×

كلمة سماحة مفتي وصيدا وأقضيتها الشيخ سليم أنيس سوسان في ذكرى مولد الصادق الأمين صلى الله عليه وسلم للعام 1431هـ

التصنيف: سياسة

2010-02-24  03:24 م  975

 

 

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث بالحق رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه والتابعين وتابعيهم باحسان الى يوم الدين.
وبعد،
 كلما أطل علينا شهر ربيع الاول تهب علينا نسمات إيمانية تذكرنا بمولد المصطفى الصادق الأمين محمد بن عبد الله بن عبد المطلب القرشي الهاشمي الذي اصطفاه الله تعالى من خلقه وصنعه على عينه، ثم أرسله رحمةً مهداة لكل العالمين.
في كل عام من شهر ربيع الأنور يحتفل المسلمون بذكرى المولد الذي هو تعبير عن الفرح والسرور بالمصطفى صلى الله عليه وسلم، وقد استحسنه العلماء- علماء بلاد الشام- وجرى به العمل استنادا للقاعدة المأخوذه من حديث ابن مسعود رضي الله  تعالى عنه الموقوف "ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون قبيحًا فهو عند الله قبيح" أخرجه أحمد.
فالاحتفال بذكرى المولد هو بدعة حسنة لا ندراجها تحت القواعد الشرعية الكلية، أما كونها بدعة فهي باعتبار هيئتها الاجتماعية لا باعتبار إفرادها في العهد النبوي كالذكر، ومدح وتعظيم جناب النبي صلى الله عليه وسلم، ومحبته، فهذه أمور مطلوبة شرعًا وممدوحة جاءت بها الآثار الصحيحة.
فسيدنا محمد حبيب الله، وحامل لواء الحمد يوم القيامة، وأول شافع وأول مشفع يوم القيامة، وأكرم الأولين والآخرين على الله تعالى.
واحتفالنا اليوم بذكرى مولده صلى الله عليه وسلم هو بأن نتذكر هذا الرسول العظيم، ونتذكر سيرته العطرة، وأن نتمسك برسالته الخالدة العامة والشاملة لمصالح الدنيا والآخرة في كل زمان ومكان وإلى أن يرث الله الارض ومن عليها.
إنّ إحتفال الأمة بذكرى الصادق الأمين يدعونا جميعًا إلى محبته واتباع دينه وشريعته مصداقًا لقول الله عز وجل، ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران 31].
هذه الآية هي الميزان التي يعرف بها من أحب الله حقيقة، ومن ادعى ذلك دعوى، فعلامة محبة الله اتباع سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي جعل الله متابعته وجميع ما يدعو إليه طريقًا إلى محبته ورضوانه.
إذن هذه المحبة السامية هي فوق ما يجده العشاق والمحبون من محبة محبوبهم، بل لا نظير لهذه المحبة كما لا مثيل لمن تعلق به، وهي محبة تقتضي تقديم المحبوب فيها على النفس والمال والولد، فلا إيمان يقينًا لمن لم يكن محمد صلى الله عليه وسلم أحب إليه من نفسه وأحب إليه من ولده ووالديه والناس أجمعين.
يقول ابن رجب الحنبلي في جامع العلوم: "من أحب الله ورسوله محبة صادقة من قلبه، أوجب له ذلك أن يحب بقلبه ما يحبه الله ورسوله، ويكره ما يكره الله ورسوله، ويرضى ما يرضى الله ورسوله ويسخط ما يسخط الله ورسوله وأن يعمل بجوارحه بمقتضى هذا الحب والبغض، فإن عمل بجوارحه شيئًا يخالف ذلك بأن ارتكب بعض ما يكرهه الله ورسوله، أو ترك بعض ما يحب الله ورسوله مع وجوبه والقدره عليه، دل ذلك على نقص محبته الواجبة، فعليه أن يتوب من ذلك ويرجع إلى تكميل المحبة الواجبة.
وسيدنا محمد الصادق الأمين الذي نحتفل بذكرى ميلاده يحثنا على الصدق في أقوالنا وأعمالنا لأنه من أجل الأخلاق وأعظمها فهو منبع كثير من الفضائل الخلقية حيث يتشعب منه الأمانة والعفة والوفاء والشجاعة... وغيرها.
 لذلك، وصف الله بالصدق رسله وأنبياءه وأصفياءه وأولياءه فقال سبحانه: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾ [سورة مريم 54]، وقال لعباده أجمعين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [سورة التوبة 119].
من لزم الصدق في صغره كان له في الكبر الزم، ومن اعتصم به في حق نفسه كان في حق الله أعصم، ومن تحرى الصدق هدي إليه وطابت نفسه وطهرت سريرته وأضاء قلبه.
الصدق – محمده في الدينا والآخرة وعلامة التقوى وسبب لتكفير السيئات ورفعة الدرجات.
الصدق-  فضلٌ ونبلٌ ودربٌ مضيء ونفسٌ سامية، وصاحبه موفق أبدا لكل خير.
الصدق-  هو الخُلق الذي اتصف به الرسول صلى الله عليه وسلم قبل بعثته حتى لقب بالصادق الامين، وقد أوضح عليه الصلاة والسلام آثار كل من الصدق والكذب النفسيه فقال: "الصدق طمأنينة والكذب ريبة" رواه الترمذي.
فالصادق مطمئن النفس منشرح الصدر عالم بأنه أخبر بالحق ونطق بالصدق، فلا يخشى أن ينكشف شيء على خلاف ما قاله، وعنده توافق بين ظاهره وباطنه فلا تناقض ولا تعارض، بينما الكذب يبقى صاحبه في شك وحيرة واضطراب فلا هو مطمئن ولا متوافق مع نفسه، لأنه يعلم أنه قال أو فعل خلاف الحق، ولا هو مرتاح في تعامله مع الاخرين، لخوفه أن ينكشف أو يفتضح أمره، لذلك، كان أصدق ميزان لرقي أمة من الأمم صدق أفرادها في أقوالهم وأعمالهم، وأنها لازمة كبيرة تلك التي يعاني منها الناس في تعاملهم عندما يفقدون الثقة فيما بينهم لأنهم يفقدون خلق الصدق وينتشر بينهم خلق الكذب: الكذب في الأقوال والكذب في الأعمال، والكذب في النيات، فليس غريبًا إذن أن تقف الشرائع كلها مشددة في خلق الصدق، منكرة رذيلة الكذب.
الصدق قريب التقوى، فمن فقد الصدق فقد التقوى ، حين يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾.
خُلق الصدق أساس الإيمان، وركنه الركين، وأساس قبول الطاعات والقربات عند الله عز وجل، وعليه يترتب الأجر والثواب يوم القيامة، قال تعالى: ﴿ يَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ﴾ [الاحزاب 24] وقال تعالى: ﴿ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [المائدة 119] ولأنه أساس الطاعات وجماعها، فقد أصبح الصفة الفارقة بين المؤمن والمنافق.
فالصدق إذن من أَجلِّ الأخلاق وأعظمها وقرينته الأمانة وفي ذكرى مولد الصادق الأمين نؤكد على خلق الأمانة لأنها من الزم الأخلاق للفرد والجماعة، فالأمانة كل ما ائتمنك الله عليه من قليل أو كثير فهو سائلك عنه يوم العرض الاكبر ﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء 88]، وقال سبحانه وتعالى ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء58]، فالأمانة هنا كل ما اُئتمن عليه الإنسان وأُمر بالقيام به، ويدخل في ذلك أمانات الولايات والوظائف والأموال والأسرار والمأمورات التي لا يطلع عليه إلاّ الله سبحانه وتعالى، ومن معاني الأمانة أن يحرص المرء على أداء واجبه كاملاً في العمل المنوط به وأن يُحسن فيه تمام الإحسان.
إنها الأمانة التي يمجدها الإسلام بأن يخلص الرجل لعمله ويعتني بإجادته، ويسهر على حقوق الناس التي وضعت بين يديه، واستهانة الفرد بما كلف به هو من استشراء الفساد في كيان الأمة وسبب لتداعيه.
الأمانة وضع الشيء في المكان الجدير به واللائق له، فلا يسند منصب إلاّ لصاحبه الحقيق به، ولا تملأ وظيفة إلاّ بالرجل الذي ترفعه كفايته إليها، فلا اعتبار للمجاملات والمحسوبيات، حتى الصحبة لا ينظر إليها انظروا إلى أبي ذر حين قال في الحديث الذي رواه مسلم: "قلت يا رسول الله ألاّ تستعملني؟ قال: فضرب يده على منكبي، ثم قال: "يا أبا ذر إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، ألا من أخذها بحقها وأدّى الذي عليه فيها"، وسُئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الساعة فقال: "إذا ضُيعت الأمانة فانتظر الساعة، فقال: وكيف إضاعتها؟ قال: "إذا وسد الأمر لغير أهله فانتظر الساعة" .
الأمانة – التي أخبر النبي أن أداءها والقيام بها إيمان، وأن تضييعها والاستهتار بها وخيانتها نفاق وعصيان قال: "لا إيمان لمن لا أمانة له"، فمن حُرم الأمانة فقد حُرم كمال الإيمان، ومن تلبس بالخيانة فبئس- البطانة فإن فيه خصلة من خصال المنافقين قال: "آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أؤتمن خان" رواه البخاري.
والدين أمانة في عنق علمائه، أنْ بينوه للناس وصانوه من التحريف والتلاعب كانوا أوفياء لأقدس ما في الحياة من معنى كريم، وإن لم يفعلوا كانوا مرتكبين لأبشع صور الخيانة: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ [آل عمران 187].
والعلم أمانة في نفوس العلماء، إن استعملوه في خير الإنسانية وكشفوا عن أسراره في هذا الكون بما يدل على قدرة الله كانوا أمناء أوفياء، وإن استعملوه فيما يشيع الذعر ويشقي الأمم ويشجع الطغاة على العدوان والإجرام ونشر الفاحشة بين الناس، كانوا خونة أشبه بالمجرمين، يلحق بهم العار وتحيق عليهم اللعنة: ﴿ فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [المائدة 13].
مَر سيدنا علي بن أبي طالب في المسجد فرأى واعظا يعظ الناس فقال له: "أتعرف أحكام القرآن وناسخه ومنسوخه، فقال: "لا، فقال علي رضي الله عنه، هلكت وأهلكت"، ثم منعه من التحدث إلى العامة لئلا يفسد عليهم دينهم بجهله، وهذه أمانة في صيانة العلم وحفظ عقائد الناس من أن يفسدها الجاهلون.
والمال في أيدي الناس أمانة، فإن أحسنوا التصرف فيه والقيام عليه وأداء الحقوق الاجتماعية فيه كانوا أمناء أوفياء لهم الذكر الجميل في الدنيا والنعيم المقيم في الآخرة.
الأمانة تنظم شؤون الحياة كلها: من عقيدة وعبادة وآدب ومعاملة وتكافل اجتماعي وسياسة حكيمة رشيدة وخلق حسن كريم.
والأمانة بهذا المعنى وهذه الحدود، سر سعادة الامم، ويوم كانت أمتنا من أصدق الشعوب والأمم في حمل هذه الأمانة والوفاء بها كانت أمتنا خير أمة أخرجت للناس.
في ذكرى ميلاد الصادق الامين، نؤكد على وحدة الوطن ونبذ الطائفية والمذهبية البغيضة لأن الشعب اللبناني بأكثريته يحتاج إلى الاستقرار في كافة الميادين الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية والادارية.
فالشعب اللبناني بكل أطيافه وطوائفه يتوق إلى ثقافة الحرية والكرامة الوطنية والحوار الإيجابي والجدِّي تحت سقف اتفاق الطائف الذي يجسد دعائم الوفاق الوطني والوحدة والكرامة بكل شفافية بين أطياف المجتمع اللبناني كما أنه من الضروري استمرار روح الحوار الهادف والنقاش الهادىء بين كافة القوى السياسية اللبنانية ومكونات المجتمع اللبناني حول كافة القضايا الخلافية وحصر النقاش ضمن الاطر السياسية والمؤسسات الدستورية وليس عبر وسائل الاعلام والمناسبات المختلفة.
كما أن التهديدات الصهيونية المتواصلة والخطيرة تستدعي من الجميع ودون استثناء العمل المشترك لجمع الشمل وتعزيز وحدة الصف وتعميق الوحدة الوطنية وتحصين الوطن لمواجهة أي اعتداء صهيوني.
في ذكرى ميلاد الصادق المصدوق صاحب الإسراء والمعراج نؤكد على أن القضية المركزية للعرب والمسلمين هي القضية الفلسطينية، قضية الحق والعدالة، قضية شعب عربي أبيٍّ يعاني من الاحتلال الصهيوني، ومن القتل والتعذيب والهدم والتدمير، والتهجير والتشريد، وانتهاك المقدسات والحرمات وتهويد المساجد والمقامات زُوراً وبهتانًا وذلك لطمس هوية الشعب الفلسطيني وتراثه الديني والحضاري.
فعلى القيادات العربية والاسلامية أن تكون على مستوى القضية الأم والأمانة التي في أعناقهم تجاه هذه القضية العربية والاسلامية المقدسة, كما نهيب بالقيادات الفلسطينية على أرض فلسطين وغزة العزة وفي الضفة الغربية ودول الشتات أن ترتفع عن المصالح الذاتية والغابات الفئوية الضيقة وتضع مصلحة الشعب والقضية المقدسة فوق كل اعتبار حتى لا تضيع قضية شعبنا الفلسطيني العربي المسلم في متاهات الخلافات والتباينات حول الأحقية والأولوية لهذا الفريق أو ذاك فالقضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني هما الأولوية وحدها دون سواها، وخاصة أن الاحتلال ما زال يجثم فوق المساكن والممتلكات والحقول والمساجد والكنائس وكل مرافق الحياة، ويرتكب كل يوم المجازر والاغتيالات بحق الشعب الفلسطيني الصامد الصابر في غزة والضفة على السواء.
كما أننا نؤكد على أن حق العودة وسائر الحقوق الانسانية هي مطالب محقة لهذا الشعب الصابر المجاهد الذي يقدم الشهداء كل يوم دفاعًا عن القدس والأقصى والمقدسات لتبقى قضية فلسطين ومسرى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم القدس الشريف حية في أذهاننا وقلوب أبنائنا حتى تحقيق النصر المؤزر بإذن الله تعالى.
ختامًا:
ونحن نحتفل بذكرى الصادق المصدوق لا يسعنا إلاّ أن نحث أنفسنا وأبناءنا على الصدق في الأقوال والأفعال، لأن الصدق ميزان لرقي الأمم والشعوب، فالصادق قريب من التقوى محبوب من الله تعالى محبوب من الناس.
فكونوا مع الصادقين في الإيمان والإخلاص والأمانة والتضحية ومحبة الله ورسوله، واصدقوا مع الله ومع عباد الله، "فان الصدق يهدي إلى البر وإنّ البر يهدي إلى الجنة".
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أخبار ذات صلة

إعلانات

إعلانات متنوعة

صيدا نت على الفايسبوك

الوكالة الوطنية للاعلام

انقر على الزر أدناه لزيارة موقع وكالة الأنباء الوطنية:

زيارة الموقع الإلكتروني

تابعنا