×

ما للجيش للجيش وما للمقاومة للمقاومة

التصنيف: سياسة

2010-02-16  09:38 ص  789

 

 

ملاك عقيل
حتى الساعة لا يجد وزير الدفاع الياس المر من داع ٍ للقاء رئيس الهيئة التنفيذية في «القوات اللبنانية» سمير جعجع، مفضّلاً «فصل المسار» بين أسلوب والده الدبلوماسي في مقاربة العلاقة مع معراب وأسلوبه «البارد». في المقابل لا يبدو «الحكيم» أيضاً متلهّفاً لمصافحة يبدو أنها خارج السياق الزمني لـ«مرحلة المصالحات» المفتوحة على مصراعيها، وإن كانت معراب قد كثّفت اتصالاتها في الآونة الأخيرة بمكتب «معالي الوزير» في اليرزة على سبيل «الاستيضاح... والعتاب» على خلفية ما قالت أنه «حملة ملاحقات أمنية» بحق مناصريها في المناطق.
شهيرة هي حادثة الكرنتينا صبيحة 15 كانون الثاني من العام 1986 يوم أطبقت قوات سمير جعجع طوقها على «المبنى الأبيض» حيث مقر الياس حبيقة، وكان الياس المر مُحاصراً معه في المكتب. «تَصرّف» قائد الجيش ميشال عون، فخرج وحيد ميشال المر حياً مع صديقه حبيقة. ليست تلك الحادثة وحدها التي تفسّر جدلية العلاقة بين آل المر و«الحكيم» من جهة، وبين آل المر و«الجنرال» من جهة أخرى. في أولى جلسات الحوار العام 2006 اقترب سمير جعجع من ميشال المر وسأله «كيفك ميشال»، تطلّع اليه باستغراب العارف قائلاً «مش عم بسمع». كان «دولته» بأسلوبه الساخر يحاول تذكير جعجع بالضرّر الذي أصاب أذنه من جراء محاولة الاغتيال التي تعرّض لها في انطلياس العام 1991 عندما كان وزيراً للدفاع واتهم جعجع بها. مع ذلك تخطى الأب حساسية العلاقة وتعقيداتها مع «الحكيم» الخارج من قبو وزارة الدفاع، وكان عليه انتظار فك تحالفه السياسي والانتخابي مع ميشال عون ليزور معراب في العلن عشية إعلان لائحة المتن، مؤكداً «عودة العلاقة الشخصية الى طبيعتها» وواعداً «بزيارة معراب كل أسبوع في حال كان هناك من ضرورة...»، لكن المر الأب اكتفى بتلبية دعوة «الحكيم» الى مأدبة عشاء في معراب بعد انتهاء الانتخابات النيابية، ثم انكفأ الى الوراء ممارساً «وسطيته» بصمت التعِب والمنكفئ تدريجاً عن ساحة المحاور السياسية وتوازناتها التي أتقن «عراب الرؤساء» حياكتها على مدى 40 عاماً.
لا يبدو، في المقابل، نائب رئيس الحكومة ووزير الدفاع في حكومة الرئيس ميشال سليمان الأولى في وضع الساعي لترتيب علاقة مع معراب، اضطر والده لحسابات انتخابية محض ان يلمّلم بعض أجزائها. لكن هذا الواقع لا يضع الياس المر بالضرورة في «الجبهة» المواجهة لمقر قيادة «الحكيم». فكوادر «القوات» في المتن تنسج علاقة يصفها البعض بـ«الممتازة» مع وزير الدفاع، والأخير لا يتردّد في تأمين رخص السلاح المطلوبة لمحسوبين على «القوات» بالقدر المسموح به... لكن «الكولسة» القواتية تنطلق من «ملف الملاحقات» بحق مناصريها لترسم خطاً فاصلاً «رفيعاً جداً» بين ممارسات عناصر المخابرات في الجيش اللبناني في الأسابيع الماضية وموقف وزير الدفاع منها. فالدعوى التي تقدّم بها والد القاصر طوني شعيا (اقتيد الى مركز المخابرات لتنبيهه بعد اتهامه بالاعتداء على طلاب في باص) رفعت ضد «عناصر عسكرية تابعة لوزارة الدفاع وكل من يظهره التحقيق فاعلاً أو شريكاً أو متدخلاً في الجريمة»، وأعقب الدعوى صدور بيان عن الدائرة الاعلامية في «القوات» يطالب وزير الدفاع بعدم ترك الأجهزة الأمنية تقوم بأي تجاوزات بعد اليوم». آثر الوزير المر عدم الرد مكتفياً ببيان مديرية التوجيه «التوضيحي»، وانطلق في رحلته الى واشنطن تاركاً للسيناريوهات القواتية ان ترسم معالم المرحلة المقبلة مع... المؤسسة العسكرية.
القواتيون يردّدون في السر والعلن ان هناك محاولة لـ«تطويقهم» من قبل «نيو» نظام أمني، ويشيرون الى خطأ في «الإدارة» السياسية ـ الأمنية للملفات بما فيها ملف التعاطي مع «حزب القوات»، لكنهم لا يضعون المر في «بوز المدفع»، فإحداثياتهم تشير الى «عدم رضى» من قبل وزير الدفاع عن كل ما «يتجاوز القانون»، وهم يصوّبون سهامهم مباشرة نحو قائد الجيش جان قهوجي الذي يغطي، برأيهم، هذه الممارسات، مع إدراكهم في الوقت عينه للعلاقة الوثيقة جداً و«الممتازة» التي تربط بين المر وقهوجي. ويتحدثون، في هذا السياق، عن عودة زمن «استخدام الجيش» في الصراعات الداخلية، آخذين على قهوجي تحديداً الذي كان مسؤول جبهة سن الفيل أثناء «حرب الإلغاء»، بتغطية بعض الممارسات القمعية بحق قواتيين بالتكافل والتضامن مع نائب مدير المخابرات عباس ابراهيم. المآخذ تصل الى حد الحديث عن «عقدة» تتملك بعض «ضباط عون» في المؤسسة العسكرية حيال «الأرزة الخضراء ودائرتها الحمراء».
وتأخذ قيادة معراب على وزير الدفاع شخصياً رفضه المستمر لإلغاء مذكرة كانت صدرت أيام جميل السيّد، تسمح لعناصر مديرية المخابرات بالتدخل في الاشكالات والجرائم التي تحدث بين المواطنين التي لا طابع مخابراتياً لها ولا تمسّ أمن الدولة، والتي تدخل ضمن صلاحيات القوى الأمنية الأخرى كالدرك... في المقابل للمؤسسة العسكرية خطوطها الحمر في كل ما يمكن أن يؤثر على السلم الأهلي. وتروي أوساط معنية في وزارة الدفاع «ان اي حادث أمني يتم التعاطي معه كحادث فردي بغض النظر عن انتماءات المعنيين به أكانوا قاصرين أو بالغين». وتضيف الأوساط «الجيش معني بتطويق أي حادث من شأنه ان يؤدي الى فتنة طائفية، وكل من يتبنى هذا النوع من الأحداث ويبني عليها يَصغر ولا يكبر...»
ليس القاصر شعيا وحده الذي أشعل جبهة معراب ـ اليرزة. فـ«القوات» التي تؤكد اقتياد عناصر مخابرات الجيش لمسؤول قواتي في جرود البترون والتحقيق معه في مركز مخابرات الجيش في القبة لرفضه جرف الثلج من أمام حاجز للجيش اللبناني في تنورين، تناقض روايتها رواية عسكرية تقول ان الشاب المعني قد أعاق تنفيذ مهمة مكلفة بها مغاوير الجيش في المنطقة مما اضطر العناصر الى استدعائه للتحقيق معه. وتدليلاً على عدم استهدافها عناصر «القوات» لناحية الاستدعاءات التي تحصل، تقول الأوساط «بعد يومين من توجيه التنبيه الى القاصر طوني شعيا، أوقفت دورية من الجيش على طريق المصنع ثلاثة مراهقين في مجدل عنجر رشقوا باصاً ينقل ركاباً شيعة بالحجارة، اثناء توجّههم الى زيارة الأماكن المقدسة في سوريا، ثم أخلي سبيلهم في اليوم نفسه بعد تنبيههم الى خطورة ما يقومون به، ومع ذلك لم نسمع من يتحدث عن استهدافات سياسية».
وفي وزارة الدفاع تجد «ترجمة فورية» للخطاب التجييشي الذي تعتمده «القوات» عبر الايحاء بتجدّد «حملة النظام الأمني» ضدها. «القوات» هي الطرف الوحيد الذي لم يركب «قطار المصالحات»، وفي هذا الواقع تفسير للكثير من الأمور». أكثر من ذلك، ووفق تأكيدات مصادر عسكرية في الوزارة، يتعاطى الجيش بكافة أجهزته مع «القوات اللبنانية» بوصفه حزباً مرخصاً، له نوابه ووزراءه في مجلس النواب والحكومة. لا استهدافات أمنية ضدهم، ونحتكم للقضاء في الدعوى المرفوعة ضد العناصر في وزارة الدفاع، أما الحديث المتكرّر عن ضباط يدورون في «فلك عون» ويستغلون مواقعهم للانتقام من القواتيين فهو أمر غير موجود إلا في مخيّلة قائله، والمنطق يقول ان «جيل عون» بعد عشرين عاماً... قد تقاعد». وتشير الأوساط الى واقع هام يغفله البعض «وهو وجود لم يشهد لبنان مثيلاً له في الماضي قوامه الرئيس ميشال سليمان ووزير الدفاع وقائد الجيش، متناغم ومنسجم في الخيارات والعناوين السياسية والأمنية الكبيرة، والانجاز الأهم يكمن في المحافظة على الاستقرار بعد انسحاب الوصي السوري».
وهكذا عندما يتحدث وزير الدفاع عن رفضه «عودة عقارب الساعة الى الوراء» وانفتاحه على لقاء «الحكيم» في أي وقت، فهذا يعكس برأي المطلعين قدراً كبيراً من نظرة المؤسسة العسكرية اليوم الى «القوات» بتنظيمها الحالي. هذا في الشق الأمني، اما في الشق السياسي فإن المناسبات الاجتماعية النادرة التي جمعت وزير الدفاع مع جعجع، وآخرها مأدبة العشاء في منزل النائب فريد مكاري لم تمهّد الطريق للقاء يبدو ان الكاميرات لن تلتقط صورة له في المدى القريب.
ما يعزّز جو التباعد الحالي بين الرجلين، على الرغم من المحاولات الحثيثة للمر الابن بتثبيت «البروفيل الوسطي» لشخصه أمام من عايشوا عهود والده «المتعدّدة الأوجه»، الرفض المتجدّد لوزير الدفاع بدمج المقاومة في الجيش، وفيما سيجلس سمير جعجع على طاولة الحوار لبحث مسألة الاستراتيجية الدفاعية منادياً «بإلحاق المقاومة بالجيش»، سيكون المر في المقلب الآخر معمّماً مقولة «ما للمقاومة للمقاومة وما للجيش للجيش». ولائحة التباعد تطول: يفضّل المر استقبال رئيس «تيار التوحيد» وئام وهاب، أحد ألدّ أعداء «القوات»، لمرتين متقاربتين في منزله في الرابية، «برعاية ولمسات» قائد الجيش جان قهوجي، بدلاً من استكمال ما بدأ والده بترميمه على خط العلاقة مع معراب. التقارب «المنتظم» مع الرابية، حيث فضّل المر أيضاً سلوك طريق «عكس سير» والده العائد لتوه من مسيرة «الحجّ البرتقالية». «القواتيون»، وعلى الرغم من التوضيحات المستمرة لوزير الدفاع بـ«وقوفه على مسافة واحدة من الجميع»، يرونه أقرب الى منطق «حزب الله» وحلفائه، من منطق قوى الرابع عشر من آذار. أكثر من ذلك، فإن السيبة الثلاثية (trio) «المنسجمة» التي تفاخر بها المؤسسة العسكرية وتروّج لعناصر نجاحها، هي بالتحديد ما يزعج القواتيين غير الراضين عن أداء قائد الجيش تجاههم. ولن يغيب عن بال هؤلاء ان المعادلة التي حكمت تنسيق «الأمر الواقع» بين المر الأب ومعراب في الانتخابات النيابية الأخيرة قد لا تتكرّر في الاستحقاقات المقبلة وأولها الانتخابات البلدية، وثمة من يرّوج في المتن لمقولة «حيث سيكون الأرمن سيكون الياس المر»... المتأهب، أصلاً، لوراثة امبراطورية السلطة والنفوذ والخدمات التي أرساها والده.

أخبار ذات صلة

إعلانات

إعلانات متنوعة

صيدا نت على الفايسبوك

الوكالة الوطنية للاعلام

انقر على الزر أدناه لزيارة موقع وكالة الأنباء الوطنية:

زيارة الموقع الإلكتروني

تابعنا