أثر الأزمات الاقتصادية في الإيمان بالله
التصنيف: أقلام
2026-10-14 10:34 ص 71
كل مقال يعبّر عن رأي كاتبه، ولا يمثّل بأي شكل من الأشكال سياسة الموقع.
الشيخ الدكتور أحمد محي الدين نصار
ليس أخطر ما تفعله الأزمات الاقتصادية بالإنسان أنها تستنزف ماله وتضيّق معيشته، بل إنها قد تتسلل إلى أعماق نفسه، فتزعزع شعوره بالأمان، وتضع يقينه الديني أمام أسئلة لم تخطر له في أيام الرخاء. فحين يعجز الأب عن تأمين احتياجات أسرته، ويكتشف العامل أن أجره لم يعد يكفي قوت يومه، ويرى الشباب آفاق المستقبل تضيق أمامهم، تتجاوز الأزمة حدود المعاناة المعيشية، لتغدو امتحانًا نفسيًّا ووجوديًّا تتداخل فيه أسئلة الرزق والقدر والعدل الإلهي.
وقد زاد التشابك الاقتصادي العالمي من وطأة هذه المعاناة؛ إذ باتت أرزاق الناس تتأثر بالصراعات الجيوسياسية واضطرابات أسواق الطاقة والغذاء وتقلبات العملات والسياسات النقدية. وقد يدفع الإنسان البسيط ثمن حرب لم يشارك فيها، أو أزمة مالية لم يكن طرفًا في صناعتها، حين ترتفع الأسعار وتتآكل الأجور وتتبدد المدخرات. وهكذا تنتقل تداعيات القرارات الاقتصادية والسياسية من مراكز النفوذ إلى تفاصيل الحياة اليومية، فلا تستقر آثارها في الأسواق وحدها، بل تمتد إلى النفوس بما تختزنه من مخاوف وتساؤلات.
وتتعمق الأزمة حين تقترن الضائقة المعيشية بثقافة استهلاكية تقيس قيمة الإنسان بما يملك، وتربط نجاحه بقدرته على الإنفاق. فالفقر عندئذ لا يعود حرمانًا ماديًّا فحسب، بل قد يتحول إلى شعور بالعجز وفقدان المكانة الاجتماعية. ومع استمرار الضغوط وانسداد الآفاق، قد ينتقل القلق من الخوف على المستقبل إلى التساؤل عن معنى المعاناة نفسها، وعن الحكمة من تفاوت الأرزاق والمصائر.
وهنا تتجلى الإشكالية العقدية: كيف يفهم المؤمن ضيق رزقه وهو يقرأ قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾؟ وكيف يستوعب ما يشاهده من تفاوت بين الناس، وهو يؤمن بعدل الله وحكمته؟ إنها تساؤلات قد تنشأ من شدة المعاناة، ولا تعني بذاتها ضعف الإيمان أو إنكار وجود الله، لكنها قد تتحول إلى اضطراب في اليقين حين يقوم التصور الديني على أن صلاح الإنسان يستلزم سعة رزقه، وأن ضيق المعيشة دليل على غياب العناية الإلهية.
غير أن القرآن ينقض هذا التصور، إذ يقرر أن الابتلاء من سنن الحياة، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾. فالغنى ليس دليلًا لازمًا على رضا الله، ولا الفقر علامة على سخطه، والإيمان بأن الله هو الرزاق لا يعني ضمان الرخاء لكل مؤمن. كما أن الابتلاء لا يبرر الظلم، ولا يعفي البشر من مسؤوليتهم عن الفساد وسوء توزيع الموارد؛ فالخلط بين حكمة الخالق وأفعال المخلوقين قد يحمّل الاعتقاد الديني تبعات ممارسات بشرية جائرة.
ولم تغفل السنة النبوية ما قد ينشأ عن الفقر من فتنة تمس إيمان الإنسان؛ فقد كان النبي ﷺ يستعيذ بالله قائلًا: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكُفْرِ وَالْفَقْرِ، وَعَذَابِ الْقَبْرِ». وقد تنبّه بعض شراح الحديث إلى مناسبة الجمع بين الكفر والفقر، لما قد تفضي إليه شدة الحاجة من اضطراب في الاعتقاد أو تسخط على الأقدار. غير أن ذلك لا يجعل الفقر طريقًا حتميًّا إلى الكفر، وإنما يكشف عن خطورة الضغوط المعيشية حين تستحكم بالإنسان، وعن أهمية صيانة يقينه من الفتن.
والأدق علميًّا أن العلاقة بين الأزمات الاقتصادية والإيمان ليست علاقة سببية حتمية؛ فالمحنة التي تدفع إنسانًا إلى مزيد من الالتجاء إلى الله قد تثير لدى آخر تساؤلات مؤلمة عن الحكمة والعدل الإلهي. وتشير بعض الدراسات الاجتماعية إلى أن انعدام الأمان الاقتصادي قد يقترن بتعاظم التدين لا بانحساره بالضرورة. وهذا يكشف أن أثر الضغوط المعيشية في الاعتقاد يتشكل عبر تفاعل معقد بين التجربة الشخصية والتكوين النفسي والفهم الديني والبيئة الاجتماعية.
ولعل أخطر ما يواجه اليقين في زمن الأزمات ليس ضيق الرزق وحده، بل أن يفقد الإنسان القدرة على التمييز بين حكمة الخالق وأفعال المخلوقين، أو أن يتلقى خطابًا دينيًّا يصور الصبر استسلامًا، والتوكل تخليًا عن الأسباب، والقدر تبريرًا للظلم. فمثل هذا الخطاب قد يزيد حيرته بدل أن يبددها، ويجعل معاناته الاقتصادية مدخلًا إلى أزمة في فهم الدين نفسه.
إن الأزمات الاقتصادية قد تضيق على الإنسان سبل العيش، لكنها لا تقتضي أن تضيق عليه آفاق الإيمان؛ فاليقين الراسخ لا يقوم على دوام الرخاء، وإنما على فهم صحيح للرزق والابتلاء والعدل الإلهي. وحين تعصف المحن بالإنسان، فإن حاجته لا تقتصر على ما يسد جوعه، بل تمتد إلى ما يحفظ كرامته ويعينه على فهم معاناته، حتى لا يتحول ضيق العيش إلى ضيق في تصور رحمة الله وحكمته.
أخبار ذات صلة
مصدر قضائي بارز لـ"الشرق الأوسط": الاعترافات الأولية للموقوفين تفيد بأن (ساجد) سلّم الشحنة
2026-10-12 10:46 ص 119
7 اكتوبر في الميزان.. (بقلم المحامي محي الدين ماهر حمود)
2026-10-08 10:23 م 210
المجهول أشعل الحريق… فمن المسؤول عن تكراره
2026-10-08 11:24 ص 211
برسم مجلس بلدية حجازي و عكرة و دندشلي...
2026-09-27 03:04 م 685
نتنياهو يخاطب العالم... والعالم يختار باب الخروج!..
2026-09-25 08:58 م 264
حين يصبح الطقس بوابة للاقتحام... "الأقصى أمام مشروع تغيير الهوية "
2026-09-21 08:39 ص 284
إعلانات
إعلانات متنوعة
صيدا نت على الفايسبوك
الوكالة الوطنية للاعلام
انقر على الزر أدناه لزيارة موقع وكالة الأنباء الوطنية:
زيارة الموقع الإلكترونيتابعنا
"نبض البلد" بين وعود الأمس وفشل اليوم...
2026-10-14 02:35 م
حسن غملوش: «بايلاند» نقلة نوعية في السياحة والمطاعم... وصيدا تستحق الأفضل
2026-10-11 09:35 م
تطوير الخطباء… ولكن من يحاسب من لا يلتزم بقرارات دار الفتوى؟
2026-10-08 07:34 م
المصيبة جمعت سعد والبزري... من جبل النفايات ما هي الرسالة؟
2026-10-08 05:59 ص
صيدا إلى متى؟ بيانات وسجالات والمدينة تدفع الثمن
2026-10-07 09:56 ص
الخصومة السياسية في صيدا... وتربية تجمع الخصوم: فمن يضحك على من؟
2026-10-04 09:52 م
نور العين لا يُقدّر بثمن... مبادرة عامر معطي من أجل أهل صيدا

