×

رحيل المفتي دالي بلطة·· والمهمة الصعبة لمن بعده

التصنيف: سياسة

2010-12-01  08:54 ص  3533

 

كتب هيثم زعيتر: خطف الموت مفتي صور القاضي الشيخ محمد صلاح دالي بلطة بلمح البصر، وهو في أوّج تألقه وعطائه، طاوياً صفحة مفتٍ وقاضٍ ورجل دين، وحافظ للقرآن، وواعظٍ، وأبٍ، وناشط تربوي، ومثقف، وصاحب واجبات اجتماعية، وعاملٍ على اصلاح ذات البين، والتقريب ليس فقط بين المذاهب، بل بين الطوائف والأديان والقوى السياسية، وصاحب النهفة والألفة، والجلسة الأنيسة، والرفقة الممتعة··
 

كالصاعقة وقع خبر نقل المفتي الصديق إلى <مستشفى حمود الجامعي> في صيدا بُعيد منتصف ليل الإثنين - الثلاثاء بدقائق، وأُتبع أن وضعه الصحي حرج، وللتأكد بادرت إلى الإتصال بصهره المهندس عماد بعلبكي، فأجاب وهو مجهش بالبكاء: <لقد أصيب بسكتة قلبية وتوقف قلبه، ويحاول الأطباء إسعافه>·· ولكن كل ذلك كان يقيناً بأن وضع المفتي حرج· وتأكد بعد بضع دقائق أن المنية قد وافته، وأن الأمانة قد عادت إلى باريها··

ماذا عسى أن أفعل في تلك اللحظات العجال، بين الصدمة التي لم نستفق من وقعها بعد، وبين المهمة الإعلامية التي تستوجب الإسراع في تعديل الخبر الأول الذي أرسلته إلى جريدة <اللـــواء> عن نقل المفتي إلى المستشفى وهو بحالة حرجة، وتحويله إلى رحيل المفتي مع تأمين صورة للراحل، وفي ذلك سباق مع الوقت قبل إرسال الجريدة للمطبعة··

والمهمة الأخرى هي من باب الوفاء لأخٍ وصديقٍ غالٍ وعزيز، بإعلام من يجب إبلاغه بالنبأ وهم من أصدقائه أو من يعملون معه، فكيف ذلك وما هو الخبر المحزن الذي يُبلغون به مع ساعات الفجر الأولى، لأول أيام عيد الأضحى المبارك، ولكن لا بد من القيام بذلك، وكانت الصدمة والمفاجأة تزداد مع كل اتصال، سواءً في صيدا أو صور أو بيروت، وحتى خارج لبنان، حيث يتواجد أصدقاؤه الكثر، فلم يصدق أحد النبأ، وأُصيب بالذهول من سمع به، ولكن هذه هي مشيئة المولى··

ثم الخطوات التالية لتعميم الخبر الفاجعة، ومتابعة مراسم التشييع وتقبّل التعازي، وهكذا كان، حيث احتشد في التشييع وتقديم التعازي مختلف أطياف المجتمع اللبناني، بكل مراتب القيادة، بدءاً من رئاسة الجمهورية وحتى مختلف القيادات الروحية والسياسية والرسمية والقضائية والأمنية والعسكرية، فضلاً عن الفاعليات النقابية والإجتماعية والإعلامية والشخصيات والقوى الحزبية والفصائل الفلسطينية والوفود الشعبية، الذين تجاوز بعضهم الإحتياطات الأمنية··

حشدٌ غفير كان لكل منهم مع الراحل <محمد دالي بلطة> قصة وحكاية، يعرفهم تمام المعرفة، في ميدان أو أكثر من الميادين التي كانت له فيها لمساتٌ وبصمات على مر سنوات عمره الـ 54··

رحل المفتي دالي بلطة بعدما كان قد أنجز الختمة الشهرية لحفظ القرآن الكريم، التي اعتاد عليها في كل شهر، وهو الحافظ لكتاب الله سبحانه وتعالى، بل إنه كان يمتاز بصوته الرخيم في ترتيله لآيات الذكر الحكيم، وبلاغته في هذا المجال جعلت منه رئيساً ومشرفاً على العديد من مسابقات حفظ القرآن الكريم، ليس فقط في لبنان، بل عربياً ودولياً··

جلس المفتي مع عائلته بعدما أتم اتصالاته بالمعنيين، ووضع اللمسات الأخيرة على التحضير لصلاة العيد التي كان من المقرر أن يؤمها ويلقي الخطبة في <المسجد العمري الكبير> في صور، ثم يُشرف على الأضاحي وتوزيعها إلى المحتاجين في منطقة صور وفي القرى الجنوبية المواجهة لمواقع الإحتلال الإسرائيلي، فضلاً عن اطمئنانه إلى توزيع جميع دعوات التهنئة بالعيد التي وجّهها، ومنها الإعلان عن تقبّل التهاني، ثم طلب من ابنته البدء بالرد على رسائل التهنئة بالعيد التي وصلته عبر هاتفه الجوال، وهو يرتّل بعض الآيات، وإذا بذبحة قلبية قوية تصيبه كالصاعقة، ففاضت روحه في لحظات وكأنها <وخزة إبرة>··

في مثل هذه الليلة - أي وقفة العيد، للفطر أو الأضحى، كنا نلتقي والمفتي دالي بلطة في منزل صديقنا المشترك أحمد الصلح (المعروف ببيته المضياف وخدماته الجلّى) وكان يتواجد صديق المفتي دالي بلطة، المهندس مصطفى الحريري <أبو محمد>، ولكن في هذا العيد كان الصلح خارج لبنان بين المملكة العربية السعودية ومملكة البحرين، حيث إلتقينا هناك قبل أيام من العيد، وكان للمفتي الراحل نصيب وافر من الجلسة، على أمل اللقاء به بعد العودة، ولكن شاء المولى أن تكون المشاركة في التشييع وتقبّل واجب العزاء·· لقد شارك حشدٌ غفير في تشييع المفتي دالي بلطة في أول أيام عيد الأضحى المبارك، وسط حدادٍ عام واعتذار مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ الدكتور محمد رشيد راغب قباني ? الذي أمّ الصلاة على جثمانه وشارك في التشييع وتقبّل التعازي - عن تقبّل التهاني بالعيد، كذلك الفاعليات الصيداوية والصورية والجنوبية حداداً على رحيل مفتي الإعتدال وداعم المقاومة··

كُثرٌ شاركوا وفاءً للعالم الذي لم يترك مناسبة وواجباً إلا وشارك فيه، فأينما كان تجده ملبياً نداء الواجب·· وقلة ممن شاركوا للتأكد من أن المفتي دالي بلطة أصبح في رحاب الله، وهؤلاء هم ممن كان له مآخذ جمّة عليهم، فهم ربما إرتدوا الجُبة والعمامة، بعدما منحوا ذلك بتخرجهم من <مدارس التفقيس>، أو ممن كان ينتقدهم على آدائهم وتصرفاتهم والإستغلال بإسم الدين··

لقد ترك رحيل المفتي دالي بلطة فراغاً كبيراً من الصعب أن يملأه شخصٌ بل أشخاص، وقلما يُمكن أن يُملأ هذا الفراغ، فما يُميّز كان له حضور لافت ومكانة مرموقة وموقع وإطلالة ويفرض احترامه على الجميع··

من التقى معه بالموقف أو العقيدة أو اختلف وإياه في ذلك، كان يحسبُ حساباً للمفتي الراحل، الذي كان فضلاً عن تمتعه بقوة شخصيته، يمتاز بأن <حجته بين يديه>··

وهنا لا بد من كلمة إنصاف، بعدما كثُر القِيل والقال حول تكليفه بمهام مفتى صور ومنطقتها، وأن ذلك كان إبعاداً له عن إفتاء صيدا·· وإنصافاً للحقيقة نذكر ما جرى، والذي كنا شهوداً على واقعة التكليف التي تمت، وكان ذلك يوم السبت 28 كانون الثاني 2006، حيث أن التكليف هو لمنصبٍ شاغر وليس للإبعاد···

فظهر يوم السبت تلقيتُ إتصالاً دعاني لأن أكون في منزل مفتي صيدا والجنوب الشيخ محمد سليم جلال الدين في مجدليون، وكان ذلك بعد مأدبة الغداء التكريمية التى أقامتها النائب بهية الحريري في دارة آل الحريري في مجدليون، لمناسبة رأس السنة الهجرية، على شرف أعضاء <المجلس الإسلامي الشرعي الأعلى>، الذي كان قد جرى انتخابه قبل حوالى الشهر··

وما هي إلا دقائق حتى وصل مفتي الجمهورية الشيخ الدكتور محمد رشيد راغب قباني، يرافقه رئيس المحاكم الشرعية السنية القاضي الشيخ عبد اللطيف دريان، وقاضي صيدا الشرعي الشيخ محمد دالي بلطة والمهندس مصطفى الحريري <أبو محمد>، وكان المفتي جلال الدين وكاتب هذه السطور في استقبالهم·

وجرى التباحث خلال اللقاء بمجمل الشؤون التي تهم الجنوبيين، وطرح المفتي قباني على المفتي جلال الدين، تكليف القاضي دالي بلطة بمهام مفتي صور ومنطقتها، حيث أثنى المفتي جلال الدين على الشيخ دالي بلطة وعلمه وخلقه وكفاءته··

وأكد المفتي قباني على <دراية القاضي دالي بلطة للقيام بمهام مفتي صور وقراها السبعين تقريباً، مرجعاً دينياً ووقفياً يعودون إليه في كل قضاياه>··

وكانت مباركة من المفتي جلال الدين الذي عرف القاضي دالي بلطة عن قربٍ، فأعلن موافقته على ذلك، مضيفاً <هو قائم بالفعل بمهام الأوقاف في صور بالتكليف، وعلى هذا الأساس حبذت ورحبت هذه الفكرة، وأرجو الله سبحانه وتعالى أن يوفقه>··

وختم المفتي جلال الدين - الأب الحنون بجملةٍ مشهودة يعرفها من حضر اللقاء، وأبلغ بها إبنته سحر جلال الدين الجبيلي ? التي عندما فاتحتها بما جرى أكدت <أن والدها أبلغها بهذه الجملة>، وهي أن ذلك هو <تكليفٌ دون كلفة وهو ما حصل معي عندما كلفت بإفتاء صيدا> - أي أن تكليف القاضي دالي بلطة بالمهمة لن يستوجب بدلاً مادياً، على اعتبار أنه قاضٍ في صيدا ومكلفٌ بمهام أوقاف صور>·· الآن المفتيان جلال الدين ودالي بلطة في ذمة الله في مقبرة صيدا الجديدة في سيروب، التي كان للمفتي جلال الدين دورٌ في إفتتاح الدفن فيها في القسم الأخير من العام 1999، بادئاً بقريبه الراحل القاضي عبد المولى الصلح، بعدما كان الرئيس الشهيد رفيق الحريري قد أوقف قطعة الأرض، هبةً عن والده المرحوم الحاج بهاء الدين الحريري··

هي شهادة عن واقعة أذكرها إنصافاً للراحلين المفتيين جلال الدين ودالي بلطة، لوضع النقاط فوق الحروف، ولوقف كل محاولات تشويه البعض لحقيقة ما جرى··

لقد وجد المفتي دالي بلطة أن واقع الطائفة السنية في منطقة صور شبه مفكك، بعدما <نهش> جسدها العديد ممن نصّبوا أنفسهم زعماء أو أولياء على هذه الطائفة، فأمعنوا شرذمةً وتقسيماً ومحاصصةً، إلى أن نجح المفتي دالي بلطة بالتصدي لكل تلك المحاولات وقمعها والقضاء عليها، إنطلاقاً من الإصلاح داخل البيت الواحد، والتواصل مع الجوار، لأن وحدة أبناء هذه الطائفة هي قوةٌ للنسيج الإجتماعي والديني - الإسلامي والمسيحي - في منطقة صور وعمقه المقاوم، وهو ما جهد المفتي الراحل مع علماء الدين من مختلف الطوائف والفاعليات والقوى السياسية في منطقة صور من أجل العمل على تحصينه من الفتن والمؤامرات··

ويكون الوفاء للمفتي الراحل، بمتابعة ما كان قد بدأ به عبر الإستمرار على ذات الخط، حتى لا يتمكن <المتطفلون> الدخول من الزواريبٍ للعبث والإستفراد وتفتيت الواقع·· وبمتابعة العمل بمشروع بناء <مسجد سيدنا أحمد الرفاعي> في صور، والذي هو في طور استكمال هبةٍ من رئيس مجلس الوزراء سعد رفيق الحريري، والذي سيتضمن إضافةً الى المسجد، <قاعة الرئيس رفيق الحريري> للمناسبات ومستوصفاً، فضلاً عن إقامة مركز جديد لافتاء وأوقاف صور ضمن مشروع لـ <جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية> في بيروت، حيث وعدهم بذلك رئيس الجمعية المهندس أمين الداعوق··

لقد كان داعماً للمقاومة وفي أحلك الظروف وأصعبها وخصوصاً بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان في حزيران من العام 1982، حيث يُشهد له مناصرته وتأييده مع قلة من فاعليات المدينة، للموقف الشجاع الذي إتخذه مفتي صيدا والجنوب الشيخ المفتي محمد جلال الدين، بإحتضان المدينة لتشييع شهداء <قوات الفجر> في <الجماعة الاسلامية>: جمال الحبال، محمد علي الشريف ومحمود زهرة، في كانون الثاني من العام 1983··

كما كان للراحل دور بدعم القضية الفلسطينية، وخصوصاً أن نكبتها سبقت ولادته بـ 8 سنوات، فأبصر النور في عائلة ومدينة احتضنت القضية الفلسطينية وقدّمت الغالي والنفيس من أجلها··

قبل أيام من رحيله كان قد جرى وضع إسمه ضمن الأسماء التي ستكون لها كلمة في المجلس العاشورائي، الذي يُقيمه رئيس مجلس النواب نبيه بري في دارته في المصيلح لمناسبة ذكرى عاشوراء، ولكن رحل قبل المشاركة··

لقد كانت المراكز تتسابق أمام المفتي دالي بلطة المتفوق منذ نعومة أظافره والمتصدر للمرتبة الأولى بين أقرانه من الطلاب والخريجين·· مراكز عديدة في التربية والجمعيات والإمامة والخطابة والأوقاف والقضاء والإفتاء، كلها كانت تكبر مع المفتي الذي كان يثبت بأنه أهلٌ لها، فكانت لا تُعطيه بقدر ما تستفيد منه، وهو الذي كان بإنتظاره العديد من المناصب ودورٌ ريادي، ومنها أنه كان قد حُسم أمر تعيينه كرئيسٍ للمحاكم الشرعية السنية العليا في لبنان خلفاً للقاضي الشيخ عبد اللطيف دريان، الذي يُحال على التقاعد قريباً··

وكان الراحل المفتي دالي بلطة جريئاً ومجاهراً بجرأته وحسمه للأمور، فلا أنصافٌ للحلول، وإن كان قد تعرّض للعديد من الطعنات والخيانات لمن أمنّهم، فكان لذلك تعبٌ على قلبه، وعندما أُصيب بعض منْ يكنون له السوء بالبلية تعامل معهم بالشرع دون تشهيرٍ·· كما إهتم بأمر العائلة والأسرى وإصلاح ذات البين، وأولى إهتماماً بواقع السجون، بعدما جار الزمن على بعضهم، حيث كانت نظرته شمولية، رافضاً الإنغلاق والتقوقع، بل امتاز بنظرة ثاقبة متقدمة ومتطورة، وعاملاً ومعززاً عمل الجماعة والمجموعة··

هكذا كان المفتي الراحل رجل دين وإفتاء وقضاء في <دار الفتوى> والقضاء والمسجد والمناسبات ورئيس الجمعية والتربوي الذي يُتابع أدق التفاصيل في <المركز الثقافي الإسلامي الخيري> ? <مدارس الإيمان>، والذي كنا نتابع وسماحته ومدير <مدارس الإيمان> كامل كزبر، اختيار المواضيع الرئيسية وعناوين أعداد المجلة، ولكن الآن لم يعد هناك أبرز من موضوعٍ يُلقي الضوء على جوانب من حياة المفتي الراحل، كعنوان يتصدر المجلة الذي زرع البذرات الأولى لها كما المدرسة التي طوّرها ودفع بالشباب لتبوء المراكز فيها، إيماناً بدورهم، فضلاً عن احتضانه الأبوي للأساتذة والطلاب الذين كانوا يلمسون ذلك عن كثبٍ وقربٍ عند كل حاجة الى مرشد، فكان الأب والمرشد··

لقد كان لنا في <اللــواء> تجربةً مع المفتي دالي بلطة، فكانت كلماته ومواقفه وآراؤه يتوزع نشرها من الصفحة الأولى حتى مختلف الصفحات سياسياً ودينياً وفقهياً وتربوياً وصيداوياً وجنوبياً وفلسطينياً والقضايا الإسلامية العربية والدولية، ففي أيِ مجالٍ قصدته تجد الفتوى أو النصيحة لديه، وكان متابعاً يومياً وبشغف لجريدة <اللــواء>، التي كان مصدراً للخبر فيها، فأصبح هو الخبر الذي ننعيه··

رحم الله <أبا أحمد> وأسكنه فسيح جنانه، وهو متمم لدينه، و كأنه قمرٌ شارف على الإكتمال في يوم عرفة، وينطبقُ عليه أنه قد ترك علماً يُنتفعُ به وعائلة صالحة من زوجته غادة أبو زينب وإبنه أحمد وشقيقاته الأربع: زهية وهلا ونور وريم، وأنه حافظٌ لكتاب الله كلما قرأ آية من آياته ارتقى درجةً في جنات الخلد··

هكذا رحل مفتينا الجليل، وهو في عز العطاء·· لتبدأ المهمة الصعبة التي ستتعب من ستؤول المسؤولية لهم من بعده··

 

أخبار ذات صلة

إعلانات

إعلانات متنوعة

صيدا نت على الفايسبوك

الوكالة الوطنية للاعلام

انقر على الزر أدناه لزيارة موقع وكالة الأنباء الوطنية:

زيارة الموقع الإلكتروني

تابعنا