×

نص التقرير السنوي الأول لرئيس المحكمة الدولية في ذكرى انطلاقها

التصنيف: سياسة

2010-03-07  09:19 ص  941

 

ضخت المحكمة الدولية الخاصة بمحاكمة قتلة الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه، جرعة تفاؤل كبيرة للبنان والمجتمع الدولي، بقرب إماطة اللثام عن مرتكبي "جريمة العصر"، وتقديمهم للعدالة، بعد إحراز التحقيق تقدماً ملومساً.
فقد كشف رئيس المحكمة الدولية القاضي انطونيو كاسيزي في التقرير السنوي الأول الذي رفعه إلى مجلس الأمن الدولي لمناسبة الذكرى السنوية الأولى لانطلاقة المحكمة، ان التحقيق الذي يجريه المدّعي العام الدولي القاضي دانيال بلمار وفريق عمله "توصل إلى أدلة أفضت إلى وقوف شبكة إرهابية كبيرة وراء الاغتيال، استخدمت شبكات أصغر نفذت احداها عملية التفجير في 14 شباط"، وأشار إلى أن التحقيق توصل إلى وضع رسم تقريبي وإلى تحديد هوية منفذ التفجير من خلال حصر أصله الجغرافي وإعادة بناء ملامح وجهه".
وأكد ان "مكتب بلمار يسرع من وتيرة تحقيقاته بهدف التعجيل في تقديم قرارات الاتهام الى قاضي الاجراءات التمهيدية، ما يمكن المحكمة من الانتقال الى العمل القضائي بشكل فعال في السنة المقبلة بما يحقق عدالة خالية من أي قيد سياسي أو ايديولوجي".
واذ لفت الى ان "تعاون لبنان جيد مع المحكمة"، ذكر بأن "السلطات اللبنانية وبموجب قرار مجلس الأمن 1757 الذي اعتمد وفق الفصل السابع ملزمة بالتعاون مع المحكمة، وفي حال عدم امتثال لبنان لأي طلب أو أمر من المحكمة سيتم اللجوء الى مجلس الأمن".
وكان لافتاً ان هذا التقرير ربط بين عدالة المحاكمة في اغتيال الحريري، وبين "تقرير ثقافة المساءلة في المجتمع اللبناني، واعطاء المنطقة فرصة قيّمة لتفعيل عملية المصالحة (..)".
التحقيق يحرز تقدماً.. والعدالة تعزز ثقافة المحاسبة في لبنان والمصالحة في المنطقة"
كاسيزي يكشف عن شبكة جنّدت شبكات اغتالت الحريري..
وتحديد ملامح منفّذ الجريمة وأصله الجغرافي

قدمت المحكمة الدولية الخاصة بمحاكمة مرتكبي جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه تقريرها السنوي الأول إلى مجلس الأمن الدولي، حول الإنجازات التي تحققت منذ انطلاقتها في الأول من آذار 2009، ويتضمن التقرير الذي يقع في 74 صفحة فولسكاب إحاطة شاملة بكل النواحي المتعلقة بالتحضيرات التي تخوّل هيئة المحكمة الانطلاق بالمحاكمات القضائية فور تقديم المدعي العام الدولي القاضي دانيال بلمار قراراته الاتهامية.
واللافت في هذا التقرير انه أورد بعض المعلومات بما خصّ التقدم الذي أحرزه مكتب المدعي العام الدولي لجهة كشفه "عن وجود شبكة كبيرة حرّكت شبكات أصغر بينها تلك التي نفذت اغتيال الرئيس الحريري، فضلاً عن التوصل إلى وضع رسم تقريبي لمنفذ الجريمة وتحديد ملامح وجهه وأصله الجغرافي"، مشيراً إلى "ان الاتفاقية التي أبرمتها المحكمة مع الانتربول الدولي مكّنتا التحقيق من الوصول إلى قواعد البيانات".
وإذ تناول التقرير الأمور التقنية والاجرائية المتعلقة بعمل المحكمة والمشاكل الرئيسية التي تواجهها باعتبارها أول محكمة تنظر في قضية إرهابية فضلاً عن التمويل وتعاون الدول معها أكد "ان مكتب المدعي العام يكثف التحقيقات وسيكتشف كل خيوطها بغية إظهار الحقيقة بشأن الاعتداءات الداخلة ضمن اختصاصه، بحيث أحرز تقدماً ملموساً بما يخص الاعتداء الذي استهدف الحريري والاعتداءات الأخرى. كما ان مكتب المدعي العام تمكن من الوصول إلى قواعد بيانات الانتربول بفضل اتفاق تعاون ابرمته المحكمة مع المنظمة الدولية للشرطة الجنائية الانتربول، وهو أرسل (مكتب المدعي العام) ما يزيد عن 240 طلباً إلى المدعي العام التمييزي في لبنان للمساعدة، ونُظمت 53 مهمة ميدانية، كما وجّه أكثر من 60 طلب مساعدة إلى 24 دولة، وأجريت مقابلات مع 280 شاهداً.
وأوضح التقرير "ان تسريع مكتب المدعي العام لتحقيقاته يهدف إلى تعجيل تقديم قرارات الاتهام إلى قاضي الاجراءات التمهيدية، وبناء عليه فإنّ المحكمة قامت بكل الاستعدادات الفعالة من أجل وضع البنية التحتية اللازمة، وهي تستعد الآن لتطبيق العدالة بصورة ملائمة وعادلة وسريعة، مبدية ثقتها بأنها ستنتقل إلى العمل القضائي بشكل فعال في السنة المقبلة، لافتاً إلى أن "المحكمة مصممة على مواجهة التحديات وهي تنوي ان تحقق عدالة خالية من أي قيد سياسي أو ايديولوجي، عدالة قائمة على الاحترام التام لحقوق المتضررين والمدعى عليهم على السواء، عدالة حقيقية وسريعة، تضمن الشفافية والمساءلة ازاء الأمم المتحدة وحكومة لبنان والمجتمع المدني اللبناني والدول الاعضاء والمجتمع الدولي وان تجسد هذه العدالة فرصة قيمة للبنان وللمجتمع الدولي بأسره".
ولدى تناوله تعاون لبنان مع المحكمة يذكر التقرير بأن "السلطات اللبنانية ملزمة بالتعاون مع المحكمة الدولية بموجب قرار مجلس الأمن 1757 الذي اعتمد وفق الفصل السابع، وبالتالي فإنه في حال عدم امتثال لبنان لأي طلب أو أمر من المحكمة والاستمرار في الرفض، يعد قاضي الاجراءات التمهيدية محضراً قضائياً بعدم التعاون ويحال بواسطة رئيس المحكمة الى مجلس الأمن لاتخاذ الإجراءات المناسبة".
واشار التقرير الى ان مكتب المدعي العام احرز تقدماً ملموساً في تحضير القضية التي سوف تقدم مرتكبي الجريمة الى العدالة، وقد تحقق ذلك بالرغم من انضباط من يقفون وراء الاعتداء وتطورهم الواضحين ويمكن لمكتب المدعي العام ان يقدم تقريراً عن المؤشرات الآتية بشأن التقدم في التحقيق ضمن نطاق التزامه بالقيود الضرورية لحماية سرية التحقيق".
ويشدد التقرير على معلومات ودلائل أساسية تم انجازها وهي: سحب بعض الادلة والمعلومات غير الموثوق بها بعد استعراض مستفيض للمواد التي تم جمعها طيلة فترة التحقيق، زيادة الاقتناع في أن مرتكبي الاعتداء هم الأشخاص الذين استخدموا الشبكة المحددة، الحصول على معلومات اضافية لتأييد واقعة أن مرتكبي الاعتداء نفذوه بالاشتراك مع مجموعة أكبر، الاقتراب من تحديد هوية الانتحاري المشتبه به من خلال حصر أصله الجغرافي واعادة بناء ملامح وجهه جزئياً، مواصلة التوسع في التدقيق في الادلة المتصلة بعناصر الترابط بين الاعتداء على الحريري والاعتداءات الاخرى، وتطوير مصادر معلومات جديدة واستثمارها.
وفي وقت تحدث فيه التقرير عن "جسامة التحديات التي تواجهها المحكمة الخاصة بلبنان لكونها أول محكمة جنائية دولية تتعامل مع جريمة ارهابية كجريمة اغتيال الحريري والجرائم المرتبطة بها".أكد أن المحكمة عازمة على "اقامة العدالة بصورة عادلة وشفافة، والكشف عن الحقيقة وطمأنة نفوس المتضررين ومصالحة اللبنانيين، كما ان المحكمة تنوي تعزيز ثقافة المساءلة في المجتمع اللبناني واقامة العدالة الحقيقية بصورة سريعة بما يعطي المنطقة فرصة قيّمة لتفعيل عملية المصالحة هذه التي قد بدأت والتي لا تزال تحتاج الى دعم أكبر من المجتمع الدولي، وهنا نص التقرير الحرفي.


مواجهة التحديات لتحقيق عدالة
خالية من أي قيد سياسي أو أيديولوجي

تعاون لبنان جيد وعدم امتثاله
يعرضه لاجراءات مجلس الأمن

المحكمة تنتقل الى العمل
القضائي الفعال في السنة المقبلة


الحاجة إلى تحسين التواصل الخارجي
لتنفيذ سياسة تشمل المحكمة برمتها

280 استجواباً و53 مهمة ميدانية
في لبنان و60 طلب مساعدة من 24 دولة

حضرة الأمين العام للأمم المتحدة، السيد بان كي مون، ومعالي رئيس مجلس الوزراء، السيد سعد الحريري،
يسرني ويشرفني أن أقدم لكما التقرير السنوي الأول حول عمل المحكمة ونشاطاتها خلال الفترة الممتدة من 1 آذار/مارس 2009 إلى 28 شباط/ فبراير 2010، وذلك عملا بالمادة 10، الفقرة (2) من النظام الأساسي للمحكمة الخاصة بلبنان.
كانت السنة الأولى من أعمال المحكمة أساسية فقد تم خلالها تأسيس بنيتها، وتوظيف طاقم العمل الضروري، واعتماد الصكوك القانونية اللازمة للنشاطات القضائية المقبلة، وطلب تنازل السلطات اللبنانية عن اختصاصها في القضية الأساسية، ومتابعة التحقيقات وتعزيزها، ومباشرة نشاطات التواصل الخارجي في لبنان.
يستند هذا التقرير إلى تقرير الستة أشهر الأولى الذي أصدرته في أيلول/سبتمبر 2009، ويهدف هو أيضا إلى إعطاء لمحة شاملة وصريحة عن نشاطات المحكمة الخاصة بلبنان. ولا يغطي التقرير إنجازات المحكمة فحسب، بل أيضا التحديات التي تواجهها، لاسيما بسبب صعوبة وحداثة النظر في القضايا الإرهابية على المستوى القضائي الدولي.
قد تبدو بعض أقسام الجزء الأول من التقرير نظرية للوهلة الأولى، إلا أنها ضرورية في نظري لفهم خصائص العمل الجديد الذي نؤديه وطبيعته.
أنطونيو كاسيزي
رئيس المحكمة الخاصة بلبنان
[ الموجز التنفيذي
يتناول التقرير السنوي خاصيات المحكمة الخاصة بلبنان (المشار إليها في ما يلي بـ"المحكمة") مع الإشارة إلى بعض المشاكل والتحديات العامة التي تواجهها، ثم يسلط الضوء على الخطوات التي اتخذتها والإنجازات التي حققتها، والعقبات التي واجهتها خلال السنة الأولى آذار/مارس 2009 - شباط/فبراير 2010. تتمتع المحكمة ببعض السمات المشتركة مع غيرها من المحاكم الدولية والمختلطة، إلا أنها تتفرد بسمات تميزها عن سائر المؤسسات القضائية المشاركة والقائمة حاليا.
يشرح الجزء الأول من التقرير السنوي سمات المحكمة هذه. ففي ما يتعّلق بالقانون الموضوعي، تطبق المحكمة القانون اللبناني على الأعمال الإرهابية التي تشكل تهديدا للسلم والأمن الدوليين وفقا لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، مما يميزها عن سائر المحاكم الدولية التي تطبق إما القانون الدولي فقط أو القانونين الدولي والمحلي معا. كما تختلف المحكمة عن غيرها من المحاكم المختلطة والدولية من حيث بنيتها، لتضمنها مكتب دفاع يتمتع بنظام خاص ويعمل كجهاز مستقل عن قلم المحكمة ويضطلع بمهام حماية حقوق الدفاع، وتوفير الدعم الإداري والقانوني لمحامي الدفاع، وإنشاء قائمة محامي الدفاع. كما تتضمن المحكمة عدة عناصر جديدة على صعيد الإجراءات، بما فيها: 1) تمتع قاضي الإجراءات التمهيدية بدرجة كبيرة من السلطة والمسؤولية؛ 2) تمتع القضاة بدور أكثر فاعلية؛ 3) مشاركة واسعة للمتضررين في الإجراءات؛ 4) تحديد تدابير بديلة للاحتجاز كي يصبح بقاء المتهم حرا حتى محاكمته القاعدة لا الاستثناء؛ 5) حماية المعلومات الحساسة من أجل التأكد من حماية الشهود وتلبية الطلبات المشروعة للدول (لا سيما مصالح الأمن القومي)؛ و6) إجراء محاكمات في غياب المتهم إن توافرت ظروف معينة، وباستخدام آليات صممت خصيصا لحماية حقوق المتهمين. وينتهي هذا الجزء بمناقشة بعض الصعوبات الخاصة بالتحقيق في القضايا الإرهابية وبملاحقتها.
يستعرض الجزء الثاني من التقرير السنوي نشاطات أجهزة المحكمة كافة خلال السنة الفائتة.
ركزت الغرفتان معظم جهودهما لغرض: 1) وضع الإطار القانوني والتنظيمي اللازم لمحاكمة القضايا، وبشكل خاص التعجيل في اعتماد قواعد الإجراءات والإثبات وقواعد الاحتجاز والتوجيهات العملية الثلاثة؛ 2) التفاوض على الاتفاقات مع الهيئات الدولية (اللجنة الدولية للصليب الأحمر والإنتربول)؛ و3) التعاون مع قلم المحكمة لإنشاء البنية التحتية العملية اللازمة للقيام بالأنشطة القضائية. خلال الأشهر الأولى، استجاب قاضي الإجراءات التمهيدية ورئيس المحكمة على وجه السرعة للطلبات الواردة إليهما من مكتب المدعي العام ومكتب الدفاع حول الضباط الأربعة المحتجزين في بيروت.
وضع قلم المحكمة خدمات الدعم الضرورية لعمل أي مؤسسة قضائية وتضمنت: 1) إعداد الوثائق التنظيمية والإدارية الداخلية؛ 2) إنشاء نظام لإدارة المحكمة؛ 3) التوقيع على مذكرة تفاهم مع لبنان بشأن مكتب المحكمة في بيروت وغيرها من أنشطة المحكمة في لبنان؛ 4) بناء قاعة محكمة عصرية وتجديد منشآت أخرى من أجل ضمان سير الأنشطة القضائية بشكل فعال. وتم كذلك، 5) إنشاء مكتب اتصال في نيويورك ومكتب المحكمة في بيروت يعملان حاليا على أكمل وجه. 6) أنشئت كذلك مكتبة متخصصة بالمسائل القانونية المتعلقة بالإرهاب والقانون الدولي. أضف إلى ذلك 7) مشاركة رئيس قلم المحكمة ونائبه وممثليهما في أنشطة التواصل الخارجي و8) بذل قسم شؤون الموظفين جهودا حثيثة أدت إلى توظيف طاقم العمل الضروري ضمن المهلة الزمنية المحددة.
ركز مكتب المدعي العام جهوده على ثلاثة أهداف: 1) أن يصبح مكتبا عاملا على أكمل وجه؛ 2) أن يتولى اختصاص التحقيق في الاعتداء على الحريري؛ و3) أن يكّثف التحقيقات ويستكشف كل خيوطها بغية إظهار الحقيقة بشأن الاعتداءات الداخلة ضمن اختصاصه، وقد حّقق هدفيه الأولين وأحرز تقدما ملموسا بالنسبة إلى هدفه الثالث. كما وقع مكتب المدعي العام على مذكرة تفاهم مع وزير العدل اللبناني، وتمكن من الوصول إلى قواعد بيانات الإنتربول بفضل اتفاق تعاون أبرمته المحكمة مع المنظمة الدولية للشرطة الجنائية (الإنتربول). وبعد عملية تقييم للموارد اللازمة، وافقت لجنة الإدارة على تسريع وتيرة التحقيق، وساهم تعيين موظفين إضافيين بين منتصف العام 2009 وأواخره إلى حد كبير في قدرة شعبة التحقيقات على إجراء التحاليل والتحقيقات ومعالجة المستندات. أرسل ما يزيد عن 240 طلبا للمساعدة إلى النائب العام التمييزي في لبنان، ونظمت 53 مهمة ميدانية. كما وجه أكثر من 60 طلبا للمساعدة إلى 24 دولة في حين ُأنجزت 62 مهمة على أراضيها، وأجريت مقابلات مع 280 شاهدا. وضع مكتب المدعي العام الإعلام والتواصل الخارجي في سلم أولوياته التشغيلية.
شكل مكتب الدفاع سابقة على الصعيد الدولي، لذا كان عليه أن 1) يحدد بنيته التنظيمية. ولدى تنازل لبنان عن اختصاصه لصالح المحكمة، طلب رئيس مكتب الدفاع 2) أن يضمن رئيس المحكمة حماية بعض الحقوق الأساسية
للمحتجزين. وبعد أن انضم عدد من الموظفين إلى مكتب الدفاع، 3) شارك المكتب في عدة نشاطات للتواصل الخارجي 4) وباشر إعداد قوائم بالمحامين المؤهلين لتمثيل المتهمين غير المقتدرين ماديا، بعد التأكد من استيفائهم كافة المتطلبات المنصوص عليها في قواعد الإجراءات والإثبات. وساهم مكتب الدفاع 5) في كل الصكوك القانونية المعتمدة من قبل المحكمة 6) وأبرم اتفاقات تعاون مع عدد من الجامعات.
يبلغ مجموع موظفي المحكمة 276 موظفا يحملون 59 جنسية مختلفة، إضافة إلى 21 متدربا. بلغت ميزانية العام
51.4 مليون دولار أميركي، أما الميزانية التي تم الموافقة عليها للعام 2010 فارتفعت إلى 55.4 مليون دولار 2009 أميركي.
يلقي الجزء الثالث من التقرير السنوي الضوء على الإنجازات التي حققتها المحكمة خلال السنة الأولى من عملها. فيشدد على 1) الموافقة السريعة على الأطر القانونية لنشاطات المحكمة؛ 2) تنازل لبنان عن اختصاصه والخطوات السريعة التي اتخذها المدعي العام وقاضي الإجراءات التمهيدية ورئيس مكتب الدفاع في ما يتعلق باحتجاز الضباط اللبنانيين الأربعة؛ 3) تكثيف الاتصالات بين كبار المسؤولين في المحكمة ومع مختلف المؤسسات والهيئات الدولية؛ 4) تسريع المدعي العام وتيرة تحقيقاته بهدف تعجيل تقديم قرارات الاتهام إلى قاضي الإجراءات التمهيدية؛ و5) قيام قلم المحكمة بالاستعدادات الفعالة من أجل وضع البنية التحتية العملية اللازمة. ويركز التقرير أيضا على التعاون التام الذي وّفرته الحكومة اللبنانية لمختلف أجهزة المحكمة، مع التذكير بالحاجة القائمة إلى تحسين التواصل الخارجي لتنفيذ سياسة تشمل المحكمة برمتها. لذلك، وبعد أن أسست المحكمة بسرعة وبفعالية كل البنيات التحتية القانونية والعملية الضرورية، تستعد الآن لتطبيق العدالة بصورة ملائمة وعادلة وسريعة، واثقة بأنها ستنتقل إلى العمل القضائي بشكل فعال في السنة المقبلة.
بالرغم من التحديات التي ستواجهها، تنوي المحكمة أن تحقق عدالة خالية من أي قيد سياسي أو أيديولوجي وقائمة على الاحترام التام لحقوق المتضررين والمدعى عليهم على السواء. ولكي نحقق هذا الهدف بشكل فعال ونضمن أن تحمل الجهود التي بذلت حتى اليوم ثمارها، علينا أن نصب اهتمامنا على التمويل وعلى المساعدة القضائية من الدول وغيرها من الهيئات الدولية.
[مقدمة
1. لا يقدم هذا التقرير السنوي مجرد عرض للنشاطات التي أنجزتها مختلف أجهزة المحكمة خلال السنة الفائتة فحسب، فإضافة إلى تعداد الخطوات التي تم اتخاذها والإنجازات التي تحققت والعقبات التي واجهتها المحكمة خلال السنة الفائتة، يهدف هذا التقرير إلى مناقشة بعض المشاكل والتحديات العامة التي تواجهها المحكمة وإلى البحث في الانعكاسات المترتبة عن تأسيسها، وذلك لضمان الشفافية والمساءلة إزاء الأمم المتحدة وحكومة لبنان والمجتمع المدني اللبناني والدول الأعضاء والمجتمع العالمي بشكل عام.
2. تسعى المحكمة لإنجاز مهمة إظهار الحقيقة المناطة بها بموجب الصكوك المؤسسة لها ولإقامة عدالة حقيقية وسريعة. وبما أن هذا هو التقرير السنوي الأول، سنركز قبل استعراض الأعمال التي أنجزتها المحكمة خلال السنة الماضية، على أبرز سمات المحكمة وأهم العناصر الجديدة في نظامها الأساسي وفي قواعد الإجراءات والإثبات، وعلى الخطوات التي اتخذتها مختلف الأجهزة لتضفي على عمل هذه المحكمة الجنائية الدولية طابعا جديدا. فنمكن بذلك القارئ من وضع المحكمة في إطارها الصحيح.
3. من الضروري فهم أوجه الاختلاف بين هذه المحكمة التي تنظر بشكل حصري في قضايا الإرهاب كجريمة بحد ذاتها، وبين المحاكم الجنائية الدولية الأخرى التي تفصل في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية. إذ يسمح إبراز أوجه الاختلاف هذه بتسليط الضوء على أصعب العقبات التي لا بد أن تواجهها المحكمة في تأديتها لمهامها.
4. على ضوء الهدف من هذا التقرير، لن نتطرق إلى إنجازات السنة الفائتة فحسب، بل سنتناول أيضا العقبات التي واجهتها المحكمة وبعض العثرات التي وقعت فيها. فلا بد أن ينطوي كل تحد جديد يسير المرء فيه في المجهول على عنصر التجربة والخطأ، ولكن ليس صوابا عدم التصرف خوفا من الوقوع في الخطأ. ونستشهد في هذا الصدد بقول الفيلسوف الألماني هيغل (ترجمة): أكثر ما يضر الإنسان رغبته في أن يكون معصوما عن الخطأ، فيدفعه ميله إلى الراحة للامتناع عن التصرف خوفا من اقتراف الأخطاء. ولكن هذا النوع من الخوف يتسبب باقتراف أخطاء ناتجة عن عدم الفعل المحض.
فالحجارة وحدها لا ترتكب أخطاء الفعل1. وبالتالي، لن نتفادى "أخطاء الفعل" طالما يسعنا المضي قدما وإنجاز مهمتنا بأسرع صورة ممكنة وأكثرها عدالة.
5. لا بد لي بداية أن أرفع جزيل الشكر والامتنان إلى لجنة الإدارة ورئيسها، وإلى حكومة لبنان والأمم المتحدة لجهودهم والتزامهم بقضية العدالة والمساءلة. فبفضلهم وبفضل دعم بلدان أخرى والمفوضية الأوروبية (التي ساهمت بمنحة كبيرة)، والعمل الدؤوب لكل فرد في المحكمة، استطعنا أن نحرز تقدما بارزا في عملنا.
6. تجسد المحكمة فرصة قيمة للبنان والمجتمع الدولي بأسره فهي تسعى لتحقيق العدالة بإنصاف وشفافية، ولإظهار الحقيقة للمتضررين ولكل أفراد المجتمع اللبناني، متخذة قول أفلاطون المأثور (ترجمة): العدالة أثمن الكنوز2 قاعدة لها. ولكي نبني على الجهود الناجحة التي بذلناها حتى الآن ونحصد ثمارها، لا بد أن يستمر دعم الأمم المتحدة ولبنان، لا بل أن يزداد زخما.
[الجزء الأول: ميزات المحكمة
(ألف) لمحة سريعة عن أبرز ميزات المحكمة
7. تتمتع المحكمة باختصاص على الأشخاص المسؤولين عن الاعتداء الذي وقع في 14 شباط/فبراير 2005 وأدى إلى مقتل رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري وإلى مقتل أو إصابة أشخاص آخرين، وعلى اعتداءات أخرى مترابطة وفقا للمبادئ المنصوص عليها في المادة 1 من نظام الأساسي للمحكمة.
8. تتمتع المحكمة ببعض الميزات المشتركة مع غيرها من المحاكم الدولية المختلطة. أ) فهي محكمة ذات طابع دولي؛ ب) وهي مؤّلفة من قضاة وأجهزة أساسية أخرى (المدعي العام ورئيس مكتب الدفاع ورئيس قلم المحكمة) مستقلة وحيادية؛ ج) ومن موظفين دوليين؛ د) كما تخضع إجراءاتها لأحكام دولية وتدار بأكثر من لغة.
9. تتميز المحكمة من جهة أخرى ببعض الخاصيات الفريدة والجديرة بالذكر إذ يبرز عرضها بعض المشاكل التي تواجهها:
أ) تشابه المحكمة بعض المحاكم الأخرى (كالمحكمة الخاصة لسيراليون والدوائر الاستثنائية في المحاكم الكمبودية) في كونها محكمة ذات طابع مختلط إذ إنها تضم قضاة دوليين ووطنيين على السواء. ولكنها بعكس هذه المحاكم، ولأسباب أمنية، لم تتخذ من الأراضي التي ارتكبت فيها الجرائم مقرا لها، بل كان مقرها في هولندا؛ ب) تختلف المحكمة عن بعض المحاكم الأخرى (كالمحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة والمحكمة الجنائية الدولية لرواندا والمحكمة الجنائية الدولية)، بإنها لا تطبق القوانين الدولية الموضوعية. فلا تجمع في قانونها الواجب التطبيق بين القوانين الدولية والوطنية شإنها شأن المحاكم الأخرى (كالمحكمة الخاصة لسيراليون والدوائر الاستثنائية في المحاكم الكمبودية)، بل تطبق القانون اللبناني الموضوعي على الأعمال الإرهابية التي يعتبرها مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة تهديدا للسلم والأمن الدوليين؛ ج) تمارس المحكمة اختصاصها بشأن جريمة لم تكن تدخل ضمن اختصاص محكمة دولية، وهي الإرهاب، كجريمة بحد ذاتها؛ د) لا تقوم إجراءات المحكمة على النظام الوجاهي بشكل أساسي بعكس غيرها من المحاكم الدولية (كالمحكمة الجنائية الدولية لرواندا والمحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة)، بل تحاول الدمج بجرأة ما بين النظامين الوجاهي والتحقيقي، وتختلف بذلك عن الدوائر الاستثنائية في المحاكم الكمبودية القائمة على النظام التحقيقي المطبق في القانون المدني؛ هـ) تتميز المحكمة عن المحاكم الأخرى في أن نظامها الأساسي يضع مكتب الدفاع على قدم المساواة مع مكتب المدعي العام، مما يضمن حماية حقوق الدفاع بفعالية أكبر؛ و) تختلف المحكمة عن معظم المحاكم الدولية الأخرى في إنها تجيز المحاكمة في غياب المتهم. غير أن المادة 22 من النظام الأساسي للمحكمة تخضع المحاكمة غيابيا لشروط صارمة لضمان حماية حقوق المتهم الأساسية التي كرسها القانون الدولي لحقوق الإنسان، وأهمها أنه يحق للمتهم أن يطلب إعادة محاكمته حضوريا إذا مثل أمام المحكمة في مرحلة لاحقة، وتختلف بذلك عن محكمة نورمبرغ العسكرية الدولية التي تجيز إقامة المحاكمات الغيابية. كما تنص قواعد الإجراءات والإثبات على جواز إجراء المحاكمات في غياب المتهم شخصيا، ولكن يحق لهذا الأخير المشاركة قانونيا بعدم التنازل صراحة عن حقه في المشاركة في الإجراءات أمام المحكمة، وتعيين محامي دفاع وتوجيهه، وعبر المشاركة، عند الاقتضاء، في الإجراءات من خلال نظام المؤتمرات المتلفزة. ز) تنظم المادة 10 من النظام الأساسي للمحكمة ممارسة تعتمدها معظم المحاكم الجنائية الدولية، عبر منح رئيس المحكمة صلاحيات واسعة إذ تنص على أنه "[...] مسؤول عن سير أعمالها [المحكمة] بفعالية وعن حسن سير العدالة".
نتوسع في أبرز العناصر الجديدة للمحكمة في البنود المبينة أدناه.
(باء) أبرز العناصر الجديدة في المحكمة
1. مقدمة
10. تجسد المحكمة مرحلة جديدة في العدالة الجنائية الدولية على أكثر من صعيد، ليس فقط بسبب موضوع اختصاصها الذي يتضمن مهمة ملاحقة أعمال الإرهاب، بل أيضا بسبب بنيتها وإجراءاتها التي صممت خصيصا لتتماشى ومهمة المحكمة وللاستناد إلى الخبرة القضائية الراسخة التي اكتسبتها المحاكم المختلطة والدولية على مر العقدين الأخيرين. يسّلط هذا الجزء الضوء على أبرز العناصر الجديدة المكرسة في النظام الأساسي وقواعد الإجراءات والإثبات على ثلاثة أصعدة:
أ) العناصر الجديدة المتعلقة بالقانون الموضوعي؛ ب) الجوانب الجديدة في بنية المحكمة؛ وج) العناصر الجديدة المتعلقة بالإجراءات.
2. العناصر الجديدة المتعلقة بالقانون الموضوعي
11. يتضمن النظام الأساسي للمحكمة عدة ميزات جديدة في ما يتعلق بقانونها الموضوعي. وتميز هذه الخاصيات المحكمة عن غيرها من المحاكم المختلطة والدولية القائمة، وفي ما يلي شرح لاثنتين من بينها.
12. أولا، تعتبر المحكمة أول محكمة من نوعها تنظر في الأعمال الإرهابية كجريمة بحد ذاتها، أي ما يشكل "تهديدا للسلم والأمن الدوليين" وفقا لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. فقد اعتبرت المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة والمحكمة الخاصة لسيراليون، الإرهاب جريمة حرب، ولكن اندرج ذلك في إطار اعتداءات واسعة النطاق وغيرها من الجرائم المرتكبة ضد أشخاص لم يشاركوا بشكل فاعل في الأعمال العدائية. تبتعد الأعمال الإرهابية التي ترتكب في زمن السلم عن مفهوم الإرهاب خلال النزاعات المسلحة، إذ إنها لا تستلزم، على سبيل المثال، أي صلة بنزاع مسلح أو باعتداء ضد مدنيين. ونستعرض أدناه تأثير هذا التباين على مستوى التحقيق والملاحقة.
13. ثانيا، تتمتع المحكمة باختصاص بشأن الجرائم كما حددها القانون اللبناني المحلي. وبينما تضطلع المحاكم المختلطة الأخرى، كالمحكمة الخاصة لسيراليون والدوائر الاستثنائية في المحاكم الكمبودية، بمهمة النظر في الجرائم الدولية والجرائم الجنائية المحلية، تبقى المحكمة الخاصة بلبنان المحكمة المختلطة الوحيدة التي تتمتع باختصاص بشأن جريمة، كجريمة الإرهاب، كما حددها القانون المحلي. وتنص المادة 2 من النظام الأساسي للمحكمة بشكل خاص على وجوب أن تطبق المحكمة "أحكام قانون العقوبات اللبناني المتعلقة بالملاحقة والمعاقبة على الأعمال الإرهابية والجرائم والجنح التي ترتكب ضد حياة الأشخاص وسلامتهم الشخصية، والتجمعات غير المشروعة، وعدم الإبلاغ عن الجرائم والجنح". وتبرز بين هذه الأحكام المادة 314 من قانون العقوبات اللبناني التي تنص على أنه "يقصد بالأعمال الإرهابية جميع الأفعال التي ترمي إلى إيجاد حالة ذعر وترتكب بوسائل كالأدوات المتفجرة والمواد الملتهبة والمنتجات السامة أو المحرقة والعوامل الوبائية أو المكروبية التي من شإنها أن تحدث خطرا عاما".
3. الجوانب الجديدة في بنية المحكمة
14. لكل محكمة مختلطة دولية بنية تميزها عن غيرها من المحاكم، وللمحكمة الخاصة بلبنان ميزتان تجعلانها مختلفة عن المحاكم التي سبقتها، وهما: مكتب الدفاع ومشاركة المتضررين في الإجراءات.
15. تعتبر المحكمة أول محكمة دولية تتضمن مكتب دفاع يتمتع بنظام خاص ويعمل كجهاز مستقل عن قلم المحكمة، ويضطلع بمهمة حماية حقوق الدفاع، وتقديم الدعم الإداري والقانوني للدفاع، ووضع قائمة بأسماء محامي الدفاع الذين قد يمثلون أمام المحكمة (المادة 13 من النظام الأساسي). تدرك سائر المحاكم القائمة (وخاصة المحكمة الخاصة لسيراليون) هي أيضا أهمية وجود مكتب مخصص لمسائل الدفاع، ولكن هذه المرة الأولى التي يؤدي فيها هذا الإدراك إلى إنشاء جهاز مستقل وعلى قدم المساواة مع مكتب المدعي العام.
16. تقضي أبرز مهام مكتب الدفاع بتعزيز حقوق المتهمين والمشتبه بهم، كما تنص عليه المادتان 15 و16 من النظام الأساسي للمحكمة. وتجدر الإشارة هنا إلى أن الهدف من تأسيس مكتب الدفاع ليس تمثيل مشتبه به واحد أو أكثر فحسب، بل أيضا تقديم المساعدة خارج المحكمة وضمان احترام حقوق المشتبه بهم والمتهمين في مراحل الإجراءات كافة.
17. يتمتع مكتب الدفاع بالصلاحيات التنظيمية والقانونية اللازمة لتعزيز حقوق المشتبه بهم والمتهمين، بما يضمن أسمى معايير العدالة في الإجراءات اُلمقامة أمام المحكمة. ونشدد هنا على أنه سبق لرئيس مكتب الدفاع أن مارس صلاحياته في هذا الصدد في ما يتعّلق بظروف احتجاز الضباط اللبنانيين الأربعة، حيث طلب من رئيس المحكمة أن يضمن حماية بعض حقوقهم الأساسية.
18. تتميز المحكمة بخاصية بنيوية أخرى، إذ إنها تسمح للمتضررين بالمشاركة في الإجراءات لعرض آرائهم وهواجسهم (المادة 17 من النظام الأساسي للمحكمة اُلمعنونة "حقوق المجني عليهم"). ففي حين يسمح للمتضررين بالمشاركة بصفتهم "مدعين شخصيين" أمام الدوائر الاستثنائية للمحاكم الكمبودية لغرض دعم الإدعاء، وكذلك "للمطالبة بالتعويضات الجماعية والمعنوية" (المادة 23 من القواعد الداخلية)، لا يعتبر المتضررون أمام المحكمة مدعين شخصيين ولا يحق لهم المطالبة بالتعويضات عن أي ضرر ناتج عن جريمة. ولكن بالطبع، لا يمنعهم ذلك من رفع دعوى أمام محكمة وطنية لاحقا للمطالبة بالتعويض، بناء على حكم أصدرته المحكمة.
19. ترتكز المحكمة على خبرة المحكمة الجنائية الدولية، بحيث تتيح مشاركة المتضررين في الإجراءات بعد تصديق قرار الاتهام فقط، بينما كانت القرارات التمهيدية الأولى للمحكمة الجنائية الدولية تمنح المتضررين طيفا واسعا من الحقوق حتى قبل صديق قرار الاتهام.
20. بسبب ما قد تحمله مشاركة المتضررين من أثر على الإجراءات، ينبغي على المتضررين الراغبين في المشاركة في الإجراءات الخضوع لتمحيص مسبق من قبل قاضي الإجراءات التمهيدية. ويحق للقاضي 1) أن يستبعد أشخاصا يشك في صفتهم كمتضررين؛ 2) أن يحدد عدد المتضررين المخولين المشاركة في الإجراءات؛ 3) وأن يعين ممثلا قانونيا مشتركا لعدة متضررين. في كل الأحوال وكما ذكر أعلاه، لا يمنح المتضررون صفة المشاركين إلا بعد تصديق قرار الاتهام وعندما تشرف مرحلة التحقيق على الانتهاء. وقد صممت خاصيات المحكمة هذه لضمان حق فعلي للمتضررين في المشاركة في الإجراءات، ولمحاولة تجنب أن ينعكس حضور المتضررين سلبا على حقوق المتهمين أو على إستراتيجية المدعي العام.
4. العناصر الجديدة المتعلّقة بالإجراءات
21. يتمّثل العنصر الجديد الثالث في المحكمة في إجراءاتها، إذ يرمي النظام الأساسي للمحكمة إلى إقامة توازن جديد بين القواعد المعتمدة في أنظمة القانون العام (النظام الوجاهي) والقواعد المستمدة من أنظمة القانون المدني (النظام التحقيقي).
وبينما تشتمل الدوائر الاستثنائية في المحاكم الكمبودية، وإلى حد ما، المحكمة الجنائية الدولية على عناصر بارزة مستقاة من الأنظمة القانونية القائمة على العرف الروماني الجرماني، حاول محررو النظام الأساسي للمحكمة الاستفادة من هذه الخبرات بهدف ضمان إجراءات أكثر عدالة وسرعة وتوازنا. يعالج هذا الجزء من التقرير باقتضاب أبرز العناصر الجديدة في النظام الأساسي وفي قواعد الإجراءات والإثبات، وبشكل خاص: أ) مركز قاضي الإجراءات التمهيدية؛ ب) دور القضاة الفاعل في سير الإجراءات؛ ج) التدابير البديلة للاحتجاز؛ د) استخدام الأدلة الخطية؛ ه) حماية المعلومات الحساسة؛ و) والمحاكمات الغيابية.
(أ) مركز قاضي الإجراءات التمهيدية
22. يكمن أحد العناصر الجديدة المكرسة في نظام الأساسي للمحكمة في أن قاضي الإجراءات التمهيدية، وهو القاضي المكّلف النظر في قرارات الاتهام وإعداد القضايا للمحاكمة، ليس قاضيا من قضاة الغرفتين، بل هو قاض منفصل ومستقل لا يحق له أن يكون قاضيا في غرفة الدرجة الأولى (راجع المادة 2 من الاتفاق بين الأمم المتحدة والجمهورية اللبنانية والمادة 7، الفقرة (أ) والمادة 18 من النظام الأساسي). ففي الوقت الذي يجوز لنظيره في المحكمة الجنائية الدولية لرواندا والمحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة على سبيل المثال، أن يصبح عضوا في دائرة المحاكمة مما يستوجب منه الحرص على عدم التأّثر بسبب "اطلاعه" على الأدلة، فإن لقاضي الإجراءات التمهيدية في المحكمة الحرية في التعامل مع المواد الثبوتية التي يقدمها الفريقان ويمكنه أن يضطلع بدور أكثر فعالية في المراحل الإجرائية الأولية. وبما أن مركز قاضي الإجراءات التمهيدية هذا لا يشابه مركز قاضي التحقيق اللبناني (لأن النظام الأساسي لا ينص على ذلك)، لا يقوم قاضي الإجراءات التمهيدية بجمع الأدلة تلقائيا، لكن يجوز له أن يجمع الأدلة في حالتين فقط: أولا، بناء على طلب من أحد الفريقين أو من المتضررين المشاركين في الإجراءات إذا أثبت مقدمو الطلب أنهم لن يستطيعوا، على الأرجح، جمعها بأنفسهم، شرط أن يرى قاضي الإجراءات التمهيدية أن في ذلك خدمة لمصلحة العدالة (المادة 92، الفقرة (ألف) من القواعد)؛ وثانيا، إن عجز أحد الفريقين أو المتضررين المشاركين في الإجراءات عن "جمع أدلة مهمة" ورأى قاضي، الإجراءات التمهيدية ذلك ضروريا لمصلحة العدالة ولضمان مبدأ تكافؤ وسائل الدفاع ولإظهار الحقيقة (المادة 92 الفقرة (جيم) من القواعد). في الحالة الأخيرة، يتوّقف تدخل قاضي الإجراءات التمهيدية على عجز أحد الفريقين أو المتضررين عن جمع الأدلة بأنفسهم، شرط أن يتم تقديم الأدلة التي يضبطها قاضي الإجراءات التمهيدية على هذا النحو من قبل أحد الفريقين أو أحد المتضررين المشاركين في الإجراءات، ويحق للمشاركين في الإجراءات الامتناع عن تقديمها.
23. يتمتع قاضي الإجراءات التمهيدية بصلاحيات أخرى هي: أ) تقييم التهم التي يوجهها المدعي العام والواردة في قرار الاتهام وإذا اقتضت الحاجة، ب) مطالبة المدعي العام بتخفيض هذه التهم أو بإعادة تصنيفها؛ ج) تسهيل الاتصال بين الفريقين؛ د) إصدار دعوات الحضور والمذكرات وأية أوامر أخرى بطلب من أي من الفريقين؛ ه) استجواب الشهود الذين لم تكشف هويتهم؛ و) إعداد ملف كامل لصالح غرفة الدرجة الأولى يسرد فيه أوجه الاختلاف الرئيسة بين الفريقين بشأن المسائل القانونية والواقعية، ويبين فيه رأيه من المسائل القانونية والواقعية الأساسية التي تطرحها القضية.
ومن أهم العناصر التي استحدثت في تشرين الأول/أكتوبر 2009، أحد الأحكام الجديدة في المادة 88 من القواعد، الذي يمكن المدعي العام، حتى قبل تصديق قرار الاتهام، من أن يحيل إلى قاضي الإجراءات التمهيدية أية مواد يعتبرها ضرورية لممارسة مهام قاضي الإجراءات التمهيدية.
(ب) دور القضاة الفاعل
24. يمنح النظام الأساسي قضاة غرفة الدرجة الأولى دورا فاعلا خلال الإجراءات، باعتبار أم سيقودون عملية استجواب الشهود. كما يمنح القضاة صلاحية استدعاء الشهود أو الأمر بتقديم أدلة إضافية (المادة 20) وباتخاذ تدابير صارمة للحؤول دون التسبب بأي تأخير غير مبرر (المادة 21، الفقرة (1)). وتلحظ المادة 20، الفقرة (2) من النظام الأساسي نمطا للاستماع إلى الشهود بما ينسجم مع النظم التحقيقية: يقوم أولا رئيس الغرفة وسائر القضاة باستجوابهم فالفريقان.
غير أن ذلك يفترض توافر ملف كامل للقضية dossier de la cause لدى غرفة الدرجة الأولى، يمكِّنها من التعرف على الأدلة المضبوطة وعلى كل المشكلات القانونية والواقعية التي قد تنشأ. إذا عجز قاضي الإجراءات التمهيدية عن إعداد مثل هذا الملف الشامل ليحيله إلى غرفة الدرجة الأولى، تقضي المادة 145 الفقرة (باء) من القواعد بالعودة إلى الأسلوب اُلمتبع في الأنظمة الوجاهية، مما يسمح للقضاة بالتصرف بالطريقة التي يرونها مناسبة لضمان محاكمة سريعة ومنصفة.
(ج) التدابير البديلة للاحتجاز
25. تقضي القاعدة العامة التي تنطبق على الشهود والمتهمين الذين يمثلون أمام المحكمة، بعدم احتجازهم رهن المحاكمة، إذ يتمتع الأشخاص المحتجزون بقرينة البراءة. فالحرية هي المبدأ العام والاحتجاز هو الاستثناء، وقد يبرر بحسب الظروف الملموسة للقضية لغرض ضمان مثول الشخص أمام المحكمة في حال وجود خطر جدي بأن أ) يتوارى عن الأنظار، ب) لمنعه من عرقلة سير التحقيق أو الإجراءات أمام المحكمة، أو تعريضها للخطر، أو ج) للحؤول دون تصرفه تصرفا مماثلا للذي يشتبه بقيامه به. ولكن غالبا ما تهمل المحاكم الوطنية والدولية مفهوم وجوب إبقاء المتهمين أحرارا أثناء محاكمتهم، لا سيما في بعض البلدان التي تعتمد الأنظمة القائمة على العرف الروماني الجرماني، كما تشهد له احتجاجات فولتير3. العنيفة ضد نظام العقوبات الفرنسي في العام 1764.
26. مع مراعاة هذه المبادئ، بدلا من احتجاز المشتبه بهم أو المتهمين، يمكن استدعائهم للحضور أمام المحكمة، مما يسمح بعدم احتجازهم في مرفق الاحتجاز التابع للمحكمة. إذا تم احتجاز مشتبه به أو متهم بأمر من المحكمة في بلد إقامته أو في مرفق الاحتجاز التابع للمحكمة، يجوز لقاضي الإجراءات التمهيدية (أو لإحدى الغرفتين) الأمر بإخلاء سبيله مؤقتا وبإعادته إلى الدولة التي يحمل جنسيتها أو إلى بلد إقامته.
27. إضافة إلى ذلك، أدرجت أحكام تمنح المشتبه بهم والمتهمين تصاريح مرور (بموافقة الدولة المضيفة) تعطيهم الحصانة من التوقيف والملاحقة، وتسمح لهم بالعودة إلى بلدأنهم بعد استجوابهم ومثولهم الأولي أمام غرفة الدرجة الأولى أو قاضي الإجراءات التمهيدية. كما يحق للمتهم أيضا أن يشارك في إجراءات المحاكمة أو الاستئناف عبر نظام المؤتمرات المتلفزة، فلا يضطر إلى المجيء إلى هولندا، لكنه يبقى خاضعا لاختصاص المحكمة.
28. وتبدو هذه الحاجة إلى السماح بتطبيق مختلف أشكال "الحضور القانوني" أكثر إلحاحا في ما يخص المحكمة بسبب الصعوبات الفريدة التي ستواجهها في إطار توقيف المتهمين ومن ثم تسليمهم إلى المحكمة. ويفترض أن تكون الدول الثالثة أقل ترددا في التعاون مع المحكمة إذا ما عرفت أن مواطنيها قد يحاكمون بدون احتجازهم وأن يشاركوا في الإجراءات من دولة إقامتهم.
29. تتيح كل هذه التدابير إقامة إجراءات لا يكون فيها المتهم متواجدا بالضرورة لكنه يستطيع توجيه محاميه بعد مثوله الأولي أمام المحكمة.
(د) استخدام الأدلة الخطية
30. تتمتع المحكمة بالسلطة القانونية لاستلام الأدلة خطيا (المادة 21، الفقرة (2) من النظام الأساسي). وبالرغم من اتباعها مبدأ الشفوية في عدة نواح، إلا إنها تأخذ في الاعتبار خبرة الأنظمة الجزائية كالنظام الجزائي اللبناني الذي يميل إلى قبول الأدلة الخطية بدون استدعاء الشاهد شخصيا وبدون إخضاعه للاستجواب المضاد رهنا بشروط معينة. وبما أن حقوق الإنسان الأساسية تقضي بأن يدرس المتهم كل الأدلة التي تستخدم ضده (المادة 16، الفقرة (4)، الفقرة الفرعية (و))، كان لا بد من إيجاد توازن ما.
 

أخبار ذات صلة

إعلانات

إعلانات متنوعة

صيدا نت على الفايسبوك

الوكالة الوطنية للاعلام

انقر على الزر أدناه لزيارة موقع وكالة الأنباء الوطنية:

زيارة الموقع الإلكتروني

تابعنا