×

سليمان ــ دمشق: الحرارة المخفوضة لا توصد الأبواب

التصنيف: سياسة

2010-03-24  08:29 ص  1075

 

لم يطل الوقت كثيراً حتى أضحت الحملة على رئيس الجمهورية زوبعة في فنجان. تقليل من أهمية ما قيل عن الرئيس وفيه، وتأكيد الثقة به. لكن من دون إخفاء ملاحظات على طريقة نظرته إلى التعاون مع سوريا في الشأن اللبناني

نقولا ناصيف
لم تكن الحملة على الرئيس ميشال سليمان أخيراً الأولى، لكنها الأكثر حدّة في المطالبة بتنحّيه. اكتسب ما قيل بعض تأثيره، بإثارة الغبار من حول الرئيس، من الطريقة التي اتبعت في توجيه انتقاد قاس له، وأوحت بأزمة مستفحلة بينه وبين دمشق، تكاد تقترب من خاتمتها والرئيس لم يكمل الثلث الأول من الولاية. بالتأكيد لا أحد يتوهّم بسهولة حمل رئيس الجمهورية على الاستقالة، ولا فرضها عليه حتى. ولا أحد يتوهم باستعجال دمشق خياراً كهذا لم تعتد في السنوات الماضية، في مرحلة ما قبل اتفاق الطائف، اللجوء إليه. في أحسن الأحوال قيل إن الحملة إشارة أولى ذات مغزى. قيل أيضاً إن المطالبة باستقالة سليمان موقف متهوّر لن يتكرّر.
لدمشق نبذة مع الرؤساء اللبنانيين الذين اختلفت معهم مذ دخل جيشها لبنان عام 1976، لكنها لم تدفع مرة إلى استقالة أحدهم، ولم يكن التهديد بفرض تنحّيه سبباً لانتزاع مكسب سياسي. كان الرئيس الياس سركيس أول المجرَّبين عندما طالب بعض حلفائها باستقالته، مع أنها كانت قد رفضت قبلاً استقالته عام 1978 إبان حرب المئة يوم في الأشرفية، وحضّ وزير الخارجية آنذاك عبد الحليم خدّام الرئيس اللبناني على البقاء في منصبه. تكرّرت المحاولة مع الرئيس أمين الجميّل عندما طالب أحد أبرز حلفائها، رئيس حركة أمل نبيه برّي، بتقصير ولاية الجميّل. قبل سركيس والجميّل رفض الرئيس حافظ الأسد إرغام صديقه الرئيس سليمان فرنجية على الاستقالة في نيسان 1976، رغم توقيع 66 نائباً كانوا يمثلون غالبية ثلثي البرلمان عريضة بذلك. بعد اتفاق الطائف، لم يتغيّر الموقف السوري أبداً. عندما طرح نائب رئيس المجلس إيلي الفرزلي عام 1993 تقصير ولاية الرئيس الياس الهراوي، قيل إن دمشق وراء الموقف سرّاً، فإذا بها بعد أقل من سنتين تمدّد الولاية ثلاث سنوات.
على مرّ هذه المحاولات التي خبرت فيها سوريا علاقات مترجّحة مع رؤساء لبنانيين، باستثناء الهراوي الذي حظي بامتياز استثنائي لدى الأسد الأب، لم يكن ثمّة شغف سوري بحمل رئيس لبناني ـــــ في ذروة الخلاف معه حتى ـــــ على التنحّي بالقوة. ولم ترَ دمشق فائدة في افتعال شغور الرئاسة اللبنانية إبان الولاية الدستورية. لكنها لم تكن تتردّد في الاضطلاع بدور سلبي حيال هذا المنصب على أبواب انتهائها. جارت عام 1988 الفراغ الرئاسي عندما تعذّر انتخاب خلف للجميّل في مرحلة طبعتها الفوضى الشاملة في لبنان، بسبب التنافس على النفوذ بين دمشق وواشنطن على هذا الاستحقاق، وتكرّر الأمر عام 2007. إلا أنها سارعت على أثر شغور المنصب بعد اغتيال الرئيس رينيه معوّض إلى انتخاب الهراوي خلفاً له.
كانت قد حدثت سابقتان مختلفتان في موقفها من الرئاسة عامي 1982 و2007، ولم تكن تمسك في أي من الاستحقاقين بناصية السيطرة عليهما، وفرضها منفردة انتخاب رئيس للجمهورية. في الأولى كان جيشها قد أرغِم على الخروج من بيروت، فأغضبها انتخاب الرئيس بشير الجميّل، وسرعان ما رحبت بعد اغتياله بخلفه شقيقه الرئيس أمين الجميل. وفي الثانية، وكان جيشها قد خرج من كل لبنان، لم يسعها إدارة انتخاب خلف للرئيس إميل لحود. لكنها كانت أول من أرسل إشارات إلى الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي بدعمها انتخاب قائد الجيش العماد ميشال سليمان قبل نهاية ولاية لحود، وقبل أن تستفيق قوى 14 آذار في تشرين الثاني 2007 على سليمان مرشحاً توافقياً. خيار سوري قبل أن يكون ثمرة تفاهم فرنسي ـــــ مصري، وقبل أن تتبنّاه قوى 14 آذار. ولم يحن انتخابه إلا في التوقيت السوري بعد أحداث 7 أيار 2008.
هكذا تجد دمشق نفسها معنيّة بوجود رئيس للجمهورية في لبنان، وتلحّ على وجوده. لكن شغف اللعبة عندها أن تجعله يحكم بقوة، أو يحكم قليلاً، أو لا يحكم أبداً. والأمثلة على عهود سركيس والجميّل والهراوي ولحود أكثر من أن تحصى.
هي إذاً لا تستسيغ حمل رئيس لبناني على التنحّي بالقوة. لم تفعل ذلك مرة، ولا يسعها أن تفعل، ولا التلويح به مجدٍ، بل تملك من الوسائل والنفوذ ما يكفي «لإقناعه» بالتعاون معها.
بذلك لم تكن دمشق مرتاحة إلى الحملة على سليمان أخيراً. لكن ردود الفعل المتباينة بين مَن انتقدها، ومَن دافع عنه، ومَن وازن بين تأييد الرئيس وحقّ كل سياسي في إدلائه بموقفه، أفضت إلى:
1 ـــــ لم تنظر دمشق بارتياح إلى الحملة وتوقيتها، إذ أوحى بأنه ينمّ عن إيعاز سوري بها. أشعرتها الحملة وردود الفعل عليها بمحاولة استدراجها إلى أزمة لا تبحث عنها مع لبنان ولا مع رئيسه بالذات.
2 ـــــ تعتقد دمشق بأن لديها ما يكفي من الوسائل لتوجيه إشارات سلبية أو انتقادات إلى رئيس الجمهورية، أو إلى أي حليف آخر لها. لكن إشارات وانتقادات كهذه لا تبلغ حدّ المطالبة بتنحّيه.
3 ـــــ سارعت قيادة حزب الله إلى تطويق آثار الحملة، وأجرت مشاورات مع العاصمة السورية انتهت إلى إبلاغ المعنيين بتلك الحملة ـــــ وهم أكثر من طرف ـــــ بضرورة الكفّ عن تصعيد كهذا.
4 ـــــ لا تكتم دمشق مآخذها على سليمان، لكنه لم يمسِ عبئاً عليها. بل يبدو لبّ التباين بين الطرفين في أن كلاً منهما ينظر بطريقة مغايرة إلى علاقة الآخر بالوضع اللبناني. انطلاقاً من إصرارها على أنها لا تريد التدخّل في الشؤون اللبنانية، تصرّف سليمان على أن الشأن اللبناني شأن اللبنانيين والمؤسسات الدستورية. أفضى ذلك، وخلافاً لما اتبعه سلفاه في مرحلة ما بعد اتفاق الطائف، إلى تفادي الرئيس اللبناني إطلاع سوريا على الوضع الداخلي بملفاته الشائكة، مكتفياً بقواعد تحدّث عنها مراراً في سنة و10 أشهر من ولايته منذ خطاب القسم، وهو حرصه على تلازم الأمنين اللبناني والسوري ما دام استقرار البلدين مسؤولية مشتركة، فلا يكون أحدهما مصدر إقلاق للآخر، والتنسيق في السياسة الخارجية في شقّ حماية سلاح المقاومة والصراع العربي ـــــ الإسرائيلي. تمسّك أيضاً بالإطار المميّز للعلاقات اللبنانية ـــــ السورية، آخذاً في الاعتبار المحافظة على المعاهدة الثنائية والمجلس الأعلى السوري ـــــ اللبناني، متفهّماً المخاوف السورية من أعمال خلايا إرهابية واجهها الجيش الذي يجري، وخصوصاً استخباراته العسكرية، تنسيقاً كاملاً ودورياً مع الاستخبارات السورية.
لكن سوريا لا تقاسم سليمان وجهة النظر هذه بالضرورة، وإن أكدت مراراً أنها لا تودّ الخوض في الملفات المحلية. تجد نفسها معنيّة بالاطلاع على تلك الملفات والمساهمة في إمكان معالجة صعوباتها، ما دام الرئيس اللبناني دان لدمشق بدور إيجابي في تأليف حكومة الوحدة الوطنية.
ولعلّ بعض مغازي المآخذ السورية تكمن، على الأقل بالنسبة إلى ما سمعه متردّدون على دمشق في أوقات متفاوتة، في الآتي:
ـــــ لا تعوّض المكالمات الهاتفية الدورية الحاجة إلى موفدين شخصيين ذوي صدقية يتنقلون بين الرئيسين، وآخرين يجرون حوارات دائمة مع الاستخبارات السورية المعنية ببعض الملفات اللبنانية بغية تحقيق أوسع تنسيق ممكن.
ـــــ تودّ أن تشعر بحرارة تعاون سليمان معها، وهو ما تتوقعه من رئيس الحكومة سعد الحريري بعد مصالحته الرئيس بشّار الأسد والنظام السوري على السواء. بل تأخذ على الحريري قلة حماسته إلى وضع ما اتفق عليه مع الأسد موضع التطبيق، إلى حدّ أشعر هذا التصرّف مسؤولاً سورياً بتردّد الحريري، وحمله على القول: إذا كانت نظرته إلى العلاقات المميّزة مع سوريا على هذا النحو، فليمضِ بها.

أخبار ذات صلة

إعلانات

إعلانات متنوعة

صيدا نت على الفايسبوك

الوكالة الوطنية للاعلام

انقر على الزر أدناه لزيارة موقع وكالة الأنباء الوطنية:

زيارة الموقع الإلكتروني

تابعنا