×

أبعد من الدفاع عن باسكال لحود

التصنيف: سياسة

2010-02-12  09:07 ص  2541

 

إنّ «الأمر الوحيد الذي يمكن رئاسة مجلس الوزراء القيام به منفردةً، هو تعطيل المؤسسات التي تديرها»، خلاصة قدمها أمس الوزير السابق ألبير منصور خلال مؤتمر عُقد في الجامعة الأنطونية. يبدو كلام منصور صحيحاً ومنطقياً وفق المواد الدستورية والقانونية، إلا أنه كلام ناقص، إذ تبيّن ــ وفق سير أعمال المؤتمر ــ أنّ رئاسة مجلس الوزراء قادرة أيضاً على تعطيل المؤتمرات

نادر فوز
أُنجزت التحضيرات اللازمة لإطلاق مؤتمر «رئاسة الحكومة في لبنان: إشكاليات الموقع والدور وآفاقه»، في الجامعة الأنطونية. حضر المدعوون، ومنهم ممثل رئيس الحكومة سعد الحريري، الوزير طارق متري، الذي يرعى المؤتمر. كانت الجلسات تبشّر بإمكان وجود نقاش جدي، ولو مكرّراً، نظراً لعناوين الجلسات وأسماء المشاركين فيها. إلا أنّ حدثاً ما أدى إلى تعليق المؤتمر، وتعطيله وفق ما يشير إليه أداء الفريق المحيط بالرئيس سعد الحريري. تحدثت نائبة رئيس الجامعة الأنطونية للشؤون الثقافية باسكال لحود في الافتتاح، وأشارت مستندة إلى دراسة نشرت في مجلة “The Leadership Quarterly” إلى أن الرئيس رفيق الحريري كان «قيادياً منتجاً وفعالاً، وكان فاسداً كذلك، لكنه لم يكن أكثر فساداً من غيره من القياديين في المجتمع اللبناني. وبالطبع، ليس أكثر فساداً من منافسه سليم الحص». اعتذرت لحود عن اضطرارها إلى نقل هذه الصورة التي يظهر بها لبنان في الخارج، وفق مجلات أكاديمية متخصصة، ورأت أنّ هذا الوصف يمسّ الجميع: الحريري والحص ورئاسة مجلس الوزراء وكل اللبنانيين. إلا أنّ هذه العبارات التي تقدمت بها لحود لم تكن مفهومة لدى جميع الحاضرين. فمنهم من تململ، ومنهم من أشار إلى أنها رفعت نسبة النقد، ومنهم من احمرّ وجهه وراح يتناقل الأحاديث الجانبية مع بعض حلفائه.
دام الهدوء قليلاً، والرعاية أقلّ منه، اعترض متري، صعد إلى المنصة، ألقى كلمته رغم احتجاجه. ردّ سريعاً على لحود، فقال: «سيدتي، يجب الابتعاد عن الإثارة والخفّة التي تفتقر إلى الدقة والرصانة، سواء أكان أصحابها لبنانيين أم أجانب». اكتفى متري بهذا الكلام المباشر، ليعود ويقدّم الدروس اللازمة في الديموقراطية وتعدّد الآراء والمقاربات والابتعاد عن العصبيات. إلا أنّ ما حصل من جانب الشخصيات المقرّبة من الرئيس سعد الحريري، جاء بعيداً عن كل ما تحدث عنه متري. فانسحب ممثل الحريري (متري) ومستشار الرئيس، داوود الصايغ، ومعهما ممثل الرئيس فؤاد السنيورة، عارف العبد، والنائب تمام سلام. انسحب الرباعي السلطوي بعد انتهاء جلسة الافتتاح، وسط احتجاجه على كلمة لحود، مع العلم بأنّ الأخيرة أوضحت موقفها وأنها لا تهدف إلى الإساءة إلى شخص أحد.
على هذا النحو بدأ التوتّر في الجامعة الأنطونية، وسط انسحابات متتالية، من مقرّبين وغير مقرّبين من الرئيس سعد الحريري وتيار المستقبل.
تابعت الجامعة المؤتمر بعد انسحاب الأربعة، فكانت جلسة أولى بعنوان «رئاسة الحكومة من الجمهورية الأولى إلى الطائف»، غاب عنها داوود الصايغ الذي كان اسمه مدرجاً في جدول المشاركين فيها، ثم جلسة ثانية غاب عنها الإعلامي وليد عبود الذي كان من المفترض أن يدير الجلسة. واعتذر القاضي محفوظ سكيني عن عدم المشاركة في الجلسة الثانية لأسباب طارئة، مع العلم بأنه كان حاضراً خلال الجلسة الافتتاحية.
مع انتهاء الجلسة الثانية، أعلن رئيس الجامعة، الأب أنطوان راجح، تعليق أعمال المؤتمر «ريثما يُرتَّب ما يلزم، واحتراماً لمشاعر كثيرين بنتيجة استدلالات متنوعة ومنعاً لاستغلال المؤتمر وتحييده عن أهدافه العلمية والبحثية».
يرفض مسؤولو الجامعة الأنطونية التعليق على ما جرى، مكتفين بالإشارة إلى مضمون البيان الصادر عن رئاسة الجامعة. كذلك تبتعد لحود عن الإجابة عن أي سؤال عمّا جرى.
يؤكد معظم الذين تابعوا ما حصل داخل قاعة المؤتمر تضخيم فحوى كلمة لحود وتحريفها، فكان أن استخدم متري وغيره من المقربين من الرئيس الحريري وسائل سلطوية للضغط على الجامعة وعلى سير المؤتمر، بدلاً من نفي الحديث المنشور عن الفساد في الدولة اللبنانية. فجاء اعتذار عدد من المشاركين عن عدم الحضور نتيجة اتصالات حريرية، فيما كرّست البيانات الصحافية الضغط الإعلامي والسياسي على رئاسة الجامعة، فكانت النتيجة تعطيل المؤتمر أو تعليقه بسبب عدم فهم ممثل الرئيس الحريري لمضمون أحد منظمي ورشة العمل.
بذلك، تكون رئاسة الحكومة قد تدخّلت في سير نشاط أكاديمي لتضمّنه نقاشاً محتملاً عن أداء الحكومات السابقة، ولا سيما الحكومات التي رأسها الشهيد رفيق الحريري، وهو الأمر الذي يمكن أن يصل بالرئاسة إلى حدّ المسّ بحرية التعبير وحرية الرأي والديموقراطية التي ينصّ عليها الدستور.
أوضحت الأكاديميّة لحّود موقفها وأكّدت أنها لا تهدف إلى الإساءة إلى أحد

على صعيد آخر، اللافت أنّ ردود الفعل المعترضة على ما جاء في الكلمة الافتتاحية، أخذت لدى بعض المعترضين بعداً مذهبياً، عبر اعتبار أنّ العودة إلى ما نشرته «The Leadership Quarterly» تطاول على مقام رئاسة مجلس الوزراء ومسّ بالمسؤولين عنها، أي ممثلي الطائفة السنيّة. وربما جاءت ردود الفعل المتوتّرة نتيجة اقتراب ذكرى 14 شباط، التي يكنّ لها تيار المستقبل وحلفاؤه الكثير من العاطفة والأهمية، سواء أكان على المستوى السياسي أم الشخصي. إلا أنّ هذه الحجة لا تبرّر ما قام به ممثلو تيار المستقبل في افتتاح المؤتمر، لأن إثارة موضوع الفساد الحكومي جاءت في الأصل خلال جلسات نقاش وفي إطار حواري.
بعيداً من أداء رئاسة الحكومة، تجدر الإشارة إلى أنه جرى الحديث أمس عن إمكان اتّخاذ رئاسة الجامعة تدابير تأديبية بحق لحود. لم يتحدث أي من المسؤولين في الأنطونية عن هذا الملف، إلا أنّ مجرّد إشارة بعض المستقبليين إلى هذا الموضوع ينذر بإمكان ضغط السلطة على إدارة الجامعة لهذا الهدف. وإذا وقعت إدارة الأنطونية بهذا الفخ، فسيكون حجم اللوم عليها أكثر من لوم رئاسة الحكومة، لأنها مؤسسة تعليمية تؤمن أولاً بمناقشة النصوص العلمية، ولأنها ثانياً راعية نشاطات حوارية وانفتاحية، فضلاً عن جواز الحديث عن تقصير رئاسة الجامعة تجاه إدارة المؤتمر وعدم إطلاعها على مضمون كلمة لحود، هذا إذا لم تكن الإدارة موافقة أساساً على ما نقلته تلك الكلمة.



نيل وترانسي

استهلّت باسكال لحود، أمس، كلمتها الافتتاحية بالإشارة إلى وجود «خبر سيّئ عن سمعة مجتمعنا عموماً وسمعة رئاسة الحكومة عندنا خصوصاً، وأسوأ ما فيه أنه ليس عارياً تماماً من الصحة». ثم تحدّثت عمّا نشر في «The Leadership Quarterly» بعنوان «ديناميات القيادة الفاسدة المنتجة: أمثولات من تجربة رفيق الحريري السياسية في لبنان»، للباحثَيْن الجامعيَّين مارك نيل وريتشارد ترانسي. اقتبست لحود من هذه الدراسة بضعة مقاطع، أبرزها: «كان الحريري قيادياً منتجاً وفعالاً، وكان فاسداً كذلك، لكنه لم يكن أكثر فساداً من سواه من القياديين في المجتمع اللبناني... أسلوب الرئيس الحريري في القيادة هو النمط القيادي الفاسد الفعال... وقد يكون هذا النمط أفضل الممكن في المجتمعات الفاسدة».
الجدير بالذكر أنّ الدراسة التي استشهدت بها لحود هي إيجابيّة تجاه الرئيس رفيق الحريري ومتحاملة على الرئيس سليم الحص، وما وصفُها الرئيسين بالفساد إلا كجزء من خلفيّتها النظرية التي ترى أنّ الحكومات في بلدان كلبنان لا يمكنها العمل إلا عبر شبكات من الفاسدين. لكنّ الحاضرين الموالين للرئيس رفيق الحريري حمّلوا لحود مسؤولية إطلاق وصف «الفاسد» على الحريري، واتهموها بالخفّة رغم اقتباسها من مجلة أكاديمية علمية محكَّمة، أي إنّ الدراسات لا تنشر فيها إلا بعد مراجعتها من عدد من الأساتذة الجامعيين، وهذا النوع من المجلات هو الذي يسمح بترفيع الأساتذة من مستوى تعليمي إلى آخر.



المساس بالمسؤولين مسّ بـ«الجامعة» وبالمواطنين

علّقت رئاسة الجامعة الأنطونية المؤتمر «احتراماً لمشاعر كثيرين بنتيجة استدلالات متنوعة ومنعاً لاستغلال المؤتمر وتحييده عن أهدافه العلمية والبحثية، وذلك ريثما ترتّب ما يلزم»، وهو ما أعلنه الأب أنطوان راجح (الصورة). وأكدت الجامعة في بيان صدر عن رئاستها أن خيارها لن يكون الإساءة إلى أحد، وأنّ أي إساءة للمسؤولين اللبنانيين هي إساءة للجامعة وللشعب اللبناني كله، «وكيف إذا كان الكلام يطال رئيساً نسجت معه الجامعة أطيب العلاقات وقدمت كل التعاون المناط بمهامها وكانت تلقى منه دائماً كل دعم واهتمام ومحبة». وأشار البيان إلى أنّ طلب الجامعة من الرئيس سعد الحريري رعاية المؤتمر «دليل على الاحترام الذي تكنه لموقع رئاسة الحكومة من جهة، ولشخصه من جهة أخرى، وتأكيد على تقديرها لعائلة الحريري ولكل رؤساء الحكومة السابقين». وكرّرت الأنطونية حرصها على «كرامة المسؤولين والقيادات وتثمينها لتجاوب دولة الرئيس، واثقة من قراءته الموضوعية والمنصفة».

أخبار ذات صلة

إعلانات

إعلانات متنوعة

صيدا نت على الفايسبوك

الوكالة الوطنية للاعلام

انقر على الزر أدناه لزيارة موقع وكالة الأنباء الوطنية:

زيارة الموقع الإلكتروني

تابعنا