×

ما منسى والسما بكل الألوان قصة قصيرة جداً

التصنيف: سياسة

2010-02-17  03:29 م  787

 

 

... مثل كل مساء من العام 1985 كان الناس معتصمين داخل بيوتهم، وقد أوصدوا أبوابهم، خوفاً من حالة الرعب التي تسيطر على البلدة.
ومن نافذته يستطيع ولد في عمر التسع سنوات أن يرى الغربان الجائعة وهي تطير جيئة وذهاباً.
الولد يعمل على إتمام واجباته المدرسية، بينما والداه يجلسان في الصالون يشاهدان التلفاز وفي قلبيهما غصّة بحثاً عن حالة فرح صغيرة يدخلانها إلى قلب ولدهما الحزين دائماً كحالة البلد التي لا تعرف الفرح، وكأن الفرح خيانة وخطيئة كبرى...
نهض الولد عن درسه وراح يستمع بشغف إلى رغبته في أكل الحلوى، ركض يقبّل يد والده طالباً منه أن يخرج ويشتري له الحلوى.
احتار الوالد في أمره كيف سيخرج الآن وهو يعلم أن الخروج في هذه الساعة محالة؟
وأن الخروج الآن يعني اللاعودة . نظر في عيني ولده ورأى الشوق والرغبة في أكل الحلوى ورأى العتاب، بينما رأى الخوف والهلع في عيني زوجته.
الولد الوحيد، الولد الذي جاء إلى هذه الحياة بعد علاجات دامت عشرات السنين، الولد الذي جاء في زمن الرعب والخوف، هذا الولد لا يُرفض له طلباً حتى ولو كان يريد لبن العصفور. ما ذنبه إذا كانت رغبته الآن أن يأكل الحلوى.
ولأن الوالد يبحث عن الفرح ليزرعه في قلب ولده، وقف وتناول محفظته ومعطفه وتوجه نحو الباب، نظر إلى المنزل وإلى زوجته وولده نظرة عميقة وكأنه يُصوّر كل التفاصيل الصغيرة ليأخذها معه، فتح الباب وخرج...
الأم تجمّدت في مكانها بلا حراك، الولد ركض مسرعاً باتجاه النافذة منتظراً عودة والده... إنتظر الولد كثيراً، إنتظر عودة الوالد كثيراً، مرّت سنوات وسنوات وسنوات... لكنه لم يرجع. جفّت الدموع في المآقي، وجمد الكلام، وتحجّرت القلوب، لكنه لم يرجع..
 الوالد صار صورة معلقة على الحائط في وسط البيت، الأم لا تزال جامدة بلا حراك، الولد الذي أصبح والداً لا يزال ينتظر والده قرب النافذة، وعيونه مصوّبه نحو المجهول، وأمامه ولده الصغير ينتظر عودة جدّه....
 
خليل إبراهيمالمتبولي
 

أخبار ذات صلة

إعلانات

إعلانات متنوعة

صيدا نت على الفايسبوك

الوكالة الوطنية للاعلام

انقر على الزر أدناه لزيارة موقع وكالة الأنباء الوطنية:

زيارة الموقع الإلكتروني

تابعنا