبول أن يحدث في لبنان، بلد العلم والنور والتقدم، ما يحدث في هذا المجال؟
وأقسى ما يُمكن أن يُطرح وسط خضم هذه المأساه، أين الرحمة؟ وكيف يُمكن أن تأتي وترفع الظلمة من الوقوع على رقاب الذين يكتب عليهم الظلم في وسائل أخرى؟
ماذا حدث؟ وماذا يُمكن أن يحدث؟ وما هي وسائل الخروج من هذا النفق المأساوي الكبير الذي تتكشف عنه الأيام، إما بفعل الزمن والقدم، وإما بفعل الإهمال، وإما بجور القوانين المرعية الإجراء، وإما بماذا والله أعلم؟...
وماذا اليوم وقد وقعت الكارثة؟ وماذا بعد، والمأساة تتكرر والخوف من مآسٍ جديدة تهدد وتتربص بهذا الواقع المرير؟
كارثة شرحبيل
لقد تعرّض مساء الجمعة 17 من شباط الجاري، مبنى «هبة 15» في منطقة شرحبيل بن حسنة التابعة لبلدية بقسطا – شرقي صيدا، إلى إنهيار حائط الدعم الواقع أمام البناء، والذي أدى إلى انزلاق التربة معه، وبالتالي كشف أساسات البناء، وقد أنقذت العناية الإلهية العائلات التسعة التي تقيم في المبنى المؤلف من 5 طبقات، حيث تم اخراجهم رجالاً ونساءً وأطفالاً بحالة ورع وخوف وقلق، في ليل ممطر وبرد قارس، وناموا ليلتهم ولله الحمد لدى الأقارب، بعدما لطفت العناية الإلهية بهم ولم ينهار المبنى كما حصل في مبنى «فسوح» في الأشرفية. وكذلك ما زال المبنى الذي أشيد للجهة السفلية غير مأهول بانتظار انتهاء العمل فيه.
وقد جرت اتصالات سريعة للوقوف على حقيقة الأمر، والمساعدة، وبوشر باتخاذ خطوات احترازية واجراء فحوصات من قبل متخصصين شملت المبنى والأساسات وفحص التربة.
وتبين أن حائط دعم المبنى من الجهة السفلية، يبلغ طوله أكثر من 30 متراً وبارتفاع 8 أمتار، الجزء السفلي منه – بارتفاع 3 أمتار من الباطون المسلح، والقسم الآخر – أي ما يُشكل 5 أمتار من أحجار باطون مع أعمدة تم تشريكها بأساسات حائط الدعم، واتخذت لحماية التربة التي تم ردم بها المساحة بين الحائط وأساسات المبنى، ووضع فوق هذه التربة، الباطون فشكلت تراساً للطابق السفلي من المبنى، دون أن يتم القيام بالتراجع لبناء حائط جديد - كما حدد القانون.
عجرم
{ رئيس بلدية بقسطا جميل عجرم، أوضح لـ «اللـواء» أنه «فور انهيار جدار الدعم سارعنا الى المكان، وأجرينا اتصالات بالمعنيين، وتلقينا اتصالات للاطمئنان، وعملت فرق الدفاع المدني والإسعافات على إخلاء السكان من شققهم السكنية، وتواصلنا مع مالك المبنى الذي تمت أشادته الى الجهة السفلى من المبنى الذي تعرض جدار دعمه للانهيار، حيث أحضر جرافات ومعدات عملت على رفع الأتربة والباطون والأحجار المتحطمة، التي كان يتشكل منها جدار الدعم، وباشر ببناء جدار جديد فوق الجدار، الذي كان قد بناه ليفصل بين عقاره وعقار المبنى الذي تعرض جدار دعمه للانهيار، وذلك وفق المواصفات المطلوبة».
ميرة
{ المهندس المعماري فهد ميرة، طرح من خلال «اللـواء» عدة أسئلة حول المسؤولية: هل هي إنشائية، أم إنزلاق تربة، أم عدم تطبيق قانون البناء؟، ودائماً وعند أي حدث نتساءل عن السلامة العامة، وأين أصبح تطبيق المرسوم 14293 الصادر بتاريخ 11 آذار في العام 2005 والعائد لشروط تأمين السلامة العامة في الأبنية والمنشآت، وفي تجهيزات المصاعد والوقاية من الحريق والزلزال».
وقال: ماذا عن مفهوم السلامة العامة، والذي يُمكن تأمينه بإتخاذ تدابير وقاية يتخذها الإنسان لمنع الحوادث، أو إزالة الأسباب المباشرة والظروف التي لا تتوفر فيها عوامل السلامة للسكان؟، حيث بات الحل بعودة الدولة الكاملة السيادة، لتعود هيبة القانون».
وتساءل عن «المؤسسات المصنعة، وإدراج الهروب، وأسلوب معالجة الحرائق، والمواصفات الصحية لموقع مولدات الكهرباء بالنسبة للأبنية القائمة، وتطبيق مرسوم السلامة العامة، التي حددت بعض الشروط لتأمينها، ولم يتحرك أي جهاز لتطبيق هذه الشروط على هذه الأبنية، وتأمين الكوادر الفنية اللازمة لتأمين السلامة العامة».
وشدد على «ضرورة تطبيق المادة 18 من قانون البناء، وخاصة لجهة التأمينات اللازمة، وتحديد نوعية المشاريع الخاضعة للتدقيق الفني الإلزامي، ودراسة التربة الدقيقة، والصادر عن مكتب متخصص، حيث يعتبر فحص التربة في أولى الخطوات لإنشاء أي مبنى، ولكن في لبنان يستعين كثر من أصحاب المباني بفحص تربة لمشاريع مجاورة، من أجل التوفير المادي، معتقدين بحتمية تطابق النتائج».
واستطرد بالقول: أين هندسة السلامة لمقاومة الحوادث، التي أظهرها علم هندسة السلامة التي يهتم بدراسة أخطار العمل وتحليلها وتوظيف أنسب نظم وأساليب الإدارة والتقييم والمكافحة للسيطرة على الأخطار الهندسية التي تنتج عن العمل. وهي الأسس التي يعتمد عليها علم السلامة العامة، علم سلامة البناء، علم بيئة البناء، علم صحة البناء، لذا يجب تأمين الصيانة الدائمة من خلال الصيانة الدورية البسيطة والمتوسطة والعامة.
وأشار الى «أن لبنان يقع في المنطقة الثانية، وفي التقييم العالمي للدول المعرضة للزلازل، لذا يجب أن تكون أعمال التدعيم وتوسيع القواعد للمبنى وفقاً للمقاييس والمواصفات الملزمة لمقاومة الزلازل، والمذكورة في مرسوم السلامة العامة الصادر في العام 2005، لهذا يجب إنشاء فرق لإدارة الأزمات والكوارث، يتم تشكيلها بشكل عام ولإدارة الأزمة الزلزالية بشكل خاص».
وتساءل: ماذا عن مكاتب التدقيق الهندسية، والقيام بمسح شامل للأبنية، ووضع الأسس لتدعيمها وتطبيق قانون المعاينة على الأبنية كل عشر سنوات، ودعوة هيئات المجتمع المدني إلى تعزيز ثقافة الإنتماء إلى البلديات ونشر قانون العمل البلدي. وأين شروط متانة البناء ونوعية ومواد البناء، وتطبيق المواصفات اللازمة، خاصة بعدما تبين في الأونة الأخيرة، أن المواد المستعملة في الخرسانة المسلحة، في غالبيتها تُشكل خطراً من خلال عدم تمكن هذه المواد من تشكيل حاجز يمنع الحديد من الصدأ والتفاعل مع الرطوبة، وتبدأ بعد سنوات قليلة عمليات إنتفاخ الباطون، وظهور تشققات في الأسقف، وإنهيار بعض الأجزاء منها، مما يُشكل خطراً على السلامة العامة، وماذا عن السلطات المختصة في مراقبة قانون البناء؟
عوامل مؤثرة في البناء
وذكر المهندس ميرة بعض العوامل المؤثرة في البناء، أبرزها:
- عوامل الزمن والإهتلاك الناتج عن القدم وسوء التنفيذ والعوامل الجوية الطبيعية.
- الهبوط الناتج عن التربة بسبب سوء تصريف المياه والصرف الصحي، وعدم التعامل السليم، تقرير دراسة التربة ومراقبة المياه الجوفية، وإختبار الضغط ودراسة الحلول المناسبة.
- المخالفات والإضافات على الأبنية، والتي تشكل حمولات إضافية على الأساسات غير المدروسة سابقاً.
- التغيرات في الشكل المعماري للأبنية، وتغيّر التقطيعات الداخلية والخارجية، والتي قد تؤثر مع الزمن بتخفيض مقاومة البناء ضد الإنهيار.
- عدم التعامل السليم مع الأراضي المحددة من خلال تدرج حوائط من الخرسانة المسلحة.
- عدم وجود نظام واضح في لبنان حتى تاريخه بالتعامل في مثل هذه الحالات.
- عدم وجود جهاز رقابي متخصص للتعامل مع هذه الحالات وإجراءات حماية المنشآت.
وقد تبين أن القانون الخاص بحماية المنشآت والخاص بمحافظة دمشق مثلاً يتألف من المادة 34 حتى المادة 45.
أما حول كيفية إدارة مثل هذه الحالات، فإقترح المهندس ميرة:
- وضع مبلغ مالي ضمن خطة ميزانية المحافظة أو الاتحاد على إجراء أعمال التدعيم والدراسة اللازمة للأبنية التي هي بحاجة إلى هذا التدعيم، وبشكل فوري، خوفاً من حدوث إنهيار لا يُحمد عقباه.
- اتباع المثل القائل «درهم وقاية خير من قنطار علاج».
- إجازة تحصيل هذه المبالغ تحت بند جباية الأموال العامة.
- إيجاد صيغة للتعاون بين الوزارات والمؤسسات والسلطات والدوائر المختصة والنقابات لاجراء الدراسات بشكل سريع وفوري في حال حدوث خطر على هذه الأبنية.
- إلتزام أصحاب العقار بإجراء التدعيم ضمن الشروط القانونية المسموح بها، وضمن المواصفات الفنية، وفي حال عدم الإيجاب أو الإمتناع، تنفيذه فوراً من قبل الإدارة، وتحصيل الأموال مستقبلاً عن طريق جباية الأموال العامة.
- إيجاد صيغة للتعاقد مع المكاتب الهندسية الخاصة لتنفيذ الدراسة والتدعيم اللازمين لأي عقار مهدد بالإنهيار.
- مراجعة الوضع القائم واتخاذ الإجراءات الضرورية التالية، من خلال حصر المنشآت وتحديد الحالات الراهنة، ووضع المعايير اللازمة، وتصنيف أعمال الصيانة والإشراف.
 

أخبار ذات صلة

إعلانات

إعلانات متنوعة

صيدا نت على الفايسبوك

الوكالة الوطنية للاعلام

انقر على الزر أدناه لزيارة موقع وكالة الأنباء الوطنية:

زيارة الموقع الإلكتروني

تابعنا