×

الحريري ـ دمشق أمام الامتحان: أبيض أو أسود

التصنيف: سياسة

2010-10-07  02:41 م  1298

 

رغم أن الرمادية تصاحب الاحتقان القائم بين قوى 8 و14 آذار، وبين الرئيس سعد الحريري ودمشق، إلا أنه لا مخارج للمأزق الحاد الذي يتخبّط فيه هؤلاء، وأخصّهم رئيس الحكومة، إذ يواجه الأيام الأصعب منذ تأليفه الحكومة قبل 11 شهراً

نقولا ناصيف
تخضع علاقة رئيس الحكومة سعد الحريري بدمشق لتقويم صعب لدى القيادة السورية، انطلاقاً من تجربة بالكاد بدأت قبل 10 أشهر، بدأت تشوبها الآن علامات استفهام جدّية حيال مضيّ الحريري فيها من جهة، ومدى تقبّل دمشق علاقة كهذه تراوح مكانها.
ويستند هذا التقويم إلى معطيات، أبرزها:
1 ـــــ لن تتخلى سوريا عن تفاهمها مع السعودية على ضرورة الاستقرار في لبنان. ولن يتخلى الرئيس بشّار الأسد عن توطيد علاقته بالملك عبد الله، رغم أنهما يلتقيان على ملفات إقليمية كلبنان، ويختلفان على أخرى كالعراق والمفاوضات المباشرة الإسرائيلية ـــــ الفلسطينية. بيد أن ذلك لا يحجب معلومات بلغت إلى القيادة السورية عن مواقف أدلى بها وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل لقيت لدى دمشق امتعاضاً، وعبّرت عن تناقض صريح بين ما كان يسمعه الأسد من عبد الله ومن نجله ومستشاره الأمير عبد العزيز المكلّف الملف اللبناني في العلاقات السعودية ـــــ السورية، وبين ردود فعل الفيصل، وخصوصاً أن الرئيس السوري يعلّق علاقته بالسعودية على علاقته الشخصية بعبد الله.
لن تقفل دمشق الأبواب في وجه الحريري، لكنها متيقّنة من تعمّده كسب الوقت
ما نُسب إلى الفيصل موقفان: إصرار المملكة على المحكمة الدولية، واستعدادها لتمويل نفقاتها إذا طرأ ما يحول دون تسديد لبنان حصته في موازنتها. ترافق هذان الموقفان مع معلومات موازية تتداولها القيادة السورية عن دخول أميركي مباشر على خط الجدل الدائر حول المحكمة، وإبلاغ واشنطن إلى الرياض الآتي: ضرورة الموافقة على ترؤس نوري المالكي الحكومة العراقية الجديدة، والتشبّث بالمحكمة الدولية باسم تحقيق العدالة. كان ردّ المملكة أنها غير مؤيدة لترؤس المالكي الحكومة العراقية، لكنها لن تعترض.
غير أن دمشق لاحظت أيضاً، وخصوصاً من خلال تحرّك السفير السعودي في بيروت على عواض العسيري، أن الرياض انتقلت في مقاربة موضوع القرار الظني من العمل على تأجيل صدوره، إلى منحى معاكس هو البحث عن سبل مواجهة تداعياته على الاستقرار اللبناني في مرحلة ما بعد صدوره. وذلك يعني جهر المملكة بإنهاء المهمة التي أخذ الملك على عاتقه بذل جهود في سبيلها، وهي تأجيل صدور القرار الظني، في ضوء ما اتفق عليه مع الرئيس السوري في قمتهما في دمشق في 29 تموز الماضي. يعني ذلك أيضاً تيقن المملكة من أن القرار الظني سيوجّه الاتهام إلى أعضاء في حزب الله باغتيال الرئيس رفيق الحريري.
2 ـــــ لن تقفل دمشق الأبواب في وجه الحريري، ولن تتراجع عن علاقتها به، لكنها بدأت تقارب هذه العلاقة انطلاقاً من واقع أن المهل تقصر يوماً بعد آخر، وأن تنفيذ التعهّدات التي كان قد قطعها لها أضحت فعلاً أمام امتحان جدّية علاقته بالرئيس السوري. ويستند هذا الاعتبار، في ضوء التقويم الجاري، إلى الملاحظات الآتية:
ـــــ بعدما اختلفت الآراء المتداولة في القيادة السورية في الأشهر الـ 10 المنصرمة من علاقة الحريري بدمشق، بين قائل بأن رئيس الحكومة غير قادر على تنفيذ تعهّداته، وقائل بأنه غير راغب في ذلك، بات الرأي المشترك هو أن الحريري يهدر الوقت إلى حين صدور القرار الظني، أو انتظار حدث إقليمي كبير يفتح الباب على توقعات غير محسوبة.
النتيجة الحتمية لشكوك دمشق في رئيس الحكومة انقطاع الاتصالات المباشرة وغير المباشرة بين الطرفين. لا تجيب دمشق عن الاتصالات التي يجريها بها مدير مكتب الحريري ابن عمته نادر الحريري، ولا جهود مبذولة من أي طرف لتحضير زيارة يقوم بها الحريري لها، ولا الأسد يبدو مستعداً لاستقباله في الوقت الحاضر بلا موقف يعيد الثقة بجدّية رئيس الحكومة في علاقة ذات صدقيّة.
ـــــ في آخر مكالمة هاتفية بينه ورئيس الحكومة في 22 أيلول، قاله له الأسد: ما يهمّني هو إعادة بناء العلاقات السورية ـــــ اللبنانية والتنسيق بين عمل مؤسسات البلدين ووزاراتهما، لكن هناك مواضيع لا بد من العمل على تحقيقها، ولم يصر إلى ذلك حتى الآن. المسألة بين أيديكم وليست بين أيدينا. نحن نساعدكم إذا اتخذت في ظلّ وفاق وطني، وعندما يحتاج الأمر إلى تكوين وفاق وطني حولها. أما إذا لم تشاؤوا ذلك، فشأن آخر. هناك مسائل أساسية لم تتخذ منها بعد مواقف. وأنا لن أتدخل في المسائل التفصيلية.
كان الرئيس السوري يحضّ الحريري بذلك على اتخاذ موقف صريح من القرار الظني وشهود الزور. إلا أن شيئاً من ذلك لم يحصل.
ـــــ كان الأسد قد حدّثه أيضاً في خامس اجتماعاتهما، في سحور 30 آب في دمشق، في موضوع شهود الزور ومذكرات التوقيف الغيابية قبل أكثر من شهر على إعلانها، في 3 تشرين الأول الجاري. قال الأسد للحريري: لن نتدخّل لدى القضاء السوري. المذكرات مسألة قانونية، ونحن نعالج الشأن القانوني بالطريقة القانونية. إذا لم يعالج موضوع شهود الزور، فسيذهب القضاء السوري في إجراءاته إلى النهاية، إلى المحاكمة الغيابية وإصدار الأحكام حتى.
عبّر الأسد بذلك عن استيائه من تجاهل القضاء اللبناني التبليغات التي أرسلها إليه القضاء السوري قبل سنة، في شأن الاستماع إلى شخصيات لبنانية في الدعوى التي أقامها المدير العام السابق للأمن العام اللواء الركن جميل السيّد على شهود الزور. ورغم تكرار المراسلات القضائية السورية إلى القضاء اللبناني، لم يتلقَّ القضاء السوري أجوبة على نحو عدّته دمشق استهتاراً متعمّداً. بعد أيام، في 6 أيلول، اتخذ الحريري عبر جريدة الشرق الأوسط موقفاً من شهود الزور تلقفته سوريا بترحيب، لكنها اعتبرته مجتزأً لاكتفائه بالبعد السياسي في جريدة، وإحالة الموضوع على مجلس الوزراء عوض وضعه في عهدة القضاء اللبناني للمبادرة بوضع يده عليه.
توقعت دمشق، تبعاً لتعّهدات الحريري للأسد، توزّع العمل على إنهاء هذا الملف: يحاكم القضاء اللبناني شهود الزور اللبنانيين، والقضاء السوري شهود الزور السوريين. فلم يحصل شيء من ذلك كله.
الأسد للحريري: لن نتدخّل لدى القضاء السوري وإذا لم يعالج ملفّ شهود الزور فسيذهب في إجراءاته إلى النهاية
3 ـــــ مع معرفتها الوثيقة بالعلاقة الخاصة التي تجمع الحريري بالمملكة، شأن معرفتها أيضاً بعلاقة والده الراحل بها، تفضّل سوريا علاقة مباشرة بينها وبين رئيس الحكومة لا تمر بطرف ثالث، ولا بوسيط. بل تستند إلى خيارات استراتيجية توطّد العلاقات المميّزة بين البلدين. على نحو كهذا، نجح الحريري الأب في إرساء علاقة بالرئيس الراحل حافظ الأسد بلا وسيط أو طرف ثالث، وتصرّف أحياناً كوزير خارجية سوريا. واقع الأمر أن دمشق بدأت تلمس في علاقة الحريري بها، أنه جعلها جزءاً لا يتجزأ من العلاقات السعودية ـــــ السورية: إذا حافظت على تفاهمها نجح هو الآخر، وإذا تراجعت تكبّد كلفتها. ولا يحجب ذلك تجربة علاقة البلدين.
طوال ست سنوات، بين عامي 2004 و2009، لم تشهد علاقات دمشق والرياض تفاهماً سوى مرة واحدة في كانون الثاني 2009، على أثر مبادرة الملك عبد الله في قمّة الكويت بمصالحة الأسد، ثم استغرق ترسيخ التفاهم على لبنان بضعة أشهر، إلى أن استقر مع تكليف الحريري تأليف الحكومة. ما خلا هذه المرحلة، دخلت العاصمتان في مواجهة حادة منذ القرار 1559 عام 2004 حتى 7 أيار 2008، وبلغت ذروتها إبان التحقيق الدولي وإنشاء المحكمة الدولية. لكن دمشق التقطت أيضاً في الفترة الأخيرة إشارات سلبية من السعودية، مرتين في أقل من 24 ساعة، مصدرها وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل ووزير الثقافة عبد العزيز خوجة اللذان رافقا عبد الله إلى سوريا ولبنان.
في القمّة الثنائية بين الملك والرئيس السوري في دمشق في 29 تموز، ثم في القمّة الثلاثية في بيروت في 30 تموز، قالا الكلام نفسه: ماذا يضير توقيف ثمانية إلى عشرة أشخاص من حزب الله متهمين باغتيال الحريري الأب؟
وحينما أعادا العبارة نفسها في قصر بعبدا تصدّى لهما رئيس المجلس نبيه برّي في الاجتماع الموسع، في حضور الملك والأسد والرئيس ميشال سليمان، قائلاً: هذا اتهام لا نقبل به. إنه اتهام لطائفة أساسية ولكل حركة المقاومة، وليس لحزب الله وحده، ولن نسمح لأحد بتسويقه.
ومن غير أن يعكس ذلك انقساماً في الرأي داخل العائلة المالكة، تسمع دمشق من الرياض لغتين مختلفتين، لا تخلوان من التناقض، في ما يقال لها وما يقال للحريري، وما يقال أيضاً للخارج. وأتى الاجتماع الأخير بين الفيصل ووزير الخارجية المصري أحمد أبو الغيط والموقف المشترك الذي اتخذاه دليلاً ساطعاً. كذلك تجاهل الحريري القرار الظني في وقت تعهّد فيه عبد الله للأسد، في مهلة بعد أخرى، معالجة هذا القرار تفادياً لانعكاسه على الاستقرار الداخلي في لبنان. ثم راحت المملكة تقول أخيراً بمناقشة تداعيات القرار الظني لا بسبل تجنّبه.
واقع الأمر أن ما تطالب به دمشق هو معالجة جوهرية للمحكمة الدولية، انطلاقاً من اعتقادها بأن تسييس التحقيق الدولي آل إلى تسييس المحكمة. وكلاهما يعرّضان لبنان لفتنة.
4 ـــــ تضع الأزمة الحالية مع دمشق رئيس الحكومة في مأزق، يحتّم اتخاذه خيارات مؤلمة لأسباب شتى، منها:
ـــــ كما أنها لا تتوسّل الممحاة ولا تكتب بقلم رصاص كي لا تنسى على الإطلاق، لا تحبّذ دمشق حلفاء يقفون في منطقة رمادية. لا هي سوداء ولا بيضاء. لم تستسغ وضع الحريري خطوطاً حمراً حول الرئيس فؤاد السنيورة، ولا حول حلفائه في قوى 14 آذار، وأخصّهم القوات اللبنانية، ولا إبقاء معاونيه وفريق عمله من الذين يناصبونها العداء، ولا تجاهله نصيحة الأسد بالانفتاح على حلفاء سوريا في لبنان والتنسيق معهم، مكتفياً باستقبالات شكليّة لا تشير إلى رغبته في فتح حوار حقيقي والتعاون وإياهم.
ـــــ رغم تقدّم علاقته الشخصية بالأسد، إلا أنها لم تكفل للحريري تجاوز المأزق الحالي. بدت سوريا حريصة ودقيقة في التفريق بين الحرارة الشخصية التي أظهرها له الأسد مراراً بإحاطته بمظاهر الودّ والدفء، وبين توقعه التعاون مع رئيس حكومة وحدة وطنية لا توشك على الانفجار، وزعيم سنّي يقود طائفته وشارعه إلى المصالحة مع سوريا.

أخبار ذات صلة

إعلانات

إعلانات متنوعة

صيدا نت على الفايسبوك

الوكالة الوطنية للاعلام

انقر على الزر أدناه لزيارة موقع وكالة الأنباء الوطنية:

زيارة الموقع الإلكتروني

تابعنا