×

في غزة: أنت رابر إذن أنت ممنوع!

التصنيف: المرأة

2012-09-09  09:33 ص  1639

 

 هل هي مصادفة أن معظم "رابرز" غزة قد غادروها؟ هل هي مصادفة أنك تستطيع مشاهدة حفلات الرابر محمد الفرا العضو في أول فرقة راب غزية (Palestinian Rappers- PR)  التي تأسست في غزة العام 2001، بساحات أميركا، ولا تستطيع مشاهدتها في غزة؟ هل هي مصادفة ان تكون فرقة الراب الغزية "دارج تيم" اشهر في مدن أوروبا منها في محافظات غزة، فيصبح من السهل أن تشاهد حفلاتها في الدنمارك أو في لوزان السويسرية بدل أن تشاهدها في ساحة الجندي المجهول بغزة؟ هل هي مصادفة أن يؤدي الرابر الفرنسي جيزير وصلته في غزة، بينما تمنع فرق الراب المحلية من مشاركته؟

بالطبع حين تكون في مدينة كغزة ستكون الاجابة ليست مصادفة، بل ما جمع المصائر هو المنع الحكومي والنبذ المجتمعي.
 
"انا الشعب"

الرابر الذي يطلق على نفسه لقب "انا الشعب" يتحدَّث عن تجربته مع فن الراب، فيقول في حديثه الى "سكايز": "سجلت أول ألبوم لي مع الرابر سامي بخيت في 2007، ومن ثم شكلنا مع رابرز آخرين فرقة "دارج تيم" وسجلنا ثلاثة ألبومات منذ العام 2009 وحتى العام 2011، والآن بعدما انسحبت من الفرقة، رجعت إلى غناء الراب الفردي وأعدت انتاج بعض الألبومات بتوزيع ودمج جديدين".
وأنجز "انا الشعب" عشرات الحفلات منذ العام 2007 رغم وجود العقبات المجتمعية كالتقليل من قيمة فن الراب والرفض الأسري، موضحاً أنه منذ العام 2006 وحتَّى العام 2008 كان من العادي والبسيط تنفيذ أي حفلة راب، أما بعد العام 2008 حين منعت الحكومة الراب العلني، فأصبح من الصعب تنفيذ أي حفلة فيها وصلة راب عربي.
ويتابع: "منذ 2008 من الصعب المشاركة في حفلات عامة أو تابعة لمؤسسات المجتمع الأهلي، إلاَّ إذا حصلت فقرة الراب في تلك الحفلة على ترخيص من وزارة الداخليَّة"، لافتاً باستغراب إلى أنه "في حال كانت الحفلة تجارية كأن تكون تابعة لمطعم أو تتضمن الحصول على تذاكر فلا يتم المنع كما حدث أخيراً مع فرقة الراب "جنود" التي أحيت عرضاً لها في أحد المطاعم خلال عيد الفطر".
ويشير الى ان "إلغاء فقرات الراب يتكرر ضمن احتفالات المؤسسات، من دون تبرير لأسباب المنع من وزارة الداخلية ، وفي كل مرة يكون هناك اعتذار من القائمين على الفعاليات يفيد أن شرط اقامة فعالياتهم كان إلغاء فقرة الراب".
ويؤكد "انا الشعب"، الذي يفضل ذكر لقبه على اسمه كي لا يتعرض لتحقيقات أخرى قد تمنعه من اصدار البومه الجديد بسلام، أنه تم التحقيق معه مرات عدة بخصوص أغانيه وكلماتها التي يكتبها بنفسه، خصوصاً في فترة "حراك 15 آذار" لإنهاء الانقسام التي شارك فيها كناشط شبابي، معتبرا أن العقلية الأمنية تربط غالباً ما بين تحريض الشباب على التغيير وانتشار هذه الأغاني عبر اليوتيوب.
ويلفت الى أنه "في حزيران 2012، خلال احتفال المركز الثقافي الفرنسي بعيد الموسيقى تم تقديم فقرة لمغني الهيب هوب الفرنسي جيزير، في حين رفضت الحكومة أن يشارك كل من الرابرز ايمن مغامس وخالد حرارة في الحفل، وفق ما ابلغنا المركز الثقافي الفرنسي. من الغريب منع الفسطيني من اداء هذا الفن في مدينته، في حين مسموح به للأجنبي".
ويبدو الرابر "انا اشعب" كأنه يتحدث عن تبادل فني ثقافي للراب، فيُسمح للاوروبيين بتأديته في غزة بينما تفتح أوروبا ذراعيها لفرق غزة الممنوعه في مسقط رأسها.

مخلة بالآداب

حين فازت حركة "حماس" بالانتخابات التشريعية في 2006، وشكلت أول حكومة وحدة وطنية كان الانفتاح على الفنون والثقافة هدفاً نجحت الحكومة في تتبع مساره على كل الصعد، فاختارت عدداً من الكُتاب الشباب المبدعين كي تطبع كتبهم، وافتتحت عددا من المعارض للفن التشكيلي، ونظمت بلدية غزة أول مسابقة على الهواء مباشرة مع مدينة تروسو النرويجية بـ"الفيديو كونفرنس" بعنوان"رسالتنا" لرعاية أكثر أشكال الفن تطرفا في تمرده، ألا وهو فن الراب وفازت فرق راب من غزة رغم احتراف الفرق النرويجية، وما هي إلا سنة مرت حتى بدأ الاقتتال الداخلي وتمت السيطرة على غزة بقوة السلاح في حزيران 2007، ليتم تطبيق نوع آخر من الرؤى لتلك الفنون، وبدأت وزارة الثقافة تفرض اذناً خاصاً لكل الحفلات والندوات الثقافية وحتى التجمعات الشبابية، وهكذا أصبح من اللازم لكل فرقة راب ان تأخذ الإذن المسبق قبل اي عرض، وقل عدد حفلات الراب، حتى تم منعها في العام 2008. 
وكان تعليق حكومة "حماس" في غزة وقتذاك حين التقت مراسلة "سكايز" بمدير عام الفنون في وزارة الثقافة عاطف عسقول "أن المنع جاء بسبب الحركات والايماءات المخلة بالآداب التي يؤديها بعض الرابرز في قطاع غزة أثناء رقصهم وتقليدهم لفن غربي غير منتم للهوية الفلسطينية الثقافية"، مؤكدا تقديره لفرق الراب التي استخدمت فن الراب بشكل ايجابي وانتقت الكلمات الوطنية والأداء الملتزم.
ولا يرى الرابر محمد السوسي ظلماً في كلام عسقول، مؤكدا ان هناك العديد من الرابرز الذين كانوا يؤدون هذه الحركات وفي غالبيتهم يؤدونها عن جهل وتقليد أعمى، ما أدى إلى تشويه فن الراب في غزة ومنعه والتقليل من قيمته كفن موسيقي وتدمير سمعته، واعتبار اخلاق الرابر المخطئ كأنها اخلاق تنسحب على فن الراب كله.

الراب ثورة

تاريخياً جاء فن الراب كرد فعل على عنصرية البيض ضد السود في مدينة كينغستون بجامايكا في نهاية الستينيات، كنوع جديد من الـموسيقى متفرع عن "الدانسهول"، ويبدو أن ثورية ابداعه لم تخفت حتى هذه اللحظة. الرابر محمد السوسي يقول ان عائلته لم ترفض أداءه للراب لكن على الدوام كان يسمع عبارة: "إلنا بنكتب وبنغني ستين سنة لهالوطن وما صار شي"، منبهاً الى أن هذه العبارة جعلته يصر على متابعة طريقه في الخوض نحو الراب وبأن يطلق على فرقته اسم "صناع الثورة".
وأوضح أن منع الراب يتنامى غالبا حين تعرف الحكومات قيمة دفعه للتغيير، مشددا على أنهم كفرقة أغلب أغانيهم ضد الاحتلال الاسرائيلي، ورغم ذلك فإن آخر عرض لهم كفرقة راب كان قبل أكثر من عام، ما جعل أغلب الحفلات التي يشاركون فيها تكون تحت الارض، وبشكل غير معمم كي لا يحتاجوا إلى تصاريح مسبقة لتنظيمها.
ويتذكر السوسي احد عروضهم الذي تم السماح به ضمن احتفال في استراحة على الشاطئ في آب 2011، واستمر العرض لمدة ثلاث دقائق فقط بعد الغاء فقرتهم التي كان مفترضاً ان تستمر عشرين دقيقة، وهذا رغم التفاعل الكبير من قبل الجمهور والذي لم يحدث مع الفقرات الاخرى.
ويوضح لـ"سكايز" أن الحكومة والأسرة والمجتمع ليسوا فقط من يرفض هذا النوع من الفن، فهناك عوائق أخرى تتعلق بالاحزاب الاسلامية التي تمنع حفلاتهم وأحياناً تحت العنف والتهديد، وكذلك هناك الاعلام المحلي الذي يسعى الى السبق الصحافي على حساب فرق الراب، ومن دون تقديم مساعدة حقيقية لهم كفنانين، ناهيك عن الصعوبات التي تتعلق بالمنافسة غير العادلة بين الفرق واستوديوهات التسجيل.
ويضيف السوسي: "حتى مؤسسات المجتمع المدني التي تتلقى تمويلاً خارجياً لدعم الراب والهيب هوب، ترفض هذا النوع من التمويل، خوفاً من المخاطرة في الاصطدام مع الحكومة، وبعضهم يأخذ هذا التمويل ويستغله لدعم فنون أخرى، وبذلك يصبح الرابر وحيداً في مواجهة المنع بلا مساندة المجتمع او المؤسسات، او حتى الاستديوهات المحلية التي تطلب اموالاً طائلة للانتاج"، متابعاً بسخرية: " الفنان في غزة لازم يتنازل علشان يقدم رسالته".
وينفي السوسي تعرضه للتحقيق أو الاستدعاء الأمني خلال سنوات غنائه، مشيراً إلى أن الظلم الذي يواجهه كفنان الراب لانتاج ألبومه محبط ومثبط للعزيمة في شكل أعمق من أي سبب آخر قد يعترضه، موضحاً أنه اضطر الى العمل فترات طويلة في مونتاج ألبومات غيره في أحد الاستديوهات بلا مقابل مادي، كي يستطيع أخيرا بعد عامين تسجيل ألبومه الخاص مجاناً.
وذكر السوسي أنه حاول أن يشارك في مسابقة نظمتها مدينة رام الله اسمها "على المنصة" لفرق الراب، وبالفعل تفاعلت معه منسقة مشروع المسابقة، على أن تتم مشاركته من غزة عبر نظام الفيديو كونفرنس، لكن مؤسسات غزة لم تتفاعل معه رغم محاولته جاهدا مع رابرز آخرين لاقناعهم برعاية بث مشاركتهم في المسابقة، ومثال على تلك المؤسسات: مؤسسة عبد المحسن القطان والمركز الثقافي الفرنسي، أما الفنادق فأخبرتهم إداراتها أنه ليس باستطاعتها جعلهم يشاركون بالفيديو كونفرنس بعد الساعة الرابعة مساءً.

من سويسرا

الرابر بسام المصري العضو الرئيس في فرقة "دارج تيم" الموجود حاليا في سويسرا قال لـ"سكايز" أنهم كفريق لم يفضلوا يوما اوروبا على غزة، لكن الحصار الخارجي الذي تعانيه غزة، اضافة الى الحصار الفكري الداخلي الذي تفرضه حركة "حماس"، جعلهم يتخذون قراراً بالانتقال إلى أوروبا حيث مساحة الحرية اكبر كي يكملوا مشوارهم في الموسيقى، مشيراً الى ان حفلاتهم امتازت بجماهيريتها الكبيرة في القطاع، لما لهم من مصداقية لدى جمهورهم وذلك لانتقادهم الاحتلال والمجتمع والحكومة في أغانيهم، ولكن مع ازدياد الضغوط وجدوا أنفسهم، غير قادرين على تنظيم العروض فى غزة.
ويرى أن الوضع تغير بعد "حراك 15 آذار" واشتراكهم فيه، وانتقالهم من التظاهر الفني الى التظاهر الفعلي على الارض، فقد اصبحت الحكومة تنظر اليهم كفرقة موسيقية لها نشاط سياسي، متذكراً احدى الحفلات التي تم تنظيمها في ذكرى رحيل الناشط الايطالي فيكتور اريغوني، وتم قطع التيار الكهربائي بشكل متعمد لوقف الحفل، لكن استمرار الحفل في غاليري الاتحاد جعل الأمن يقتحمه ويطلب من الحضور المغادرة.

تقليد أعمى

وفي لقاء جديد لـ"سكايز" مع المدير العام للفنون في وزارة الثقافة في حكومة "حماس" المقالة في غزة عاطف عسقول قال إنه تعرف إلى شباب فرق الراب ووجد انهم شباب رائعون وبالاجمال يوظفون عبر فنهم القضايا الوطنية والثقافية، وأحيانا تجسيد شيء ذاتي رغم وجود بعض الاشكاليات البسيطة مثل الاختلال ما بين الاداء والغناء فنجد الغناء وطنياً بينما الأداء غربي وتتخلله المخالفات.
ووصف عسقول تجربة شخصية له بالمهمة والتي قدمته إلى عالم الراب، حين حضر حفلاً في وزارة التربية والتعليم بعنوان: "مدينتان وحفل واحد" مع مدينة دبلن الايرلندية قبل حوالى الثلاثة اعوام، وكانت فقرات الراب هي الأساس في الحفل وتميزت وأبرزت كم هو الراب فن جميل، معتبراً أنهم  كوزارة ثقافة لا يجدون مشكلة مع فن الراب الذي يؤدى بطريقة حضارية، لكن يأتي المنع للحد من الاستخدام غير الجيد لظاهرة فن الراب الذي قد يخرج عن الاطار بسبب التقليد الأعمى للفن الوارد واشكاليات التعاطي معه من دون الانتباه لما يناسب كل ثقافة.
وأكد عسقول أهمية توظيف فن الراب بطريقة وطنية، مستدركاً بقوله: "دون أن يكون الهدف أدلجة هذا الفن لانه بالنهاية أنا مؤمن أن هذه افكار ثقافية تنبع من رؤى ذاتية لكل واحد فينا، حيث يعمل ضمن ثقافته وضوابطه، لذلك لا يلزمه أن يعطيه أحد منا دروساً بالممنوع والمفروض، لان شعبنا عنده الرقي ليعرف المناسب من غير المناسب".
وما بين نظرته ونظرة الحكومة لفن الراب لفت عسقول إلى أن وجود اشكاليات المجتمع الغزي الدقيقة واختلافه عن أي منطقة في العالم جعلا هناك عدم صبر في التعامل مع بعض الظواهر الثقافية والاكتفاء بالأسهل ألا وهو المنع، رغم التقبل العام لكل ما يخدم القضايا الوطنية في الحكومة!

أخبار ذات صلة

إعلانات

إعلانات متنوعة

صيدا نت على الفايسبوك

الوكالة الوطنية للاعلام

انقر على الزر أدناه لزيارة موقع وكالة الأنباء الوطنية:

زيارة الموقع الإلكتروني

تابعنا