×

يتصارع كثيرون للوصول إلى مبنى مكاتب النواب في المجلس النيابي،

التصنيف: سياسة

2010-02-19  09:14 ص  1422

 

يتصارع كثيرون للوصول إلى مبنى مكاتب النواب في المجلس النيابي، نواباً وموظفين إداريين وأمنيين. المعلومات عمّا يفعله النواب في تلك المكاتب تغدو عادية حين تقارن بالمعلومات عمّا يفعله الموظفون في المبنى نفسه. علماً بأنّ كفاءة جهاز المجلس النيابي الإداري وتنظيمه وانضباطه هي المفاتيح لينجح المجلس النيابي في أداء دوره الاشتراعي والرقابي

غسان سعود
الصورة من بعيد هي نفسها عن قريب: مباني مجلس النواب فسيحة، بنيتها التحتية مقبولة، تجهيزات الصوت والمكننة تضاهي تلك الموجودة في أحدث دول العالم. المكننة طرقت أيضاً باب قاعات اللجان أخيراً وشباب الأمن (شرطة المجلس النيابي) يظهِرون احتراماً كبيراً للزوّار، سواء أكان في الاستقبال أم في التحية للنواب باختلاف انتماءاتهم. هذا المبنى الذي يشتهي السياسيون ورجال الأعمال حجز غرف لأسمائهم فيه، يشتهي العيش بين طبقاته التسع (2 تحت الأرض و7 فوقها) بعض المواطنين.
الطامحون إلى النيابة يقدمون عادة أوراق اعتمادهم عند أكثر من زعيم. أما الطامحون إلى الوظيفة في المجلس النيابي فلا مرجع يستقبل أوراق اعتمادهم إلا رئيس المجلس. واللافت أن المجموعة الأولى تمرّ باختبارات عدة للتوظف، أما المجموعة الثانية فتكفيها ثقة رئيس المجلس بها. في هذا السياق، يشير رئيس المجلس الدستوري عصام سليمان، في دراسة عنوانها «البرلمان في الجمهورية اللبنانية»، إلى أنه «نادراً ما يجري التقيّد بالمعايير العلمية والموضوعية في تعيين الموظفين وترقيتهم. فقد تسللت المحسوبيات والطائفية والزبائنية إلى إدارة المجلس (النيابي) وعرقلت عملية تطورها وتفعيلها». يؤكد سليمان أن «هناك تضخماً في عدد العاملين في مجلس النواب، وأن عدداً كبيراً منهم تنقصه الكفاءة، والبعض يتقاضى مرتّباً من دون أن يعمل فعلياً». ويلفت إلى وجود «مشكلة تعترض استفادة الموظفين من الدورات التدريبية، وهي عنصر المحسوبيات والطائفية الذي يتحكم باختيار المشاركين فيها، ومشكلة إتقان لغة أجنبية».
التجوال في المجلس يؤكد بعضاً مما يتكلم عليه رئيس «الدستوري»:
في قسم الطباعة في الطبقة الرابعة من مبنى مكاتب النواب في المجلس النيابي هناك دائماً موظف يكدّ في العمل مقابل 4 موظفين لا يفعلون شيئاً يخصّ وظيفتهم: اثنان يثرثران ويشربان «المتّة»، واحد «يضع رأسه برأس» الكلمات المتقاطعة في صحيفة «المستقبل»، وواحد يسترخي على كرسيّه واضعاً قدميه العاريتين على الطاولة مسترسلاً في غرامياته عبر هاتف المجلس. هاتان القدمان من أشهر الأشياء في المجلس النيابي، فلا يسأل نائب أو مساعد نائب عن رأيه في الموظفين بالمجلس إلا ويتحدث عنهما. ويروي أحد النواب في كتلة المستقبل كيف فوجئ بهما حين دخل غرفة الطباعة ووجدهما ثابتين فوق الطاولة يرحبان به (...). سلوك الموظفين في هذا القسم دفع معظم النواب إلى الطلب من مسؤولي مكاتبهم توفير المشقّات والتوجه إلى الطبقة السادسة حيث المكتب التابع لبرنامج الأمم المتحدة للتنمية لقضاء حاجاتهم التصويريّة. ومن المكتب نفسه، بات معظم النواب يرسلون الفاكسات لأن إدارة المجلس النيابي تمنع النواب من تركيب فاكس في مكاتبهم، إلا إذا مدّوا خط هاتف ثابتاً خاصاً بهم.
في الطبقة الثانية تحت الأرض هناك مكتبة المجلس النيابي. برنامج الأمم المتحدة حدّث كثيراً هذه المكتبة التي باتت تضم نحو عشرين ألف كتاب. لكن رائحة الغبار في المكتبة تؤكد أن الجهد يضيع هباءً ولا أحد يزحزح تلك الكتب. والسبب الرئيسي لهذا الأمر هو خمول الموظفين الذين لا يبالون بابتداع وسائل تحفيز للنواب على القراءة ولا بالتواصل مع الباحثين والطلاب في الجامعات لجذبهم إلى المكتبة. ولا أحد يعلم، في الأساس، ما هي الآلية لدخول المكتبة والاستفادة من مراجعها.
على سيرة الغبار، يسجل أن معظم موظفي التنظيف الذين يشيد معظم النواب بأدائهم، هم من غير اللبنانيين.
بالعودة إلى الطبقة الأولى، هناك قسم البريد حيث ثمة موظف يداوم «على التلفون»، فيما زميله يترصد النواب على مدار الساعة لإبلاغهم بالصعوبات الاقتصادية التي يمر بها وحاجته الماسة إلى بعض مئات الدولارات.
في مختلف الأقسام، يبدو كلام سليمان على «الفائض في الموظفين» منطقياً جداً، لكن إثبات ذلك مستحيل لأن قائمة الموظفين تدخل ضمن «أسرار الدولة» والحصول عليها متعذر حتى بالنسبة إلى نائب رئيس مجلس النواب. علماً بأنّ القانون يشرّع تعيين الموظفين في مجلس النواب الذي هو إدارة عامة بقرار من رئيس المجلس مباشرة من دون المرور بأية مباراة سابقة أو دورات تدريبية لاحقة. وبحسب رئيس «الدستوري»، يتجاوز عدد موظفي المجلس الأربعمئة، و«نادراً ما يجري التقيد بالمعايير العلمية والموضوعية في تعيين الموظفين وترقيتهم. فقد تسللت المحسوبيات والطائفية والزبائنية إلى إدارة المجلس وعرقلت عملية تطورها وتفعيلها».
بعض النواب «الجديين» يشكون من خمول الموظفين و«تربيحهم الله جميل قيامهم بواجبهم». وبانفعال يروي أحد النواب كيف انتظر أكثر من أسبوعين ليتمكن من التواصل مع المسؤول عن صيانة الكمبيوتر. ويتحدث زميله عن غرابة إقفال الكافيتيريا عند الساعة الثانية ظهراً، مشيراً إلى أن معظم الموظفين يقفلون أبواب مكاتبهم للتسلية في مكتب آخر ولا أحد يحاسبهم أو أقله يسائلهم. ويروي أحد النواب أنه بعد إصدار رئيس المجلس النيابي نبيه بري تعميماً بإبقاء مبنى مكاتب النواب مفتوحاً حتى الساعة العاشرة مساءً، تآمر بعض الموظفين لإلغاء مفعول التعميم: عند الخامسة عصراً يتصل أمن الموقف ليطلب من النائب إخراج سيارته، وعند الخامسة أيضاً تنقطع المياه عن الحمامات. وبعد ساعة، عند السادسة عصراً، ينقطع الإنترنت. وإذا عاند النائب أكثر وقرر الصمود في المكتب فسيجد فور مغادرته وجهاً ناشفاً يودعه وعيوناً تتوعده بالانتقام. لكن، لماذا يتحفظ هؤلاء النواب على ذكر أسمائهم؟ ببساطة، لأنهم جميعاً على اختلاف انتماءاتهم شركاء في اللعبة، إذ يوزع الرئيس نبيه بري نسبة صغيرة من الوظائف على النواب الذين «يوجّعون الرأس» والذين يبدأ بعضهم بالمطالبة بإعادة هيكلة مجلس النواب وينتهي بطلب الحصول على وظيفة في المجلس لشقيقه. تجدر الإشارة إلى أن أحد الأسباب الرئيسية للأزمة على هذا الصعيد هو افتقاد المجلس مديرية متخصصة في إدارة الموارد البشرية، ما يؤدي إلى تحمّل بعض الموظفين عبء عدم قيام زملائهم بواجباتهم. إضافة إلى عدم وجود رؤية أو خطة تنموية للموارد البشرية الموجودة. فضلاً عن أنّ غياب معايير التقويم والتحفيز والمحاسبة يدخل الموظفين في حالة ملل عامة تجعلهم يعيشون على المحسوبية بدلاً من الاستفادة من المحسوبية مرة واحدة لإثبات استحقاقهم لموقعهم.
في موازاة الكلام على الفائض في الموظفين، هناك إجماع على وجود نقص كبير في جهاز المجلس الإداري على صعيد الاختصاصيين في المجالات المختلفة. إذ تضطر بعض اللجان إلى الاستعانة بخبراء من القطاع الخاص، كما فعلت لجنة الإدارة والعدل أثناء إعدادها دراسة قانون أصول المحاكمات الجزائية، ولجنة تحديث القوانين خلال إعدادها دراسة قانون الملكية الفكرية. ويؤكد رئيس المجلس الدستوري في هذا السياق أنه «ليس في مجلس النواب خبراء متخصصون في مختلف الحقول التي يتناولها التشريع لكي يزودوا النواب بالدراسات التي تطلبها دراسة مشاريع القوانين». ولا يُستعان بمكاتب دراسات خاصة إلا نادراً. وتكفي هنا الإشارة إلى عدم وجود خبير متفرغ واحد في الشؤون المالية في المجلس الذي يفترض أن يدقق في أرقام مشروع الموازنة، لإثبات واقعيتها. علماً بأن الرئيس بري سعى أخيراً إلى ملء هذه الثغرة، وبدأ بتعيين مستشارين للجان النيابية. لكن مرة أخرى تتقدم المحسوبية على الكفاءة في اختيار هؤلاء المستشارين، إذ لا معايير محددة لاختيارهم. واللافت هنا أن أجر المستشار مليون ليرة شهرياً، وبالتالي فالوظيفة بالنسبة إلى هؤلاء المستشارين الذين يفترض أن يكونوا متخصصين في مجالات محددة أشبه بالتطوع في مؤسسة وطنية.
ويعطي النظام الداخلي لمجلس النواب رئيس المجلس صلاحية تقرير وتعديل ملاكات موظفي المجلس وأنظمتها. ويتوزع هؤلاء على 3 مجموعات: موظفو الأمانة العامة، المكتب الاستشاري وجهاز الأمن.
تتولى الأمانة العامة، التي يرأسها اليوم عدنان ضاهر، «جميع الأعمال الإدارية والمالية والفنية التي يتطلبها حسن سير العمل في المجلس وفي مقر رئاسة المجلس». ويستمر ضاهر في عمله رغم تجاوزه السن القانونية وسط تأكيد المطلعين على أوضاع المجلس أن ضاهر «شغّيل» ويتقن عمله وسيكون لتقاعده أثر سلبي كبير على المجلس. وتنسّق الأمانة العامة عمل المديريات العامة، وهي: المديرية العامة للشؤون الإدارية والمالية، المديرية العامة لشؤون الرئاسة، المديرية العامة للجلسات واللجان (يؤكد معظم المعنيين أن معظم أمناء سر اللجان يتمتعون بالكفاءة ويمارسون وظائفهم بجدية)، المديرية العامة للدراسات والمعلومات، المديرية العامة للشؤون الخارجية، المفتشية العامة، مراقبة عقد النفقات، المصلحة الإدارية المشتركة ومصلحة المعلوماتية. الجدير ذكره هنا أن رئيس المجلس يعيّن الأمين العام والمديرين العامين، وجميعهم موظّفو فئة أولى، من دون الرجوع إلى مجلس الوزراء أو أية سلطة رقابية. علماً بأن بري تجاوز مبدأ المناصفة على هذا الصعيد، وصار المدير العام للمفتشية العامة من الطائفة الشيعية بعدما كان من الطائفة المارونية، والمدير العام لمديرية الجلسات من الطائفة الدرزية بعدما كان من الطائفة الكاثوليكية. ومعظم شاغلي هذه الوظائف يتنقلون بين مجلس النواب ومنزل رئيس المجلس في عين التينة، بحسب حركة رئيس المجلس.
ليس في المجلس، الذي يفترض أن يدقق في أرقام مشروع الموازنة، خبير متفرغ واحد في الشؤون المالية
إثبات الفائض في الموظفين مستحيل لأن عددهم ورواتبهم من «أسرار الدولة»

أما المكتب الاستشاري فيتألف من مستشارين يختارهم رئيس المجلس أيضاً «لرصد الأحداث والتطورات وتحليلها وإبداء المشورة لرئيس المجلس بناءً على طلبه. وقد عين الرئيس بري أخيراً مديراً عاماً ـــــ مستشاراً ـــــ جديداً كان رئيس مصلحة، هو فايز أبو ضاهر.
يبقى جهاز الأمن أو «شرطة المجلس النيابي»، وهو جهاز أمني خاص بالمجلس النيابي ويتبع لرئيس المجلس مباشرة. ويُعيَّن أفراد هذا الجهاز ويُرقَّون بقرار من رئيس مجلس النواب. علماً بأن الرئيس بري وضع نظاماً للترقية يشبه المعمول فيه في الجيش وقوى الأمن الداخلي. لكنّ رواتب ضباط «الشرطة» وأفرادها أفضل من زملائهم في القوى الأمنية. وينص قانون تنظيم قوى الأمن الداخلي على إنشاء سرية لحرس المجلس النيابي، أسوة بسرية الحرس الحكومي، على أن تتولى «شرطة مجلس النواب» حماية مباني المجلس من الداخل، والبقعة الجغرافية المحيطة به، إضافة إلى توفير الحماية الشخصية لرئيس المجلس وعائلته. أما السرية، فمهمتها حماية محيط الدائرة الأمنية وتوفير المؤازرة للشرطة. هذا نظرياً، أما في الواقع، فالتداخل يزداد بين سرية قوى الأمن الداخلي (التي يرأسها العقيد عدنان الشيخ علي) وشرطة المجلس. ومن أبرز ضباط شرطة المجلس العقيد يوسف دمشق، المعروف بـ«أبو خشبة» الذي يحمي مقر سكن «الأستاذ» في عين التينة. وإذا كان معظم أفراد شرطة المجلس، سابقاً، من الطائفة الشيعية، فإنه بعد انتخاب بري رئيساً للمجلس صار معظمهم من أنصار حركة أمل، في ظل حرص بري على أن يكون أفراد الشرطة وضباطها، وكذلك ضباط سرية الحرس، من المخلصين له.
أحد هؤلاء الشباب في شرطة المجلس يتمتع بروح مرحة، يستفسر عن طبيعة التحقيق ثم يردد: «تسأل عن كفاءة هؤلاء، اسأل عن كفاءة ممثليهم. في البحر، إذا لم تكن حوتاً تأكلك الحيتان».



ميزانية فوق العادة

الفتوى لإحكام سيطرة رئيس المجلس على مجلسه في ما يخص التوظيف هي احترام «استقلالية المجلس والفصل بين السلطات». هذه الاستقلالية تفرض أيضاً إعطاء هيئة مكتب المجلس صلاحية وضع موازنته وإنفاقها. وفي نهاية السنة المالية، ترسل رئاسة المجلس جداول الاعتمادات المصروفة إلى وزارة المال، مصدّقة من الرئيس أو نائبه، لتطبّق في شأن هذه الجداول قواعد قانون المحاسبة العمومية. يذكر هنا أن النواب تبلّغوا أخيراً مذكرة يطلب فيها من النواب عدم استخدام «فيش» الكهرباء لغير الكمبيوتر (توفيراً للكهرباء). علماً بأن خدمة الإنترنت تصل إلى مكاتب النواب بمشقة، فيصعب فتح معظم المواقع الإلكترونية. وعمال الصيانة يرفضون تصليح الطابعات في مكاتب النواب، موصين ممثّلي الأمة برمي ما لا يعجبهم أو ما يتعطّل بين أياديهم. رغم ذلك، تبدو الأرقام في ميزانية مجلس النواب لافتة جداً: خصّص عام 2008 مبلغ 120 مليون ليرة لقرطاسية المكاتب، وبالرغم من ذلك لم يجدد شيء في الإلكترونيات أو غيرها، 120 مليون ليرة أخرى للكتب والصحف! و100 مليون ليرة للوازم مكتبية غير محددة. وذهب كذلك من الموازنة العامة 400 مليون لـ«ملابس» (دون تحديد ماهيّة هذه الملابس ومن يرتديها)، 700 مليون محروقات لوسائل النقل و300 مليون لصيانة وسائل النقل، 150 مليون لاستئجار سيارات وآليات و400 مليون لنفقات الخدمة والتنظيفات.
أما الأجور، وفق الميزانية، فتتوزع كالآتي: 12 مليار و386 مليوناً كمخصصات للسلطة العامة وملحقاتها (النواب يتقاضون أجورهم مباشرة من وزارة المال لا من مجلس النواب)، 15 ملياراً للموظفين الدائمين، 450 مليوناً للمتعاقدين، 175 مليوناً للأجراء، 35 مليوناً تعويضات عن أعمال إضافية، 500 مليون تعويضاً عن نقل مؤقت، 150 مليوناً تعويضات لنفقات اجتماعية و100 مليون تخصص للمكافآت. وينفق المجلس أيضاً مليار ومئة مليون ليرة على الوفود والمؤتمرات في الداخل، وملياراً ومئتي مليون على الوفود والمؤتمرات في الخارج، و500 مليون على الدراسات. وقد بلغت، عام 2009، ميزانية مجلس النواب 60 ملياراً و324 مليون ليرة.

أخبار ذات صلة

إعلانات

إعلانات متنوعة

صيدا نت على الفايسبوك

الوكالة الوطنية للاعلام

انقر على الزر أدناه لزيارة موقع وكالة الأنباء الوطنية:

زيارة الموقع الإلكتروني

تابعنا