مياه الشفة في المدارس اللبنانية ملوثة جرثومياً...
التصنيف: Old Archive
2013-03-09 09:47 م 1127
الجمهورية
مياه الشفة في المدارس اللبنانية إما ملوثة جرثومياً، وإما ممزوجة بنسب عالية وغير مقبولة من مادّة الكلورين... حقيقة مرّة تكشف الوضع المأسوي والأزمة التي تهدّد صحة وحياة صغارنا، نتيجة تردّي هذه المياه في البرّادات والفلاتر، سواء في المدارس الرسمية أو حتى الخاصة.
بينما تسير حياتنا نحو الرفاهية، وتتطوّر مواكِبةً العصر الحديث، لا تزال مياه الشفة في معظم المناطق اللبنانية، غير مطابقة لمواصفات الجودة والمعايير الصحية. هذا الإستنتاج ليس إلا وليد دراسة وتحقيق ميداني أجرته "الجمهورية"، لكشف نوعيّة المياه التي تُوزّع على خزانات المدارس.
مهمتنا لم تكن سهلة إطلاقاً. فالتصريح لإدارة المدرسة عن النيّة لمعاينة مياه الشفة، يعني تلقائياً إقفال الملف والتعتيم على الموضوع!
فحوص مخبرية
في هذا الإطار، جمَعنا خلال الفترة الممتدة ما بين كانون الثاني وشباط 2013، عيّنات من المياه في عدد من المدارس الرسمية والخاصة (50 مؤسسة تربوية) من مناطق مختلفة، حيث يسترعي اهتمام المشاهد تهافت التلاميذ في الملعب لريّ عطشهم من خلال الشرب مباشرة من "الحنفية" أو تعبئة "القناني" التي بحوزتهم ومعظمها مصنوعة من مادّة البلاستيك.
وعلى الإثر، أرسلنا العيّنات إلى المختبر الطبي لدراسة محتوياتها وتحليلها. وقد أظهرت الفحوص المخبرية أنّ المياه التي يشربها التلاميذ في 15 مدرسة من أصل 50، ملوّثة جرثومياً، أي أنّ إدارات هذه المدارس لا تستعمل أي وسيلة لمعالجتها (جهاز فلتر أو استعمال تعقيم بواسطة الكلور أو الأشعة ما فوق البنفسجية).
هذا فضلاً عن أنّ 5 من بين هذه المدارس الـ15، تتداخل فيها مياه الصرف الصحي مع شبكات لمياه الشفة. كما أظهرت الدراسة أن مياه الشفة في 35 مدرسة، تحوي مواد كيميائية وخصوصاً مادة الكلورين (أو الكلور). مع الإشارة الى أنّ 90 في المئة من مجموع المدارس، تعتمد على المياه الموزّعة من مؤسسة مياه لبنان، بينما 10 في المئة فقط تعتمد على آبار فردية.
التلوّث بالصرف الصحي
خلال جولتنا على المدارس الواقعة في منطقة الضاحية الجنوبية لبيروت، لفتنا قرار الإدارة بمنع التلاميذ من الشرب من مياه "الحنفيّات" الموجودة في الملعب، في إشارة الى أنّها على علم بأنّ المياه ملوّثة وغير صالحة، ولكن من دون تكبّد أي عناء لمعالجة المشكلة. إلّا أنّ المؤسف والمُبكي في الموضوع، هو استهتار بعض الطلاب وعدم مبالاتهم لقرارات الإدارة. فخلال تواجدنا في إحدى المدارس الرسمية، بادر أحد الطلاب ويدعى أحمد د. (7 سنوات) إلى شرب الماء من "الحنفيّة" لشدة عطشه!.
نتائج الدراسات المنهجية التي اعتمدت في أخذ العيّنات، أظهرت أن مياه المدارس في الضاحية الجنوبية لبيروت والشويفات، وتحاليل المؤشرات الفيزيائية والكيميائية والبكتيريا لها، تشير الى تلوّثها بمياه الصرف الصحي (المجاري) التي تحتوي على بكتيريا لا تُحصى، ما يشكّل خطراً كبيراً جدّاً على المستويَين الصحي والاقتصادي، علماً أنّ الغرام الواحد من مخرجات الجسم (عرق أو بول أو براز) يحتوي على 10 مليون فيروس، إضافة إلى مليون من البكتيريا.
تحاليل بالأرقام
في هذا السياق، رأى المدير العام لمختبراتRBML Microbiology labs الدكتور رامي خضر أن "هناك نحو 45 نوعاً من البكتيريا موجودة في المياه: فهناك 4 أو 5 أنواع تُعرف بـ pathogenic، تؤدي إلى خلل في الجسم، أما البقية فتدخل من ضمن تركيبة المياه إضافة الى تلك الموجودة داخل الخضار، من نوع الـnormal flora والتي يحتاجها الجسم للقيام بعملية التخمير"، لافتاً الى أن "التلوث قد يعود سببه إما إلى مصدر التغذية وإما إلى الخزان الرئيسي الذي يوزّع المياه في المنطقة، أو إلى شبكات وقساطل المياه المهترئة الممتدة الى المدرسة، والتي تختلط بالتراب ما يعرّضها لالتقاط هذا النوع من البكتيريا، وبالتالي يستدعي معالجة سريعة من البلدية المعنية قبل توزيع المياه على المنازل والمدارس".
وتحاليل هذه العيّنات أظهرت وجود تلوّث برازي من المياه المبتذلة المتسرّبة من أنابيب الصرف الصحي بمعدّلات عالية جدا، إذ قُدّرت بما يزيد عن ثلاثمائة وعشرة ملايين بكتيريا من نوع الـFecal Coli forms /100 مللتر (310,000,000/ 100 ml).
كما تبيّن أن كلاً من بكتيريا Pseudomonas Aeuroginosa الموجودة في التراب بشكل طبيعي، وبكتيريا E Coli، تقدر بمليون وثمانمئة ألف/ 100 مللتر، أي أضعاف النسبة المسموح بها عالمياً، والتي يُفترض أن لا تتعدّى العشرة في المئة مللتر، فضلاً عن أن نسبة الـ Total Coli Forms وهو نوع آخر من البراز والذي يتعدى المئة وتسعين مليوناً (/ 100 ml 190,000,000) في حين أن النسبة المسموح بها لا يُفترض أن تتعدى المئة في المئة مللتر، ما يعني وجود مشكلة جدّية بيئية وصحيّة تعانيها المنطقة لناحية نوعية مياه الشرب ومياه الآبار الارتوازية.
وشدد خضر على أنه "لا يمكن استعمال هذه المياه حتى لغسل اليدين، ولا يجب أن تلامس الجسم، لأنّ أي ملامسة لأي منطقة مفتوحة بالجلد ولمنطقة حساسة كالعين، يمكن أن تتسبّب بالتهابات، ولا تصلح للإستعمال إلا في الحمّامات ومن الممكن في الزراعة أيضاً".
العوارض الصحية
وعن العوارض الصحية التي تظهر نتيجة شرب المياه الملوثة، أوضح خضر أنها "تسبّب الالتهاب الكبدي والالتهابات المعوية والإسهال. فلدى وصول المياه الى الجهاز الهضمي، يشعر الطفل بأوجاع حادة في البطن، يرافقها إسهال قوي. وفي حال عدم تدارك الأمر بسرعة، قد يؤدي ذلك الى خسارة الجسم لكميات كبيرة جداً من الماء، وخصوصاً عند الأطفال"، مشيراً الى أنّ "هذه العوامل تظهر خلال 3 ساعات لدى الأطفال وكل من لديه مناعة ضعيفة، أما في حال كانت مناعة الشخص قوية فقد تتطلّب فترة أطول أي بين 8 و12 ساعة". وأضاف: "أما الضربة القاتلة فتكون في حال غسل الطفل يديه وتناول السندويش بهما، وبهذه الطريقة يكون قد أدخل البكتيريا مباشرة الى فمه، فترتفع درجات حرارته سريعاً".
وفي انتظار إيجاد حلّ مستدام ونهائي لمشكلة المياه الصحية، دعا خضر الى "عزل هذه الشبكة وإقفالها وإلغائها لإقامة شبكة جديدة لها خطوطها الخاصة بمعزل عن الخطوط القديمة في الشبكة"، مؤكداً أنّ "لا مجال لإصلاحها، حتى ولو كان العطل موجوداً في منطقة واحدة لا تتعدى المتر أو المترين، فالشبكة كلها ملوثة، وبالتالي لو قمنا بتصليح هذه المنطقة، يبقى لدينا خلية واحدة من البكتيريا قادرة على التجاوز لو مهما فعلنا".
الكلور
أما بالنسبة إلى المدارس الـ35 الباقية والواقعة في مناطق المتن وكسروان، فقد أشارت نتائج العيّنات الى أنّ "مياه الشفة فيها خالية من الجراثيم". ولكن إذا توسّعنا في التحاليل يتبيّن أنّ هذه العيّنات تحوي مواد كيميائية وخصوصاً مادة الكلور، بنسبٍ تتعدّى الحدّ المطلوب.
في هذا الإطار، شرح خضر طبيعة الكلور كمادة "تدخل في تصنيف الـ volatile chemicals أي التي تتبخّر في الهواء، بعاملين: الشمس والهواء"، ولفت الى أن "ضوء الشمس يفكك مادة الكلورين ويبخّرها، وعامل الضوء أي الـ UV light الموجود بالشمس يفكك أيضاً الكلور ويحوّله الى جزئيات كلور منفصلة وبسيطة لا تؤذي".
وأوضح أنّ "المشكلة تكمن بوجود جرعة زائدة من المعقم في مياه الشفة، إذ نشتمّ رائحتها مباشرة عند فتح "الحنفية"، ما يعني حتماً أن نسبة الكلور تعدّت النسبة الكيميائية حسب المتر المكعب، بشكل يفوق الطبيعي. أما المياه التي تكون نسبة الكلور فيها معقولة، فتحافظ على خصائص المياه: لا طعم ولا لون ولا رائحة".
أضاف: "إن مادة الكلور ليست بحدّ ذاتها مادّة كيميائية سامّة قاتلة، ولكن تبيّن أن رائحتها تسبب حساسية في التنفس لدى بعض الأشخاص. وعندما تكون نسبتها عالية، فإنها تؤدي الى ضيق تنفّس وانسداد في مجرى العين من الداخل، كما تسبّب تكوّن الحصوات الكلوية وزيادة الأملاح عن المعدل الطبيعي، والتهابات في الجهاز البولي وحدوث بعض التسممات الناتجة عن بعض الأملاح".
وإذ شدد على أنّ "المياه الملوثة كيميائياً ليست مسبّباً مباشراً لمرض السرطان"، لفت إلى أنها "المحفّز لأنواع معينة من المواد الكيميائية حتى تتفاعل مع محيطها، فتكون"catalyser" عاملاً فعالاً ومساعداً لأيّ تحوّل. فالماء كما هي سبب الحياة، ويمكن أن تكون "trigger point" نقطة انطلاق واستسلام لأيّ تحوّل كيميائي أو جرثومي في أي منتج غذائي".
ما الحلّ؟
في حين يطمئن عدد كبير من الأهالي لإعطاء أولادهم قنينة مياه أو "مطرة بلاستيكية" صغيرة الى المدرسة، أكد رامي خضر أنه "لا يكفي تنظيف القنينة لأن المشكلة تكمن في نوع البلاستيك الذي لا يجب استعماله لأكثر من مرة واحدة".
وعن "مطرات" المياه، شدد على "استعمال السلعة التي تتّبع المعايير أو الأنظمة الغذائية العالمية، والتي يسجّل عليها أنها food grade material"، ناصحاً باستعمالها لمدة سنة. أضاف: "من حيث النظافة والجودة فإنّ الـfood grade alluminium أو "المطرات" المصنوعة من مادة الألمينيوم هي التي يصلح استعمالها أكثر بكثير من البلاستيك وربما لمدة 3 و4 سنوات".
إنّها صرخة مدوّية لإيقاظ الوعي والضّمير، إذا ما تبقّى من ضمير، علّ المسؤولين والوزارات المعنيّة تتحرّك على الفور لتدارك الأمر وضبط هذه المسألة التي تعدّت كلّ المقاييس. ويأخذ هؤلاء على عاتقهم ضمان توفير مياه شرب نقية وصالحة للشرب سواء في المدارس أو المنازل، ويوكلون فريقاً متخصّصاً إجراء فحوص دورية والتأكد من مدى صلاحية مياه الشرب في مثل هذه المواقع.
وعليه، يُتّخذ القرار الحاسم بوضع النقاط على الحروف وإيقاف ضخّ المياه الملوثة إلى مدارسنا أو بتر السبب الملوِّث للمياه، لينعم أطفالنا ورجال المستقبل في هذه المدارس بالصحة قبل التعليم، فيشعر أهاليهم بالأمان والاطمئنان. ويبقى السؤال: من يتحمّل مسؤولية مرض أي طالب أو طالبة بسبب تلوّث مياه الشرب المدرسية؟
أخبار ذات صلة
في صحف اليوم: تراجع في موقف الجامعة العربية بشأن حزب الله بعد ضغط
2024-07-02 12:25 م 558
جنبلاط متشائم: أستشرف توسيع الحرب*
2024-06-24 09:10 ص 622
لبنان ليس للبيع... مولوي: نرفض الإغراءات المالية لتوطين النازحين*
2024-06-22 09:59 ص 541
تطوّر "لافت"... أميركا تكشف مكان السنوار وقادة حماس في غزة
2024-01-13 09:01 ص 677
خطة غالانت لما بعد حرب غزة.. هذه أهم بنودها
2024-01-04 09:09 م 657
مفوضية الجنوب في كشافة الإمام المهدي خرجت 555 قائدا وقائدة
2017-07-10 10:26 ص 2195
إعلانات
إعلانات متنوعة
صيدا نت على الفايسبوك
الوكالة الوطنية للاعلام
انقر على الزر أدناه لزيارة موقع وكالة الأنباء الوطنية:
زيارة الموقع الإلكترونيتابعنا
كفى اجتماعات بلا طعمة وجولات تصويرية إعلامية… من ينظّف صيدا؟
2026-03-08 11:32 ص
صور حين تتحول السيارة إلى بيت… والرصيف يصبح وطناً مؤقتاً
2026-03-07 10:57 م
بالفديو اثار القصف في مبنى جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية في صيدا
2026-03-07 12:16 م
رمضان في ساحة النجمة… فانوس البلدية بين الإشادة وعتب المتبرعين
2026-02-18 05:57 ص
تحليل المشهد الانتخابي في صيدا بعد خطاب دولة سعد الحريري

