خليل المتبولي : معروف سعد، حين صارت صيدا فكرةً… وصار الاستشهادُ مدينة
التصنيف: أقلام
2026-02-25 10:18 ص 519
كل مقال يعبّر عن رأي كاتبه، ولا يمثّل بأي شكل من الأشكال سياسة الموقع.
بقلم : خليل ابراهيم المتبولي
في الذكرى الحادية والخمسين لاستشهاد معروف سعد، لا تبدو صيدا مدينةً تستعيد ذكرى رجلٍ مرّ بها، بل مدينةً تستعيد نفسها. كأنّها، كلّما ابتعد الزمن، اقتربت منه أكثر. كأنّ المسافة بين الرصاصة والصوت تضيق عامًا بعد عام، حتى يغدو الشهيد فكرةً تتنفّس في الأزقّة، لا صورةً معلّقة على جدار.
لم يكن معروف سعد ابن صيدا بالمعنى الجغرافي فقط، كان ابن ملحها، ابن صياديها الذين يخرجون إلى البحر وهم يعرفون أنّ الرزق ليس وعدًا بل مخاطرة، وأنّ الكرامة ليست شعارًا بل تعبًا يوميًّا. تعلّم من البحر أن الموجة التي لا تتكسّر على صخرة، تعود لتبني صخرةً جديدة. هكذا فهم السياسة، ليست مقعدًا يُشغَل، بل موقعًا يُحمى. وليست خطابةً تُقال، بل انحيازًا يُدفع ثمنه.
صيدا بالنسبة إليه لم تكن دائرةً انتخابية، بل دائرةَ معنى. كان يرى في أسواقها المتواضعة برلمانًا حيًّا، وفي وجوه عمّالها برنامجًا حكوميًا مؤجّلًا. لم يُخاطب الناس ككتلةٍ تُستثمر، بل كضميرٍ يُستنهَض. لذلك لم يقف بينهم زعيمًا فوقهم، بل واحدًا منهم، يُخطئ مثلهم، يغضب مثلهم، ويحلم مثلهم. وحين أصابته الرصاصة، لم تُصِب جسده وحده، أصابت العلاقة الحميمة بين المدينة والسياسة، بين الخبز والكرامة.
في زمنٍ كانت فيه الطائفية تتلمّس طريقها لتتحوّل إلى نظامٍ كامل، اختار معروف سعد أن يكون خللًا في المعادلة. لم يرضَ أن تُختزل المدينة في مذهب، ولا أن يُختزل الوطن في طائفة. كان يرى في صيدا بوّابةً إلى العروبة، لا جدارًا يحتمي به الخائفون. لذلك ظلّت صيدا عنده أوسع من حدودها، وأقرب إلى فلسطين من المسافة التي تفصل بين شاطئها وشاطئ حيفا.
أما فلسطين، فلم تكن عنده قضيةً خارجية. لم يتعامل معها كملفٍّ يُناقَش، بل كجرحٍ يُلمَس. كان يدرك أنّ المدينة التي تطلّ على بحرٍ واحد لا تستطيع أن تُدير ظهرها لمدينةٍ أخرى يبتلعها البحر نفسه. فلسطين كانت الامتحان الأخلاقي لصيدا، وكانت صيدا الامتحان العملي لفلسطين. من هنا جاء انحيازه المبكر والواضح للمقاومة الفلسطينية، لا بدافع الرومانسية الثورية، بل بدافع الاتساق الداخلي: مَن لا يدافع عن صيّاده في الميناء، لن يدافع عن فدائيٍّ في المخيم.
جديد معروف سعد، بعد واحدٍ وخمسين عامًا، ليس في سيرته التي نعرفها، بل في طريقته في إعادة تعريف السياسة. لقد اقترح، من حيث لم يُصرّح، نموذجًا ثالثًا بين زعامةٍ وراثيةٍ جامدة وثوريةٍ خطابيةٍ عابرة. نموذجًا يقوم على التموضع الأخلاقي، قبل التموضع التنظيمي. أن تختار مكانك بناءً على ما تراه عدلًا، لا بناءً على ما يضمن لك مقعدًا. في هذا المعنى، كان استشهاده لحظةَ اكتمالٍ لا لحظةَ انكسار، لأنّه نقل الصراع من مستوى الأشخاص إلى مستوى القيم.
اليوم، حين تبدو السياسة اللبنانية مسرحًا لتبادل الأدوار لا لتبادل المسؤوليات، يعود معروف سعد كمرآةٍ مُقلِقة. يذكّرنا بأنّ المدينة التي تفقد صلتها بفقرائها، تفقد حقّها في ادّعاء الوطنية. وبأنّ فلسطين ليست شعارًا يُرفَع في موسمٍ معيّن، بل معيارًا يُقاس به صدق الانتماء. وبأنّ الطائفية، مهما تنكّرت بأسماء جديدة، تظلّ نقيضًا لفكرة المدينة المفتوحة التي حلم بها.
صيدا التي أحبّها لم تكن مثالية. كانت مدينةً متعبة، تعاني التهميش والإهمال. لكنه لم يرَ في تعبها عيبًا، بل طاقةً كامنة. كان يعتقد أنّ المدن التي تُهمَّش طويلًا، تتعلّم كيف تُقاوم طويلًا. لذلك لم يطلب لها امتيازًا، بل عدالة. ولم يطلب لها حمايةً خاصة، بل دولةً عادلة. وهذا ما يجعل ذكراه اليوم أكثر إلحاحًا، لأنّ السؤال الذي استشهد من أجله لا يزال معلّقًا ، كيف تكون الدولة بيتًا للفقراء لا شركةً للأقوياء؟
بعد واحدٍ وخمسين عامًا، لم يعد معروف سعد حدثًا تاريخيًا، بل احتمالًا مفتوحًا. احتمال أن تستعيد صيدا دورها كمدينةٍ تعبر الطوائف ولا تُختزَل بها. احتمال أن تعود السياسة فعلَ تضامنٍ لا فعلَ استتباع. احتمال أن تُقرأ فلسطين من شرفة البيت لا من نشرات الأخبار.
إنّ أجمل وفاءٍ لذكراه ليس في تكرار اسمه، بل في تكرار خياره. أن نقف حيث وقف، بين الناس، لا فوقهم. مع المدينة، لا عليها. مع فلسطين، لا باسمها. عندها فقط، لن تكون الذكرى طقسًا سنويًا، بل استمرارًا حيًّا لرجلٍ اختار أن يموت واقفًا، كي تبقى مدينته واقفة.
أخبار ذات صلة
زمن الشقاوة الجميلة" … ذكريات صحافية من جنوب لبنان - بقلم الصحافي أحمد الغربي
2026-10-30 03:19 م 189
حين تتصدّر الكفاءة… تزهو صيدا وتسمو رسالة التربية
2026-10-21 06:39 م 239
لماذا يحتاج لبنان إلى دار فتوى قوية؟ المرجعية الدينية والمسؤولية الوطنية
2026-10-20 02:58 م 205
أثر الأزمات الاقتصادية في الإيمان بالله
2026-10-14 10:34 ص 260
مصدر قضائي بارز لـ"الشرق الأوسط": الاعترافات الأولية للموقوفين تفيد بأن (ساجد) سلّم الشحنة
2026-10-12 10:46 ص 259
7 اكتوبر في الميزان.. (بقلم المحامي محي الدين ماهر حمود)
2026-10-08 10:23 م 327
إعلانات
إعلانات متنوعة
صيدا نت على الفايسبوك
الوكالة الوطنية للاعلام
انقر على الزر أدناه لزيارة موقع وكالة الأنباء الوطنية:
زيارة الموقع الإلكترونيتابعنا
الشيخ الدكتور مدرار حبال… حضور ديني واجتماعي في خدمة الجنوب
2026-11-03 05:24 ص
الكوارث والحروب لا تستأذن أحداً… يا أهل صيدا، استعدّوا قبل فوات الأوان!
2026-11-01 06:03 ص
أفلسوا في مواجهة الإنجازات التربوية... ففتحوا ملف الأغصان اليابسة!
2026-10-30 05:28 ص
برسم مجلس بلدية صيدا: حقوق ذوي الإعاقة تحتاج إلى تنفيذ لا إلى اجتماعات فقط!
2026-10-28 11:20 ص
السعودي يهنّئ المديرة سهى علي الحسن: نجاحكِ فخر لصيدا وثانوية البزري
2026-10-23 02:01 م
فضل شاكر يعود من بوابة الرياض... انتصر الفن وخسر الشامتون!

