×

لهذه الأسباب تواصل إسرائيل تهديـدها للبنان

التصنيف: سياسة

2010-02-01  09:16 ص  959

 

التهديد الإسرائيلي المتكرر بضرب البنية التحتية للبنان، يُفترض أن يشير إلى ارتفاع منسوب الخشية الإسرائيلية ممّا بات لدى المقاومة من قدرات، ولا يعني بالضرورة أن تل أبيب تتوثب أو تريد في هذه الفترة، شنّ حرب على لبنان

يحيى دبوق
لا يُفترض بأحاديث الحرب وتحديد إمكانها وموعد وقوعها، أن تكون شبيهة أو مبنيّة على أحاديث المنجّمين والمتنبّئين، التي تكاثرت في الفترة الماضية، وتجد صداها في وسائل الإعلام، بين الحين والآخر. إن استشراف وقوع أيّ حرب، كما يفرض المنطق، يجب ألّا يستند إلى تنبّؤ أو تنجيم، بل لا يجوز أن يستند إلى استطلاع رأي جمهور: هل ترى إمكان وقوع الحرب، أم لا ترى ذلك.
للحرب أسبابها ودوافعها وإمكاناتها وظروفها السياسية والميدانية، وتستند الى إدراك من يعمل على الحرب مدى قدرة الجانب الآخر وإمكاناته على صدّه، وصد اعتدائه العسكري وإفشال مخططاته. يُضاف إلى ذلك، في الحالة الإسرائيلية، وتحديداً بعد فشل عام 2006، أن على إسرائيل أن تدرك ما لديها من قدرة فعلية على تحقيق النتائج الموضوعة لهذه الحرب، مهما كانت حافزيتها مرتفعة ودافعة إليها. وفي حال التمكن من إمساك هذا كله، يمكن التحليل والقول إن الحرب ستقع أو لا تقع.
لعلّ أهم ما يستند إليه البعض في تحليل الحرب وإمكان وقوعها، جملة من التهديدات الإسرائيلية للبنان، التي ازدادت بطيقة لافتة في الآونة الأخيرة، ويصحب هذه التهديدات عدد من التحليلات الإسرائيلية التي تتناقل ترجمتها وسائل الإعلام، وهي ليست إلا تكراراً للتهديد بأسلوب صحافي تحليلي، كأنّ الحرب حقيقة واقعة بالأمس، قبل أن تكون ممكنة في الغد. يزيد على هذه التهديدات، تصريحات لأطراف لبنانيّين محددين تطبّل للحرب، إضافةً إلى تصريحات دبلوماسيّين في لبنان تصيح وتركّز على سلاح حزب الله، والويلات المقبلة التي سيسبّبها للمنطقة. ومع الاحترام لعدد من المعلقين اللبنانيين، يُفترض بإعمال المنطق أن يشير بالضرورة إلى أن التهديد والإفراط فيه، ليسا إلّا دليلاً على توجه إرادة المهدِّد لردع المهدَّد عن فعلٍ ما، ولا يفترض به أن يشير الى إرادة تفعيل التهديد نفسه، بمعنى أن إسرائيل تهدّد لبنان كي تمنع عن نفسها ما تخشاه منه.
الظريف في عدد من الكتابات المنشورة أخيراً، عدم الاكتفاء بالحديث عن الحرب وإمكان وقوعها، بل تحديد مواعيدها، فالبعض يرى أن الربيع المقبل موعد مقدّر، ولدى البعض موعد محقّق، للحرب الإسرائيلية على لبنان. في الوقت نفسه، تشدّد بعض التقارير على أن الحرب إذا لم تقع في الربيع، فلها أن تقع في الصيف، وعلى أبعد تقدير في أيلول المقبل. وتشبه هذه الكتابات، ما كُتب في مواعيد الحرب من نسخة عام 2008، وكتابات من نسخة عام 2007، بل كتابات ما بعد حرب عام 2006. وأيّ بحث سريع في أرشيف تقارير الصحف وتحليلاتها لهذه الأعوام، يكشف عن تشابه كبير بينها وبين تحليلات اليوم، في حينه امتلأت الصحف بتوقعات عن الحرب وموعد وقوعها، وهي كما الآن تتحدث عن شهر أو ثلاثة أشهر أو تسعة، أو عن الربيع أو الصيف أو الخريف، وقد يجد الباحث في الأرشيف أن كل فصول السنة هي مواعيد للحرب المقبلة، التي لم تُقبِل إلى الآن...
بالعودة إلى التهديدات الإسرائيلية، فإن كثرتها وإفراط المسؤولين الإسرائيليين في إطلاقها، بل واعتبارها خياراً استراتيجياً إسرائيلياً حيال لبنان، كما عبّرت مصادر عسكرية إسرائيلية أخيراً، يكشف عن وجود إقرار إسرائيلي ضمني بعدم القدرة على ردع حزب الله باستهدافه أو بالتلويح بالقدرة على استهدافه، لذا ترى إسرائيل نفسها مندفعة نتيجة فقدانها خيارات أخرى، كي تلجأ إلى إثارة الرعب بين اللبنانيين، أملاً في الضغط غير المباشر على حزب الله. وقد يكون في أخبار أمس، وخشية «المصادر العسكرية الإسرائيلية» من أن يُقدم حزب الله على ضرب إسرائيل ربطاً بتطورات ومتغيرات إقليمية مقبلة (العقوبات على إيران)، في تطابق تام مع «رؤية» وزير الخارجية الفرنسية برنار كوشنير، قد يكون في ذلك إشارة إلى نوع الخشية الإسرائيلية، والهدف من إطلاق التهديدات نفسها، إذ يبدو أن إسرائيل وصلت بالفعل إلى قناعة بأن قدرات المقاومة تجاوزت الدفاع إلى الهجوم، ما يدفع إسرائيل إلى التذكير بقدرتها على الأذيّة، دون التصويب المباشر على أصل قدرات المقاومة، للتعذّر.
وفي السياق نفسه، يمكن القول إن إسرائيل تراهن من خلال التهديد بضرب البنية التحتية للبنان، على أن يعيد حزب الله حساباته، إذا قرّر مهاجمة إسرائيل، أي أن يعمد (الحزب) إذا قرر تنفيذ عمل «عدائي» ما، إلى الموازنة ما بين فوائد أيّ عملية ينفّذها ضد أهداف إسرائيلية، وبين الخسائر المتوقّع أن يتلقّاها كردّ إسرائيلي على العملية نفسها، على أن يدرك أن خسائره ستكون أكثر مما يفكّر فيه، بمعنى أنها ستشمل أهدافاً في البنية التحتية للبنان. وأمّا الإكثار من التهديد، فليس إلا دليلا على وجود سياسة مدروسة وهادفة، حُدّدت بناءً على قراءة معادلات القوة القائمة مع حزب الله، والخيارات المتاحة أمام إسرائيل، فما لا يُستطاع الوصول إليه بالقوة، يأمل الإسرائيليون أن يصلوا إليه من خلال التهديد باستخدام هذه القوة.
يُستخلَص من ذلك، أن التهديدات الإسرائيلية للبنان دليل على القلق الإسرائيلي، ويجب ألّا تعني منطقياً حرباً وشيكة، فإسرائيل تخشى من القدرة المتجمّعة لدى حزب الله، وتخشى أن يستخدمها ضدها، وبما أنها لا تريد المواجهة العسكرية، لكونها غير قادرة على تحقيق أهدافها، فإنّها تستخدم التهديد لإفهام الحزب أن الثمن سيكون مرتفعاً إذا قرر توجيه سلاحه ضدها. وبهذا المعنى، لا يشير التهديد إلى حرب على لبنان.

أخبار ذات صلة

إعلانات

إعلانات متنوعة

صيدا نت على الفايسبوك

الوكالة الوطنية للاعلام

انقر على الزر أدناه لزيارة موقع وكالة الأنباء الوطنية:

زيارة الموقع الإلكتروني

تابعنا