×

بين العقل والخرافة... «رشح»

التصنيف: Old Archive

2013-05-14  04:37 ص  546

 

المؤمن، دينياً، هو ذاك الذي اعتقد بعيداً عن الملموس. لكن، هل هذا يعني تغييب العقل تماماً؟ ثمة مؤمن يصدق شيئاً ومؤمن آخر يُشكك به. هذا ما رشح به الخلاف حول «رشح» المقام الديني في بعلبك

محمد نزال

«تجارة الدين هي التجارة الأكثر رواجاً في المجتمعات التي يسود فيها الجهل». تُنسب هذه المقولة إلى الفيلسوف ابن رشد. هل ما حصل في بعلبك، ليل أول من أمس، كان تجارة دين؟ هذا هو السؤال الذي ظهر في المشهد، بين المتدينين أنفسهم، على خلفية ما أشيع عن «دم يرشح من مرقد خولة بنت الإمام الحسين». استحضر البعض مقولة ابن رشد، لإظهار خياره العقلاني، فيما استحضر آخرون أحاديث لا حصر لها عن «الكرامات والمعجزات». العقل في مقابل القلب. هكذا كان ظاهر مشهد الاختلاف، وإن كان كل طرف يرفض التخلي عن العقل والقلب معاً، علماً بأن الخلاف هنا ليس بين مذهب وآخر، بل في البيت الشيعي نفسه.

في الواقع، المسألة مستجدة على الشيعة، في لبنان تحديداً، إذ إن عبارة «الرشح» لطالما قرنت بتماثيل العذراء، التي يُقال إنها ترشح زيتاً أحياناً. عند المسيحيين هذه إشارة من الرب، وعند حصوله يهرع المؤمنون إليها للتبرّك. لكن يوم أمس كان «الرشح» شيعياً. إذاً، المسألة لا تقتصر على دين أو مذهب، وحتى السنّة، وسواهم من المذاهب، في الإسلام والمسيحية واليهودية وغيرها... لكلٍ «رشحه».
عندما يُقال إيمان غيبي فعلى العقل أن يجلس جانباً. لا يعني هذا، بالضرورة، تغييب العقل تماماً، فهو عند بعض المؤمنين، ومنهم الشيعة، جوهري الدور في أصل الاعتقاد، لكن في الفروع والتشريع لا بد من الامتثال... «سواء عُرفت الغاية الإلهية أو لم تُعرف، إذ لا يصدر عن الإله العبث، عقلاً، وبالتالي الحكمة قائمة حتماً وإن لم يدركها البشر».
إذاً، القضية مستجدة هنا، ولهذا ربما حصل ارتباك بين المؤمنين أنفسهم، بين مصدّق ومشكك وصامت، إذ شهدت مواقع التواصل الاجتماعي ضجيجاً يكاد يصبح معه كل شخص مرجعاً دينياً، أو ربما زميل دراسة لابن سينا في الفلسفة والميتافيزيقيا!
المسألة كلها في الإيمان. إيمان أو لا إيمان. لا تحتاج إلى كثير جدل. البعض كان يرصد صفحة الشيخ شفيق جرادي على «الفيسبوك» ليعرف رأيه. جرادي عالم دين ذو باع بالفلسفة وعلم الكلام، وهو من مدرسة الحوار بين الأديان، ومن الآخذين بعلوم المنطق والعقل. لا يشبه أبداً أتباع مقولة «من تمنطق تزندق». رغم ذلك، كانت ظنون «أهل العقل» والمشككين بطبعهم، تخيب عند عتبة صفحته. فاتهم أنه في نهاية الأمر هو عالم دين. ثمّة عمّة بيضاء على رأسه. قال لهم «أنا لا أستبعد حصول هذه الكرامات لأهل البيت، ولكن ما أريده الآن هو التريث لنتثبت من حقيقة ما يحصل في المقام». وأمس قال لـ«الأخبار» إنه في هذه القضية يفضّل التريث، علماً بأن المعلومات الواردة من بعلبك تزيد من منسوب تصديقنا لما حصل، ولكن بشكل عام «أنا أخاف من عقلية التصديق السريع، كما أخاف من عقلية النفي السريع. بصراحة أنا ضد علمنة الأفكار، أن نأتي لنعلمن الدين فإنه لا يبقى ديناً».
حسناً، لنقل إن ما حصل «أمر غريب» وغير مفهوم، فماذا يعني أن يرشح المقام أصلاً؟ ماذا يزيد هذا في قيمة أو مكانة صاحب المقام أو صاحبته؟ هذا سؤال لا تجد من يجيبك عنه بشكل واضح. إنها «كرامة» وانتهى البيان. في المقابل، كانت بعض الشخصيات الدينية المرموقة، عند الشيعة أيضاً، تدعو إلى «العقلنة» وتتكلم بما يوحي أن ثمّة «تسطيحاً للعقول» في ما يُقال. هؤلاء كادوا يلقون تكفيراً من بعض المتشددين.
اللافت أن هذا يحصل في البيت الشيعي، الذي لطالما ميّز نفسه بنفحة العقل، والذي يأخذ بمنطق أرسطو في مناهج حوزاته العلمية. يتناقل الشيعة، بحديث تؤكد مراجعهم صحته، حديثاً قدسياً عن الله يذكره أحد أئمة أهل البيت، وفيه أنه: «لما خلق الله العقل استنطقه، ثم قال له أقبل فأقبل، ثم قال له أدبر فأدبر، ثم قال وعزتي وجلالي ما خلقت خلقاً هو أحب إليّ منك، ولا أكملتك إلا فيمن أحب، أما إني إياك آمر وإياك أنهى، وإياك أعاقب وإياك أثيب». في المقابل، يُحكى عن الخرافة، وهذه في «لسان العرب» تُعرّف بأن شخصاً كان اسمه خرافة من بني عُذرة، غاب عن قومه لمدة قبل أن يعود ويقول بأن الجن اختطفه، فراح يُحدّث قومه بأحاديث مما رأى أنه يُعجبهم، فكذّبه بعضهم، وجرى اسمه على ألسنة الناس. هكذا، القصة كلها بين العقل والخرافة.

أخبار ذات صلة

إعلانات

إعلانات متنوعة

صيدا نت على الفايسبوك

صيدا نت على التويتر

الوكالة الوطنية للاعلام

انقر على الزر أدناه لزيارة موقع وكالة الأنباء الوطنية:

زيارة الموقع الإلكتروني

تابعنا