سنة 2010: كيف واجه حزب الله المحكمة الدولية ماذا حقق وماذا خسر؟
التصنيف: سياسة
2010-12-29 09:15 ص 931
ما يزيد عن سبعة اشهر هي عمر الحرب الضروس، التي شنها "حزب الله" على المحكمة الدولية الخاصة بلبنان تحت عنوان انها "محكمة مسيّسة" ترمي الى استكمال أهداف حرب تموز الاسرائيلية عام 2006.
وثمة رأيان داخل الحزب وخارجه حيال نتائج هذه المواجهة التي ما برحت ابوابها مفتوحة، الاول يعتبر ان الحزب الذي جنّد ما ملكت أيمانه من "اسلحة" سياسية واعلامية و"تهديدية"، قد "برع" الى حد كبير وحقق نجاحات كبيرة على نحو جعل المحكمة ورعاتها وحماتها ومتبني منطقها هم "المحاصرون" بدليل بيّن هو اضطرار كل قضاتها الى النزول الى الميدان الذي اراده "حزب الله" وهو المساجلة والدفاع عن المحكمة وفق ادبيات سياسية، وتنأى عن اللغة القانونية. وبدليل آخر هو ان القرار الظني الموعود صدوره عن هذه المحكمة والذي سيشير بأصبع الاتهام الى مجموعة من افراد الحزب، وفق ما صار الحزب يعتقد، قد تأخر صدوره وبات في ظهر الغيب بعدما حدد في السابق اكثر من موعد لصدوره بدءاً بشهر ايلول الماضي وصولاً الى الشهر الجاري.
اما وجهة النظر الاخرى فتنهض على اساس ان القرار الظني سيصدر عاجلاً ام آجلاً وان كل الجهود والمساعي المبذولة لحرف ما هو مرسوم وتغيير واقع الحال المعلوم سلفاً سيكون بعد صدور القرار الموعود. وهذه الوجهة تتعاطى مع القرار اياه على اساس انه قضاء لا يرد وقدر لا مفر منه. لانه لا يمكن المحكمة الدولية المعلنة منذ عام 2007 ان تحل نفسها او تضيّع جهودها سدى، وهي اعدت في الاصل وكلّفت كل هذا الجهد لتلفظ في خاتمة المطاف حكماً في حق مجموعة معيّنة.
وفي منأى عن كلتا وجهتي النظر هاتين، فالثابت ان "حزب الله" امضى اكثر من نصف العام الموشك على الرحيل يبذل جهوداً استثنائية ليدفع عن نفسه حبل التهمة الذي يُعد له، وليس سراً الاشارة الى ان ثمة خلايا عمل شكلت ودوائر اعدت في داخل الهرم القيادي للحزب لتواجه ما اعتبره امينه العام السيد حسن نصرالله "حرب" المحكمة الدولية عليه، كما ليس سراً ان غالبية جهود الحزب وعمل ماكينته القيادية قد كرس لجبه هذا "الحدث" الجلل بالنسبة اليه وخصوصاً انه يراه سيفاً مصلتاً يستهدف ماضي الحزب ومقاومته وحاضره ومستقبله، ويتوخى تشويه صورته في المديين العربي والاسلامي، وهي امر يشكل مادة اعتزاز كونه يعتبر نفسه طليعة مشروع متصادم لا يرمي بلوغ سلطة او الاستحواذ على حكم، او تحصين موقع.
اشارة الإنطلاق العملية في مشروع مواجهة المحكمة اعطاها أمينه العام السيد نصرالله في مطلع تموز المنصرم حين ظهر على الشاشة متجهماً اكثر من العادة، مسقطاً كل الخطوط الحمراء السابقة من خلال اعتبار المحكمة الدولية مشروعاً اسرائيليا بكليته، مما اوحى للمراقبين أن الرجل وحزبه شرعا في خطة المواجهة الضارية.
بدا جلياً، من خلال هذه المحطة الاولى في الرحلة الطويلة والشاقة التي فرضت عليه سلوكها، ان الحزب يجاهر برفضه العرض الذي قدم اليه في غرف مغلقة عن رئيس الحكومة سعد الحريري وفحواه ان يقبل الحزب قرار الاتهام الموعود لمجموعة غير منضبطة من عناصره، على ان يكون الجزء الثاني من العرض ان يبادر الحريري الى القول إن هذا الواقع لا يعني ان الحزب كله متهم، وعليه تعقد صفقة سياسية تتصل بكل مستقبل الوضع في لبنان والعلاقات بين الطرفين.
وفي قراءة دوائر القرار في الحزب للاسباب العميقة التي دفعت الى حمل هذا العرض "المتفجر" الى قيادة الحزب، ان المعطيات والأجواء والوقائع لا تبيح له رفضه بناء عن اعتبارات عدة أبرزها:
- ان سوريا التي فتحت ابوابها قبل فترة امام الرئيس الحريري وعقدت معه مصالحة، وخصوصاً بعدما برأها سياسياً من تهمة الضلوع في اغتيال والده، صارت في وارد آخر، ولن تبادر الى التضحية بـ"المكاسب الضخمة" التي حصلت عليها حديثاً، والتي لا يتهمانه بها، في سبيل الوقوف مع الحزب ومشاركته في معركته.
- إن الحزب لن يستطيع هذه المرة الذهاب في اتجاه الجنوب وفتح مواجهة مع اسرائيل على غرار مواجهة تموز 2006، فهناك القرار 1701 وهناك نحو 13 ألف جندي دولي وهناك اخطار الفصل السابع.
- الى ذلك، ليس في امكان الحزب خوض مواجهات داخلية على غرار تلك التي قامت عامي 2007 و2008، وما تخللها من اعتصامات واحداث ايار عام 2008، لأن المعطيات التي سمحت له بذلك حينذاك قد تحوّلت وتبدلت وليس في امكانه استخدام الاسلوب عينه مرتين.
ومع كل ذلك اختار الحزب المواجهة وانطلق في هذا الخيار مركزاً جهده استهلالاً للنيل من نزاهة المحكمة نفسها وشفافيتها قبل ان تصدر في حقه "قرار الاعدام" وفق ما يراه هو.
ولقد تولى السيد نصرالله نفسه هذه المهمة، اذ ظهر في خمس اطلالات متقاربة زمنياً، خلافاً لجاري العادة، ومستخدماً في احدى هذه الاطلالات وثائق واشرطة تعرض للمرة الاولى سعى من خلالها الى تكريس فرضية توسيع التحقيق في اتجاه ضم اسرائيل الى قائمة المتهمين بالضلوع في هذه الجريمة.
ولاحقاً ركّز الحزب عبر العديد من رموزه ونوابه على مسألة الاختراق الاسرائيلي لشبكة الاتصالات الخليوية في لبنان، وهو امر من شأنه ان يدعم نظرية تلاعب هذا الكيان بهذه الشبكة، مما يحاصر بالشكوك الفرضية الاساسية التي اعتمدت عليها المحكمة الدولية لتتهم الحزب، وفحواها ان ثمة اتصالات بين رموز امنية من الحزب اجريت قبيل عملية اغتيال الرئيس الحريري وبعدها.
ولم يفت الحزب ان يبرز "لا شرعية" اقرار المحكمة، وانها اقرت خارج الاجماع الوطني، وتالياً ليس هناك من نظرة وطنية واحدة اليها، وهو ما ظهر جلياً في المؤتمر الصحافي الذي عقده قبل فترة قصيرة رئيس كتلة "الوفاء للمقاومة" النائب محمد رعد والمحامي سليم جريصاتي وتمثلت "الضربة" الاخيرة وليس النهائية التي يعتبر الحزب انه سددها الى المحكمة في اظهار "فساد" محققيها الاول، وبالتحديد المحقق الالماني غيرهارد ليمان الذي كشف نصرالله انه "مرتش" وانه باع وثائق عائدة للمحكمة بمبلغ زهيد (50 الى 75 الف دولار) وانه عرض على الحزب شراء كل وثائق التحقيق بمبلغ مليون دولار.
وليس جديداً الاشارة الى ان الحزب امسك ايضاً ببراعة بملف آخر له علاقة بماضي المحكمة وحاضرها، وبالشكوك المحيطة بمراحلها الاولى وهو ملف "شهود الزور"، مستغلاً بطبيعة الحال "اقرار الرئيس الحريري بوجود هذا الملف من خلال التصريح الشهير الذي ادلى به عشية عيد الفطر الى صحيفة "الشرق الاوسط" السعودية، وهو الملف عينه الذي "نجحت" المعارضة عموماً في توظيفه لتعطيل عمل الحكومة وتالياً احداث شلل سياسي واداري عام مستمر منذ اكثر من شهر، كجزء لا يتجزأ من حصار محكم على حركة الرئيس الحريري، واظهاره في موقع العاجز حتى لدعوة مجلس الوزراء الى الانعقاد.
وهذا التطور السلبي سبقه تطور آخر تجسد في فرض جو من الغموض والإبهام على مصير الوضع في البلاد من جوانبه اذا صدر القرار الظني الموعود قبيل حدوث اية تسوية، من خلال رفضه الافصاح عن توجهاته وخططه للرد، وذلك رغم الحاح السفراء والموفدين العرب والاجانب عليه في السؤال مكتفياً بانه "لن يقف مكتوفاً وان من حقه الدفاع عن نفسه بكل الوسائل".
هل في الامكان القول ان هذا النهج "السلبي" الذي سلكه الحزب قد اعطى ثماره واظهر نتائجه؟
لا ريب ان الحزب يعتبر انه حقق مجموعة مكاسب، وجملة انجازات تجعله اليوم في وضع المرجح انه نجح في جعل المحكمة في وضع المتداعي او المرتبك والمحاصر، وانه كان يرى ان فصول المواجهة معها لم تنته بعد، وهي تحتم عليه المزيد من التحفز وبذل الجهد ليبلغ غايته المرتجاة.
ولعل اول هذه المكاسب تجسد في المسعى السعودي – السوري الذي وإن راهن عليه الحريري رهاناً قوياً، وهو في الاصل، وفق اكثر من مصدر، استتباع لرهان قوي من الرئيس السوري بشار الاسد على العاهل السعودي، الا انه بقي يعمل على فرضية انه ربما عاكست رياح الظروف هذا المسعى وبالتالي لم يصل الى خواتيمه.
فالذي يرى أن طريقة مواجهته للمحكمة والنهج المتبع التي دفعت المملكة السعودية الى وضع ثقلها في السعي لإنجاح المبادرة. ومما لا شك فيه ان الحزب قد راقب سلوك خصومه تجاه هذه المبادرة، وهم الذين تجاهلوا اصلاً وجودها ثم اعتبروها مجموعة افكار لا تلزمهم الى ان اقروا بوجودها اخيراً وابلغ الرئيس الحريري اخيراً من يعنيهم الامر انه سيلتزمها.
اما ثانية تلك "النتائج"، التي يعتبر الحزب انه حصل عليها، فتتمثل في سلوك بعض العواصم الغربية ولا سيما باريس تجاهه، فهي حاولت اولاً اقناعه بالقبول بالقرار الظني على ان تبقى هي تتعامل معه كأنه غير متهم، ثم عرضت عليه بطريقة غير مباشرة عرضاً فحواه ان الامر كله سيتمحور حول اتهام لا يطاول سوى ثلاثة اشخاص وسيقال لاحقاً انهم اما مفصولون من الحزب منذ زمن او هم مختفون او قضوا.
ولعل المكسب الابرز الذي يدرجه الحزب في لائحة مكاسبه السريعة، يتمثل في عجز المحكمة عن إصدار القرار الظني في المواعيد المحددة لذلك سابقاً لاعتبارات عدة ابرزها أن المدعي العام دانيال بلمار لا يملك قراراً متكاملاً لا يرقى اليه الشك وان المعنيين بالمحكمة باتوا يخشون التداعيات الممكنة في لبنان والمنطقة إذا ما صدر القرار، اضافة الى صعوبة تنفيذ مندرجات هذا القرار وما يمكن ان ينجم عن ذلك في حينه، وخصوصاً ان ثمة مراجع قضائية وامنية لبنانية ابلغت من يعنيهم الامر سلفاً انها لن تدخل هذا المدخل.
وللحزب بطبيعة الحال تجربته العملانية في هذا المجال وخصوصاً بعد حادث العيادة النسائية في الضاحية الجنوبية التي حصلت بين مجموعة نسوة وفريق من المحققين الدوليين، وما اعقب ذلك من نداء وجهه السيد نصرالله بتحريم التعاطي مع المحكمة وفريقها المحقق وهو نداء يقيم الحزب على اعتقاد فحواه انه اعطى ثماره وحقق مرتجاه. ولا شك ايضاً في ان الحزب ينظر بعين الارتياح الى الموقف السوري من موضوع المحكمة والقرار الظني، وهو موقف يتصف بالشدة في رفضه والحزم في القبول به وصل الى حدود "مقاطعة" غير معلنة للرئيس الحريري.
وهو موقف اقترن ايضاً بمعلومات وردت الى الحزب فحواها ان دمشق ابلغت عواصم عدة غربية وعربية أنها لن تقوم بأي دور في الداخل اللبناني يساهم في ضبط الاوضاع اذا ما صدر القرار الظني قبل حصول التسوية المرتجاة.
وفي العموم يبدو "حزب الله" على ثقة كبيرة انه استطاع بنجاح كبير ادارة معركة مواجهة المحكمة الدولية، الى الآن، وهو لا ينام على حرير هذا الامر، لانه ما زال يستنفر كل قواه. فهو يعرف ان للمعركة تتمتها وان خصومه لم يقتنعوا بعد انهم سيجربون ويجربون علّهم ينجحون.
ibrahim.bayram@annahar.com.lb
أخبار ذات صلة
وزير الدفاع الإسرائيلي: قتلنا علي لاريجاني
2026-03-17 01:12 م 93
النائب البزري يستقبل سفير بلجيكا ويتفقّد مراكز الإيواء في صيدا
2026-03-16 08:37 م 112
النائب أسامة سعد يبحث أوضاع النازحين في صيدا مع مفتي المدينة ومحافظ الجنوب
2026-03-16 05:33 م 58
منصور ضو يبحث مع عمر مرجان و"إنسان الغد" تعزيز الاستجابة الإغاثية في صيدا
2026-03-16 02:55 م 152
مبادرة إنسانية من صيادلة صيدا والجوار لتأمين الأدوية
2026-03-16 05:04 ص 92
إعلانات
إعلانات متنوعة
صيدا نت على الفايسبوك
الوكالة الوطنية للاعلام
انقر على الزر أدناه لزيارة موقع وكالة الأنباء الوطنية:
زيارة الموقع الإلكترونيتابعنا
صيدا فوق الخلافات: لقاء مرجان وحجازي خطوة نحو توحيد الجهود
2026-03-17 10:49 م
كفى اجتماعات بلا طعمة وجولات تصويرية إعلامية… من ينظّف صيدا؟
2026-03-08 11:32 ص
صور حين تتحول السيارة إلى بيت… والرصيف يصبح وطناً مؤقتاً
2026-03-07 10:57 م
بالفديو اثار القصف في مبنى جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية في صيدا
2026-03-07 12:16 م
رمضان في ساحة النجمة… فانوس البلدية بين الإشادة وعتب المتبرعين

