×

كلمة بمناسبة ذكرى الهجرة النبوية لعام 1432

التصنيف: سياسة

2010-12-06  12:29 م  3588

 

 

الحمد لله خالق الأكوان و مقلب الدهور والأزمان أحمده حمدا باقيا على مر السنين و الأعوام
والصلاة والسلام على نبينا وحبيبنا وسيدنا محمد عبد الله ورسوله المصطفى بالرسالة والتكريم
وعلى آله وصحبه أجمعين؛ وبعد:
نتذكر في كل عام هجرة النبي الأعظم عليهالصلاة والسلام، ونحاول الاستفادة من الدروس الكثيرة التي يتعلمها المؤمن من هذاالحدث التاريخي الفاصل. فقد كانت الهجرة حدثاً فاصلاً بين مرحلتين من مراحل الدعوة،وكانت بداية النصر من الله تعالى.
اشتد الإيذاءعلى المسلمين وازدادت المؤامرات على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى اتباعه في مكة المكرمة، وأمعنت قريش في الظلم والتعدي والتعرض له صلى الله عليه وسلم، ولصحابته الكرام
أوذي عليه السلامُ واضطُهد, وعُذِّب وطُرد, واتُهِم بالوسوسةِ والجنون والسحرِ والكِهانةِ, ورُمي بالكذبِ وقولِ الزور, ووصفوا القرآنَ بأنَّهُ أساطيرُ الأولين, وأنَّ محمدًا تتنزلُ عليه الشياطين, حتى إذا بلغَ السيلُ الزُبى واستعصتِ النفوسُ الخبيثة على الدعوة وظهرت صلابةُ القلوبِ وسفهُ الرجالِ أذنَ اللهُ بالهجرةِ إلى المدينةِ الشريفة, فخرجَ صحابةُ رسولِ اللهِ فرارًا بدينهم، وخوفًا من فرعونَ وملئِه أن يفتنهم, خرجوا تاركينَ الأرضَ التي وُلدوا فيها, والبلدَ الذي نشؤوا فيه, منخلعينَ من المالِ والأهلِ والولد, فما قيمةُ المالِ والأهلِ والولد حين تُهددُ العقيدةُ وتصادرُ الحُرية؟!
اذن اشتد الكرب في مكة،على الحبيب المصطفى وضيّق الخناق على الدين الإسلامي، وائتمر المشركون بمكة أن يقتلوا رسول الله فجاء الاذن بالهجرة ، فقال جبريل عليه السلام: ((إن الله أذن لك يا محمد بالهجرة إلى المدينة، فلا تبت هذه الليلة في فراشك)) ، ورصده المشركون عند بابه ليضربوه ضربة رجل واحد، فخرج عليه الصلاة والسلام عليهم وهو يتلو صدر سورة يس، وذرَّ على رؤوسهم التراب، وأخذ الله بأبصارهم عنه فلم يروه، وأخذهم النعاس، واختبأ هو وصاحبه أبو بكر الصديق في غار ثور ثلاثة أيام حتى هدأ الطلب، وبحثت قريش في كل وجه، وتتبعوا الأثر حتى وقفوا على الغار، فقال أبو بكر : يا رسول الله لو أن أحدهم نظر إلى موضع قدميه لأبصرنا، فقال: ((يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟!))،
 ولقيا الدليل بعد ثلاث براحلتيهما، ويمَّما المدينة، فقال قبل أن يغادر تراب مكة المكرمة ليلحق بأصحابه : ((واللهِ يا مكةَ، إنَّكِ لخيرُ أرضِ الله, وأحبُ أرضِ اللهِ إلى الله، ولولا أنِّي أُخرجتُ منكِ ما خرجت)).
 كانت هجرة المصطفى نصراً للإسلام والمسلمين، حيث أبطل الله مكر المشركين وكيدهم فقد كان في تقديرهم القضاء على الإسلام بمكة، وظنهم القدرة على قتل رسول الله صلى الله عليه و سلم .
قال الله تعالى: إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ ٱللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ ٱثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِى ٱلْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلسُّفْلَىٰ وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِىَ ٱلْعُلْيَا وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [التوبة:40]. إن الهجرة قمة التضحية بالدنيا من أجل الآخرة ، وذروة إيثار الحق على الباطل
لإن الهجرة من مكة كانت إيذانا بفتح مكة، لماذا؟
 لأن الهجرة النبوية لم تكن هروبا من معركة أو فرارا من مواجهة، بل كانت تجسيدا للجهاد وترسيخا لقواعد الإيمان. ما كانت الهجرة طلبا للراحة والاستجمام ولا حرصا على الحياة، بل كانت استجابة لأمر رباني لاستئناف الحياة الإسلامية.
هاجر الحبيب المصطفى إلى المدينة فأصبحت الهجرة فيصلاً بين الحق والباطل، وأصبح المسلمون بها أعزةً بعد الذلة، وأقوياء بعد الضعف، حتى أعلا الله كلمته ونصر عبده وجنده.
هذه الهجرة المباركة فيها من الدلائل و الدروس و العبر الكثير
من هذه الدروس = أن عزة الأمة تكمن في الثقة بالله والاطمئنان إليه والاتكال عليه، لا سيما في الشدائد، ينظر أبو بكر الصديق رضي الله عنه إلى مواضع أقدام المشركين حول الغار فيقول: يا رسول الله، لو نظر أحدهم إلى موضع قدميه لأبصرنا، فيجيبه جواب الواثق بنصر الله: ((يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما)).
ما أعظم لطف الله بعباده ونصره لأوليائه، وفي هذا درس بليغ لدعاة الحق وأهل الإصلاح في الأمة أنه مهما احلولكت الظلمات فوعد الله آت لا محالة، حَتَّىٰ إِذَا ٱسْتَيْـئَسَ ٱلرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَاءهُمْ نَصْرُنَا [يوسف:110].
و من الدلائل والعبر التي تؤخذ وتستفاد من الهجرة ، أن بين مبادئ الحق وأوهام الباطل ، وبين عناصر الخير ، وقوى الشر ، وبين رسل الهداية ، وشياطين الغواية ، تناقض كبير ، وصراع مستمر ، وحرب ضروس ،قال تعالى وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (30) الأنفال وليس مكر الله إلا تمزيق مكر الماكرين، وحاشا لله أن يمكر، وحاشا لله أن يُمْكَر به أيضاً، فإذا أسند الله عز وجل إلى ذاته العلية المكر فإنما معنى ذلك أن الله خير من يمزق مكر الماكرين.
ولا شك ان الهجرة النبوية الشريفة لم تكن تحركا عشوائيا، ولم تكن هروبا، ولكنها كانت بأمر الله وتوفيقه نقلة استراتيجية عظيمة اراد المولى عز وجل بها حماية الدعوة بعد ان اشتد الضغط، وكثر الأذى،
ولا شك ان الرسول صلى الله عليه وسلم قد فرح باختيار الله عز وجل لهذه المدينة المنورة ان تكون هي مقر الهجرة، وتحول اسمها من يثرب الى المدينة المنورة، ومن عوامل فرحه صلى الله عليه وسلم انه قد أحب اهل هذه المدينة عندما لقي بعضهم قبل الهجرة، وكذلك في المدينة أخواله من جده من بني النجار، وهذا مازاد ارتياحه وجعله يأنس للذهاب الى هذه المدينة الطيبة الطاهرة، ويلقى اولئك الرجال والنساء الذين استقبلوه فرحين بقدومه وعوضوه عن قسوة الأهل في مكة (وظلم ذوي القربي أشد غضاضة). وكف الله عنه بهذه الهجرة تسلط قريش وغطرستهم وكبرياءهم وأذاهم.
من دروس الهجرة المباركة التي ينبغي أن يعيها المسلمون جيداً هو أن الظلم والطغيان مهما اشتد وتناهى فإنه إلى انتهاء واندحار ، فلا يحل لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يستسلم للباطل أو أن يدب اليأس والقنوط إلى نفسه. وإنما عليه أن يصبر ويصابر وأن يأخذ بالأسباب المتاحة أمامه معتمداً في ذلك كله على ربه وخالقه لاجئاً إليه متوكلاً عليه مفوضاً الأمور كلها إليه جل وعلا. فإن من توكل على الله كفاه، ومن لاذ به حماه، ومن استنصر به نصره ووقاه وإن خذله أهل الأرض أو كادوا به 0
في ذكرى الهجرة نودع عاما قضى وارتجل عنا بما فيه ونستقبل عاما جديدا، فليحاسب كل منا نفسه ماذا قدم في العام الماضي؟ وبماذا سيستقبل العام الجديد؟ لنتدارك ما فات من الزل والتقصير بالتوبة والاستغفار ولنعزم في بقية اعمارنا على الايمان الصادق والعمل الصالح والاتابة الى الله تعالى، فطوبى لعيد اغتنم فرصة العمر التي تقربه من ربه وخالقه في فعل الطاعات والقربات والجتناب المعاصي والاثام.
فقد اوصى النبي (ص) رجلا بقوله ( اغتنم خمسا قبل خمس: شبابك قبل هرمك ، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك وحياتك قبل موتك.
ونضر الله الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه صاحب الكلمة الراشدة حيث بقول (حاسبوا انفسكم قبل ان تحاسبوا، وزنوها قبل ان توزنوا ، وتأهبوةا للعرض الاكبر على الله (يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية) الحافة 18-
اللهم اجعل خير اعمالنا اخواتها، وخير اعمارنا اواخرها، وخير ايامنا يوم نلقاك، واغفر لنا يا رب كل الذنوب والخطايا والسيئات يا ارحم الراحمين وكل عام وانتم بخير
                                                                             مفتي صيدا واقضيتها
                                                                             الشيخ سليم سوسان

أخبار ذات صلة

إعلانات

إعلانات متنوعة

صيدا نت على الفايسبوك

الوكالة الوطنية للاعلام

انقر على الزر أدناه لزيارة موقع وكالة الأنباء الوطنية:

زيارة الموقع الإلكتروني

تابعنا