×

رحل... فجر النهار

التصنيف: سياسة

2012-06-08  11:43 ص  1527

 

قبل سبع سنوات كتبها بخط يده "جبران لم يمت... و"النهار" مستمرة". فماذا تراها تكتب "النهار" في لحظة رحيله؟ وكيف تراها تتجرأ على نعيه وهو قاهر الفناء وأسطورة الايمان أمام المصائب والشدائد؟
أسلم نزيل الغرفة 929 في مستشفى الجامعة الاميركية الروح بعد 38 يوماً من جولته الأخيرة في نزاع مضنٍ مع قدره، ولا نقول أمراضه.
عملاق الصحافة اللبنانية والعربية وعميد "النهار" ومعلّم أجيالها المتعاقبة منذ تولى مبكراً مسؤولياته فيها وباني مجدها وصانع ألق الكلمة والفكر. النائب والوزير والسفير والديبلوماسي وصانع الرؤساء والعهود والسياسات في زمن مجد لبنان ومجد الرجال، كما في زمن الاحداث الكبيرة وزمن الكبار الكبار.
الصارخ "اتركوا شعبي يعيش" أمام مجلس الامن، ومطلق حقيقة "حرب الآخرين على أرض لبنان"، غسان تويني رحل بعد ثلاث سنوات من اشتداد جلجلة أقعدته حتى عن قلمه الساحر وافتتاحيات صباحات الاثنين، ذاك القلم الذي كان الاقرب التصاقاً بصاحبه الكبير والأحب اليه بعد احبائه. المؤمن الاسطوري الذي ذاق من تجارب قدره ما يفوق قدرة البشر على الاحتمال... من موت طفلته نايلة الى مرض زوجته ناديا وموتها، الى مقتل ابنه الثاني مكرم في حادث سير مفجع، الى ذروة الذروة في استشهاد ابنه البكر جبران في اغتيال وحشي... هذا المؤمن لم تفارقه شجاعة مذهلة حتى مع انقضاض هذا القدر على جسده المتعب فسرق منه القدرة على النطق وحرمه الكتابة في سنواته الثلاث الاخيرة وهو المالىء لبنان ودنيا العرب بموسوعيته المعرفية والصحافية في "النهار" والدراسات والمؤلفات والكتب.
86 عاماً من ملحمة انسانية مذهلة هي مزيج من كيمياء المجد الذي صنعه غسان تويني، أحد آخر الكبار والعمالقة في زمن التصق باسمه وطبعه بتوقيعه في الصحافة والفكر والديبلوماسية والسياسة ذات المعايير الاستثنائية، مقترنة بتجربة انسانية وشخصية لا يقوى على مواجهتها الا غسان تويني وحده.
معلم "النهار" والصحافة لا تقوى "النهار" على نعيه، بل تعاهد روحه وكل الارث الذي تركه للأجيال اللبنانية والعربية وما يمثل من امانة في عنق "النهار" على ان تبقى وفية لكل القيم والمعايير المهنية والوطنية والانسانية التي تختزنها سيرة كبيرها الراحل كما لكل حرف كتبه وكلمة قالها. وستبقى "النهار" مستمرة مستمدة من كبيرها الايمان في الاستمرار والشجاعة في الدفاع عن كل ما تركه لها مع الشهداء الذين ستقر عيونهم لانضمامه اليهم كبير الشهداء.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 جدي غسان سلّم على جبران
بقلم نايلة تويني

جدي، هل تذكر عند استشهاد والدي وكنا بعد في باريس، انك قلت لي: "لا أطلب منك ان تكوني رجلاً، بل على مستوى ما ينتظره منك والدك". اليوم صارت المسؤولية أكثر والانتظارات أكبر. هكذا قبل صياح الديك رحلت، وفي وجداني ما تنتظره مني، فحملت وجعي وتوجهت إلى "النهار"، لأكتبك خبراً وداعياً.
جدي، لن أرثيك اليوم، ولن أبكيك. لا عبارات لديّ تفيك بعض حقك. أمامك وأنت سيد القلم، تسقط الحروف، وتعجز الكلمات عن التعبير، في الحضور او في حضرة الغياب.
جدي، كبير العائلة، ومن بقي لنا بعد جبران، أين تذهب اليوم؟ ولماذا تتركنا وحيدات، أخواتي وأنا؟ أتذهب للقيا جدتي ناديا، أم عمتي نايلة، أم عمي مكرم، أم أخر ابنائك جبران؟
أتذهب إليهم، فتجتمع العائلة هناك في أحضان القديسين؟ هل تتطلعون إلينا من فوق؟ هل اشتقت إليهم واشتاقوا إليك، ولم تحسبوا جميعاً حساباً لشوقنا إليكم نحن المتروكين هنا؟
جدي، التحية والحب لك، اليوم وفي كل نهار، وكلما صاح الديك والفقد لقلمك، لفكرك، لعقلك، ولأدبك، لقلبك الكبير، الذي انشطر مراراً. 
تحية حب ووفاء لك من العائلة، من "النهار" عائلتك وعائلتنا، من الديبلوماسية التي كنت مثالها، من بلد الأرز الذي حملت لواءه، وبلد ثورة الأرز، وبلد الشهداء، وبلد القديسين. 
جدي غسان، هل تعي ما تفعل بنا اليوم، تترك شادية وحيدة،  اما انا واخواتي فتجعلنا يتيمات فعلاً، فلا أب لنا، ولا جد، ولا عم، ولا عمة...
جدي، الذي ترقد اليوم مرتاحاً غير مطمئن، لن أحمّلك شيئاً، ولا مسؤولية أمر، فما احتملته في حياتك لا يصمد حياله أحد، حتى الصخر تفتت، في حين كنت أنت الصخرة الجبل. 
جدي، أحمّلك شوقي إليك، والى كل العائلة، قل لجبران، عندما تلتقيان، اننا نفتقده، وإننا اشتقنا إليه، سأزوركما معاً، انا وجبراني الصغير، في مار متر، في كل حين، سأصلي لكما، وصليا معي من اجل لبنان حتى تطلع عليه "النهار" كل صباح، ويعيش ملء القيامة. 
تأكد دوماً اننا سنكون معاً وسنبقى معاً موحدين، اخواتي وأنا وشاديا وخالي مروان وكل الأسرة.
جدي غسان، سلم على جبران. 
 
nayla.tueni@annahar.com.lb - twitter:@naylatueni
 
  ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
آخر العمالقة
الياس الديري
إذاً، اتخذت قرارك بالترجُّل والرحيل، مخلِّفاً لنا ولأجيال تأتي بعدنا كل هذا الإرث الراقي من النبل والكبرياء والشجاعة والبسالة، ومن غير أن تتيح لنا حتى لحظة للوداع.
سكبت الحبر كله فوق الأوراق كلها، وادخلت الكلمات الى أدراجك الناحبة الملتاعة، ومضيت.
كأنك أردتنا أن نكتفي منك بما عمّدتنا به من مناقبياتك، ومبادئك، وقيمك، ومتابعة المسيرة المرهقة على تلك الدروب العاقة.
لتقول لنا إنك لم تكن بطل الحرية والحقيقة وحدهما، بل المواجهة والمثابرة حتى خلف القضبان، وفي لحظات الامتحان الصعب، وحتى في وداع من نحبُّ.
لكنك نسيت، عمداً وقصداً ربما، أن تعلِّمنا كيف نودِّع استاذنا ومعلمنا وقدوتنا، وكيف نواجه عالماً مصحّراً خاوياً من آخر العمالقة، وآخر الكبار، وآخر الأكابر.
أيها الشامخ، المنتصب القامة والهامة، أيها الجزيل الاحترام في كل أيامك ومواقفك، وحالاتك وحالات الزمان عليك، كيف لنا أن نقتنع ونصدِّق أن مالئ الدنيا وشاغلها، مالئ "النهار" وعاشقها، مالئ السياسة ومرجعها، قد غادرنا في لحظة فاصلة بين عصرين، بين زمنين، مشرّعاً الأبواب والنوافذ والأدراج والجروح والأحزان المقيمة فوق مكتبك، في جوار صور أحّباء أبيت أن تبوح بلوعتك لفراقهم.
أبقيتهم مع الحشرجة، مع الحرقة، مع الغصَّة، في قلب أرقّ من النسمة، إلا أنه لا يبوح ولا يبيح.
أبقيتهم في عينيك، في تلك النظرات التي تكاد تزأر من تلقائها، وتهدم الهياكل كلها.
أبقيتهم في صوتك. في كلماتك. وفي صمتك أيضاً. 
أستاذنا غسان، شئت أن تزرع فراقك في قلوبنا كجرح من المحبَّة والريحان والنسائم لتبقى في قلوبنا كما أنت دوماً فيها، وفي عقولنا، وفي أقلامنا، وفي كلماتنا، وفي "نهارنا".
أأقول لك في هذه اللحظة، التي لا قدرة لي على الاقتراب منها، شاء المسافر أن ينسى حقيبته، وفي الحقيبة جرح دائم السفر؟ أم أستعير من الأخطل الصغير نفحة مما قاله في وداع سعد زغلول: ... قلت ويحكم، أذاً مات غسان وانطوى العلم؟
لا شيء، لا أحد، لا فارس، لا رجل، يوازيك في هذه المسيرة الطويلة، بل هذه الجلجلة التي سرتها بجدارة وإباء وعناد وشجاعة، وعلى امتداد زمن بل عصر كنت أنت رمزه، وكنت أنت عنوانه.
كنت دائماً أرتوي رغبة في الكتابة عن معلّمي واستاذي، الذي شجَّعني ورعاني في أمبراطوريته التي كانت تقيم تحت قرميدة متواضعة في سوق الطويلة، وكنت أنا لا أزال ذلك الصبي الأزعر.
إلا أنني ههنا، أمامك وأنت تحزم حقائبك وتمضي. فمن أين لي في هذا الرحيل ما يؤهِّلني لأكتب ما يليق بك، وما تستحق، وما ينصفك، وما يجدر بنا أن نرفعه كبيرق تزينه ملامحك وكلماتك، ويكون في حجم هذا اللبنان الذي أحببته بلا حدود، ووهبته أحبَّ الاحباء.
إن أيّ كلام عن هذا الكبير، عن هذه القامة، عن هذا الجبل الذي هيهات أن تجود بمثله الأيام، إنما يحتاج الى صفحات وأيام وأقلام وذاكرات وحكايات... هيهات أن تتسع جميعها لقصة هذا الغسَّاني الذي غدا ينبوعاً موازياً للحرية والاستقامة والحياة.
أستاذنا غسان،
ترجَّلت بلياقة الفرسان، إنما لن تبارح قلعتك في قلوبنا. سنظل نحجُّ الى حكمتك كلّما دهت لبنان دهياء.
elias.dairy@annahar.com.lb
  ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رحل المستقل الأول والديموقراطي الأخير
سركيس نعوم
غسان تويني كان لي في اثناء دراستي الجامعية مثالاً. فهو الذي صنع مجد "النهار" يوم كان لبنان في عزّه. وطبعاً هو الذي صان هذا المجد عندما بدأ الوطن انحداره المستمر حتى الآن، رغم الآثار السلبية التي تركها الانحدار المذكور عليها. وهو الذي كان قدوة للشباب وللطلاب بل حتى للشيوخ وللذين دخلوا مرحلة الرجولة. أولاً بسبب محاولته، من موقع الوزارة وقبل ذلك من موقع النيابة، وإن غير الناجحة لأسباب يُسأل عنها النظام اللبناني لا هو، لتعميم نمط جديد من تعامل "الحكام" مع الشعب الذي صار في أثناء الحرب "شعوباً". ولا تزال. تعاملٌ يقوم على الحوار، وعلى الحرية، وعلى الديموقراطية، وعلى تداول السلطة، وعلى احترام حقوق الانسان وفي مقدمها حريات المعتقد والتعبير... والتغيير بواسطة الانتخابات الحرة، وليس بواسطة اجهزة الاستخبارات محلية كانت أو عربية، اقليمية أو دولية.
عندما عملت بعد تخرجي من الجامعة اللبنانية "مديراً او ادارياً" في دار الصياد كان عقلي مع غسان تويني وكان قلبي مع "النهار" رغم احترامي لتنافسهما. كان طموحي الانتقال الى الصحافة الفعلية صحافة الارض والاخبار التي كانت تجسّدها في حينه "النهار" والتي يسعى القيمون عليها اليوم، مثلما سعى الشهيد جبران تويني، الى ابقائها كذلك رغم الصعوبات والمعوقات المعروفة. تحقق الطموح المذكور وبأوراق اعتماد مهنية لا بوساطة سياسية او حزبية. وكان ذلك عام 1974. في السنوات العشر الأولى، وكانت كلها سنوات حرب، لمست متابعته اليومية لكل العاملين في "جريدته"، ورأيت حرصه على تشجيع اصحاب المبادرات منهم، والصحافي تشكل المبادرة نصف نجاحه، بغض النظر عن الأقدميات. المقياس كان العمل ليلاً ونهاراً، وكان "الانفراد" بالأخبار، وكان الدقّة وكان الابتعاد عن الارتهان وعن الدعاية، وكان الحرص على الشمول في التغطية. وكان وهذا أهم شيء الحريص من خلال "النهار" على أقانيم ثلاثة: حرية وديموقراطية وعلمانية. طبعاً قد تكون الحروب وما يلازمها، دفعت غسان تويني الى واقعية ما او الى حدة ما في مواقف معينة. لكن واقعيته لم تجعله يتخلى عن الأقانيم المذكورة، لا بل اضافت اليها اقنوماً رابعاً هو سيادة لبنان واستقلاله وأما الجدّة فكانت دفاعاً عن الأقانيم مجتمعة. طبعاً برز غسان تويني مفكراً ومثقفاً. وبرز سياسياً. لكن بروزه الأهم وهو مزدوج كان في الصحافة التي كانت في دمه والتي كرّس نفسه لها وللمحافظة على استقلاليتها. وقد تكون علاقته بي بعد السنوات العشر الأولى دليل بارز وثابت على تعلقه باستقلالية الصحافة والصحافي. اذ ساءت تلك العلاقة ثم تردّت. فحكمها أمران: ملكية الجريدة وسياستها عند غسان تويني، والتمسك البلا حدود بالاستقلالية عند صحافي صار له في المهنة 10 سنوات. تغلَّب الديموقراطي المتعلق بالاستقلال والحرية في عقل غسان تويني وقلبه، وازداد تعلق الصحافي الناشئ بجريدته ومُثلِها وصاحِبها. طبعاً لم يلغ ذلك غصة عند غسان تمثلت في مزاوجته بين موقفين، ثقة في الصحافي الناشئ ترجمها استمراراً في فتح منبرها له بل في اعتباره من الجيدين فيها. وعقاب له غير مهني. والعقاب مستمر حتى اليوم رغم العلاقة الطيبة التي عادت ومن زمان بين رئيس ومرؤوس في جريدة يومية. لكنه لم يدفعني يوماً الى التفكير في "التغيير" لأن "نهار" غسان تويني التي جعلها "نهاراً" لنا، أي للعاملين فيها، صارت بيتي وجزءاً من عائلتي واهلي.
غسان تويني اقول لك اليوم، وانت في طريقك الى جنة الخلد، انني افتخر بكوني تلميذاً في مدرستك الاعلامية، ومدرستك الوطنية القائمة على السيادة والاستقلال والحرية والديموقراطية والعلمانية أو اللاطائفية كما صارت تسمى اليوم والانتماء الى العروبة.
sarkis.naoum@annahar.com.lb
  ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 
في قاعة التحرير تلتمع عيناه
روزانا بومنصف
اذا كان لا مرد للموت يطاول كباراً مثل غسان تويني فالعزاء كل العزاء للبنان وكل لبناني عرف غسان تويني انه عايشه او عرفه او احبه او قرأ له. العزاء لأجيال اتيح لها ان تعرف قامة سياسية  وطنية كغسان تويني وقيمة فكرية كغسان تويني وثروة ديبلوماسية وصحافية  كغسان تويني  ومقاوماً حتى اللحظات الاخيرة من حياته كغسان تويني في زمن عز فيه رجال الدولة والفكر والسياسة. ان تكون عرفت الاستاذ غسان او كنت من مدرسته المهنية والديبلوماسية فهو طموح راود كل انسان رغب في النجاح في لبنان وكان طموحه ان يكون من تلامذته وكثر كانوا من المحظوظين لانه كان يؤمن بقدرات الأفراد أياً كان موقعهم او طائفتهم،  فتلمع عيونه لفكرة براقة يقولها شاب وسرعان ما يتبناه ويدعوه الى ان يكون من اسرة "النهار". حبه المبكر لناديا تويني الكاتبة والشاعرة جعله حساساً امام تفوق المرأة وقدرتها على ان تكون على سوية الرجل في الذكاء والعطاء، فكان سباقاً في الافساح في المجال امام المرأة الصحافية لأن تأخذ مكانها بسرعة من خلال "النهار" وعبرها وفيها، اذ كان معجباً بألمعيتها ومحفزاً لإعطائها أدواراً طليعية مفتخراً بها امام زوار "النهار" كي تكون وجهها، تماماً الى جانب تمثيلها وجه لبنان الحضاري والمثقف والتعددي والمنفتح. فالديموقراطية والحرية والمساواة لم تكن أبداً مبادىء غامضة او شعارات طنانة لدى الاستاذ غسان، بل كانت فعلاً ايمانياً يمارسه كما يمارس يومياته من دون ان يمنعه ذلك ان يكون متطلباً في المهنة الى حد لا يقبل اي مساومة في الموضوعية او في الدقة والاحتراف. فحين كان يطل على قاعة التحرير وهو كان يفعل يومياً حين عاد للاهتمام بـ "النهار" بعد اغتيال جبران، كان اول ما يبادرنا بالسؤال عما هناك من اخبار اليوم؟ فاذا كانت الاجابة ان لا اخبار اليوم والمقصود ان لا اخبار مميزة او بارزة فان حكم الاستاذ كان ليكون قاسيا لجهة ان محدثه ليس صحافياً وهو لو كان كذلك لما اجاب اجابة من هذا النوع لأن الخبر موجود دائماً في اي أمر. 
كان هذا النوع من المسائل يقلقه ويزعجه كونه دليلا على تراجع الصحافة وكذلك الامر في حال رد صحافي على سؤال ما انه لم يقرأ بعد هذا الخبر او هذه المقالة لكي يناقشها. فعدم قراءة الصحف او متابعة الاخبار أمر لم يكن يتهاون الاستاذ غسان في شأنه ايضاً ايا كانت الذرائع، وكذلك الامر بالنسبة الى اخفاء معلومات او الاضطرار الى عدم نشرها كون الصحافي الذي ينام على خبر ليس صحافياً. لكنه اضطر الى التعديل في موقفه الاخير بعد الاغتيالات التي طاولت "النهار" خصوصاً مع اغتيال سمير قصير وجبران تويني، اذ ادرك بألم ان هناك محاولات قسرية لاسكات الكلمة وخصوصا كلمة "النهار" وما تمثله من حرية وديموقراطية وما تمثله في الدفاع عن سيادة لبنان واستقلاله بحيث لم يعد يضغط لأن تكتب "النهار" كل ما تعرف بعدما تغير الزمن بحيث لم تعد تحترم الكلمة كما في عز ادارته لـ "النهار ". ومع اقراره بأن "النهار" عرفت ضغوطات مؤذية لاسكاتها سابقاً قبل الحرب وخلالها، آلمه في العمق اغتيال سمير ثم جبران ولو كابر وعضّ على الجراح، فبدا أكثر تساهلاً وأبوياً حريصاً على صحافييه من دون التهاون في مهنيتهم وموضوعيتهم، علما ان صدور "النهار" في الاعوام الاخيرة وبعد اغتيال جبران  خصوصاً بات في حد ذاته فعل ايمان مقترنا بسيادة لبنان ودفاعاً عنها وليس اقل من ذلك تماماً كما اقترن اسمها دائماً بحرية لبنان وتعدديته وحرية كلمته وديموقراطيته.
لم يزر اجنبي متنور لبنان من دون ان يبدأ زيارته بالتعريج على الاستاذ غسان في مكتبه في "النهار" لينهل منه ليس رؤيته لواقع لبنان السياسي حاضراً بل لاحاطة ماضيه وحاضره ومستقبله وكل محيطه العربي والاقليمي وصولا الى الرؤية الدولية التي كان نادرون في لبنان وعلى رأسهم غسان تويني قادرين على تقديمها. فهو بذلك كان المرجعية الديبلوماسية ووزيراً للخارجية بالاصالة والنيابة عن وزارة وعن سياسة خارجية لم تعد قائمة منذ اعوام طويلة. وهو كان المرجعية السياسية الحكيمة التي تحاول ان تنقل الى اجيال الحرب وما بعدها ثمار تجربة الاستقلال وبناء البلد من اجل اختصار المعاناة من دون طائل. وهو المرجعية الصحافية الذي حدد للصحافة عنواناً اصيلاً ومبادىء وأصول للمهنة هي جريدة "النهار" التي بقيت الأحب الى قلبه من بين كل المهن التي عشقها وقام بها كمفكر وسياسي وديبلوماسي. 
العزاء لصحافيين وكتاب وسياسيين ان يكونوا عرفوا غسان تويني والعزاء الاكبر لمن عرفهم هو وقربهم منه وحادثهم وناقشهم وسألهم رأيه في مقالاته صباح كل يوم اثنين وما اذا كانوا يوافقونه الرأي ام لا او اكثر اذا ناقشهم في مقالاتهم او في افكار لكتابتها. قلة من الرجال  كغسان تويني من يستمع لرأي الاخرين او يكون مستعداً لمناقشة افكاره واكثر ما كان يسعد اذا دخل عليه احدهم من اجل ان يعترض على فكرة او ان يقترح اخرى.
اختصرت الاعوام الاخيرة  عصارة حياة غسان تويني فكان لنا شرف ان نستقي منها الكثير الذي يبقى لنا ذخراً لسنوات كثيرة مقبلة في "النهار" ويبقى حياً من خلالها. ظلمه القدر في حياته بمقدار ما أسبغ عليه نعمة وربما أكثر. لكنه لم يرحمه في الأعوام الأخيرة فحرمه الكلمة والتعبير اللذين كانا صنوان في حياته.

rosana.boumounsef@annahar.com.lb 
  ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المعلم الشمس وحده يرحل مرتين
نبيل بومنصف 
قبل عقد كامل من استشهاد ابنه البكر جبران، سأله محاوره السري في احاديث المجلد الذي غدا دستور الصحافيين "سر المهنة واسرار اخرى": كيف قدرت ان تتغلب على المحن؟ وما هو سرك؟
اجاب: "لا اعرف. ما اعرفه هو اني كنت مدركا ضرورة ان اتغلب من اجل الذين تغلبت في سبيلهم، حيثما كانوا وصاروا. واكون مكابرا اذا قلت انني لم اتمن، في لحظات ضعف لعلها منتهى القوة، لو اذهب معهم، وان الاجمل ان اكون حيث سيكونون. ربما العزاء هو شعوري ببقائهم وحاجتي الى ابقائهم بكل وسائل الابقاء. السؤال الذي نطرحه دوما: هل يكبر الاموات ام يتأبدون في السن التي ذهبوا فيها؟ مثلا اذا اردت ان احكي مع عزيز او حبيب غاب هل اجده مضافاً الى سنيه كذا سنة (ولو استعادها من عمري!) ام انه لا يزال هو اياه كما كان يوم لم يكن كائناً، وانا صرت الشيخ الذي يخاطبه من شيخوخته؟ ولماذا لا يكبر معي (...)".
قطعاً لم يخطر ببال السائل، ولا اي قارىء، ان المعلم أعد مع "الاسرار الاخرى" السر الاخير الذي اخذ نفسه اليه في السنوات الثلاث الاخيرة من حياته. سر لن يقوى احد على كشفه لانه بدأ مع صمت قلم سيد الاقلام و"رحيله الاول" الى عالم الغيب وظل متمادياً الى رحيله الثاني وانتقاله الناجز الى عالم من سبقوه من الاحبة. 
اعدنا المعلم، لكل شيء الا لهذه اللحظة. فكيف لنا نحن من حظينا بتفيؤ "شمس النهار" ان نجرؤ على رثاء؟ ثم ان الرثاء يكون للعاديين، فكيف يتعامل صحافي مع غياب المعلم الخالد قاهر كل العادي؟
هو على جاذبيته الآسرة وسخريته اللاذعة التي لم تفارقه لحظة حتى في عز المصائب الاسطورية التي ألمّت به، كان يثير فينا الرهبة حيا مشتعلا بالحياة. فكيف حين صار ايقونة تكاد تكون مقدسة لدينا، نحن التلامذة الذين نلهث منذ عقود لنظفر منه بعلامة، مجرد علامة، حسن سلوك في مسار "الصحافة الرسولية"؟
وما حاجتنا الى العودة الى كاتدرائيته الفكرية والصحافية ومقالاته وافتتاحياته التي كانت تملأ علينا صباحات الاثنين و"تقود " حياتنا كما حياة اللبنانيين الى كل ما يفوق معرفتنا الصغيرة الخجولة امام هول محيطه المعرفي؟ لنا جميعا في "النهار" في يومياتنا مع المعلم الشمس، دستور حياة لا يقف عند حدود "المدرسة " الدائمة بل يتجاوزها الى البعيد الأبعد.
معاناة مرعبة، لا اقل، كان المثول اليومي في حضرة الفاحص، عند صياغة الخبر وملاحقة الوقائع وكتابة التحقيق وجمع المعلومات وتدبيج المقال. كيف لك ان تقوى على الفحص وانت في حضرة اسطورة الكلمة والحضور، ذلك الذي يأسرك بصوته المغناطيسي الساحر قبل ان تقع فريسة ضعفك وجهلك امامه، مهما تراءى لك انك تبحر جيدا في سلم مواصفات استثنائية وأمام قامة بهذه السطوة والمهابة والسحر؟
أسوأ ما يصيبك ان تمثل امامه الان في هذا الاختبار الصارم القاسي مرغما على الكتابة عمن تعجز عن الكتابة عنه. كيف لنا ونحن لا نرى الصحافة و"النهار" الا عبر شمسها ان تحدق في غيابه ورحيله ونكتب عنه راحلاً وغائباً؟
لكنه علمنا ان الشمس حتى حين تغيب يصنع الصحافي من مغيبها الفجر الآتي. ألم يتحدث عن "الصحافي الشمسي" نسبة الى كتاباته ذات التعبير الشمسي الصارخ الذي لا يعكس الا الوضوح. هو القائل "كلما كتبت مقالة اشعر بانني ما كتبت الا نصف المقالة التي كنت اريد ان اكتبها. النصف الثاني هو "الليل". احس انه ليس للمقالة. يبقى لي انا، لذاتي المستترة. افترض ان ثمة بين القراء واحدا سيقرأ الشيء الاخر ويقول لي: انا فهمتك. وحين يقول لي ذلك افترض انه قرأ غير المكتوب ولو كان شرط "الليل" الا ينجلي (...)".
وفي ذلك الليل، ليل 24 ايار 2009، كان المقال الاخير. اي بداية الرحيل الاول. توقف قلمه مذذاك عن الكتابة، وجف الحبر، ولكن على الورق فقط. وان حيينا لن نحيى لنكنه سر السنوات الثلاث التي عاشها في عالم سره الاخير، كأنه في قرار اتخذه في غفلة منا جميعاً واستبق به الرحيل الاخير.
"في رأيي ان اول الصحافيين واعظمهم هم الانجيليون الاربعة. انهم اهم "مراسلين" او "ريبورتر" في التاريخ. لا يضاعيهم ربما الا افلاطون في حواراته، اذا صدقنا (ولكن كيف نصدق؟) انه يروي مناقشات سقراط مع اشخاص حقيقيين". 
يقول ذلك بنزعته الفلسفية التي يضفيها على المهنة "الرسولية"، ولكن ماذا عن القليل المعبر من يومياتنا في حضرته؟
أبسط القواعد واشدها بلاغة كانت في قوله الدائم "لا احمل كل يوم علبة نياشين (اوسمة) لاوزعها على كل من جاء بخبر او كتب تحقيقا مجلا او مقالا براقا. هذا عملكم". ويقول مقرعا كسلنا البيروقراطي بنبرته المتهكمة اللاذعة "اذا كنت تكتب سياسة ومررت قرب حريق أفلا تتولى التغطية؟ وهل الصحافة مراتب ودرجات ام هي كل الحياة؟". 
يأتي احدنا مزهوا بـ "سكوب" تصيده من مصدر مجهول ويطمح الى نيل اشادته او على الاقل ما يوازيها فيبدأ الاستجواب عن صدقية المصدر وهل حصل تقاطع مع كل صاحب علاقة في المعلومة (لم يكن يستعمل ابدا هذه اللفظة الطارئة بل يصر على الخبر). واذا لم تكن كل الاصول مستوفاة يصر على وجوب ان تنسب المعلومات الى مصدر واضح يكاد يكون معلوماً. كان يقول "هل كنت موجوداً بين المتحادثين لتزعم انك تكتب محضراً ؟ اذن كن صادقا مع القارىء وقدم الخبر منسوباً الى مصدره". كان التعقيد اللغوي في صياغة الخبر يغضبه فيتولى بنفسه اعادة الصياغة خصوصا في خبر "المانشيت". وبخطه الصغير المائل دوماً يملأ الورقة من فوق الى تحت بكم هائل من الجمل الاستدراكية حتى ليكاد النص الاصلي يضمحل تماماً امام روائعه التي تذكرك في كل لحظة انك محظوظ وانك ايضا أمام شيء استثنائي دوما عليك تحمل تبعته.
عشرون عاماً من زمنه فقط كنت من بين المحظوظين وسيستحيل علي كماً على جميع كبارنا وابناء جيلي والشباب الذين عشقوه الا نسقط في خوف عظيم من افول شمسه وغياب قامته ومعها اسطورة شجاعة مذهلة اختصرها ذاك الوجه الآسر بين حدي عظمة لم يجاره فيها الا عمالقة يفتقدهم لبنان والعالم ومآس لم يقو عليها الا من كان اسمه يصيبك برهبة التهيب.
nabil.boumounsef@annahar.com.lb
  ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قصتي مع "المعلم" غسان تويني
غسان حجار
كانت تانت روز قريبتي، وأنا بعد صغيراً، تناديني غسان تويني، فأصحح لها "تانت أنا اسمي غسان حجار". لم أكن أعرف، وأنا الطفل، من هو غسان تويني. لكن الاسم علق في ذهني. وعندما عرفت هوية الرجل، حلمت بالوصول اليه. التعرف اليه هي المرحلة الأولى، أما بلوغ "النهار" نهاره فكان حلماً لا يرقى اليه شك، لكنه كان المرحلة الثانية. وكانت تانت روز، جارة سامية الشامي في رأس بيروت، أصابتها عدوى غسان تويني من القراءة، وأيضاً من أثر الشامي مديرة مكتبه في كل محيطها.
مرة وأنا بعد طالباً، التقيت الأستاذ غسان، في حفل اجتماعي، فسارعت لالتقاط صورة لي معه. شعرت بأنني تقدمت خطوة باتجاه الهدف. صورة واحدة تجمعنا غسان تويني وأنا. كم كنت مسروراً.
بعد حين أرسلتني الجامعة متدرباً الى "النهار". انه القدر الذي يؤمن به غسان تويني، ولا أجد له تفسيراً في فكري. أنا في "النهار". نعم. سألتقي غسان تويني، وسأتعرّف الى جبران أيضاً.
اللقاء الأول كان عند مدخل المصعد، فتح الباب ودعاني الى الدخول. رجوته ان يتقدم الخطى. فقال "أبداً، تفضلوا. من تقصدون هنا؟". أجبته "أنا متدرب في التربية والمدنيات". ولما كنا قد بلغنا الطبقة الثانية حيث من المفترض ان أنزل الى مكان تدربي، سألني ان أقصد مكتبه حاملاً معي أفكاراً جديدة خلاقة. غمرتني الغبطة، وصرت أدوّن فكرة، بل أفكاراً، وأتراجع عنها، لأنها ستبدو "بايخة" أمام خبرة غسان تويني الطويلة.
ولما فاتحت الزملاء بالأمر سخروا مني. وقال أحدهم "هل صدّقت انك ستلتقيه أكثر من المصعد؟ لا وقت لديه لك. لقد أعطاك دفعاً معنوياً وكفى". وأردف "ثم عليك ان تكلم سامية الشامي للمرور الى الأستاذ، وما أدراك ما سامية الشامي لتعبر من عندها؟".
في اليوم التالي حضرت باكراً، حتى لا يتنبه أحد الى فشلي المحتمل مع سامية الشامي. اتصلت بها، وأسمعتها طلبي فأجابت على الفور "لديه موعد يعد ربع ساعة. إصعد فوراً" (الى الطبقة التاسعة).
وصلت الى "مكتب التحقيقات الفيديرالي" حيث أشبعتني سامية الشامي أسئلة عما أريد، وعن ولادتي، وهويتي، وأهلي وفصلي، وعائلتي، حتى وصلت الى عمتي وعائلتها، والتانت روز. "إذاً أنت من مشغرة؟ أَلَم يحدثك آل أبو عراج عني؟ ألا تعلم عمتك انك تتدرب في "النهار"؟ ولماذا لم يتصل بي أحد منهم؟".
تفاءلت بالخير، وسريعاً فتح الباب، وأدخلتني سامية الشامي الى حضرة المعلم. أخذ يحادثني كصديقين، ثم اقترح عليّ ان تنتدبني "النهار" في رحلة للمشاركة في إطلاق مشروع لـ"أغفند" وهو البرنامج الذي أسسه الأمير طلال بن عبد العزيز. وقال "انه امتحان لي، يحدد مستقبلي المهني".
وذهبت لأجد نفسي بين أصحاب صحف ورؤساء تحرير يصرون على المشاركة بأنفسهم سعياً الى مصالح متوقعة، أو خوفاً من ان "يفتح" الصحافي المنتدب "على حسابه". فكرت ملياً بالأمر، هل هو استخفاف بالمناسبة (لا بالشخص بالتأكيد لأنه شرح لي انه صديق حميم)؟ أم تصرّف الواثق بالنفس وبالغير، والذي يعطي الناس فرصاً ويفتح لهم الآفاق الواسعة؟ في الواقع اكتشفت لاحقاً انها الثقة، والامتلاء.
لاحقاً لم أعد التقيه كثيراً، بل كلما دعت الحاجة. كان يدعونا من وقت الى آخر يناقشنا في مقالته صباح كل اثنين. كان يصغي الى الآخرين ويتأثر بآرائهم . صحيح انه كان ممتلئاً معرفة وعلماً وحكمة، لكنه أيضاً كان ممتلئاً تواضعاً وانسانية وعواطف غالباً ما كان يختبىء وراءها.
عادت العلاقة وتوثقت معه بعد استشهاد جبران، صرنا أقرب اليه، شعرنا بمزيد الحاجة اليه، صرنا نناقش معه، نايلة وأنا، أموراً كثيرة، وخططاً ومشاريع. كان همه الأوحد ان تستمر "النهار" فلا يقوى المجرمون الذين قتلوا جبران ليسكتوا "النهار". هو من كتب المانشيت الشهيرة "جبران لم يمت و"النهار" مستمرة".
قبل مدة من تسلمي مهماتي في إدارة التحرير، قدمنا له مشاريع عدة، وكنا نشبعها بحثاً ومناقشة. وكم كان يستفزني عندما يقول لي بعد قراءته مشروعاً سهرت ليلتين أو ثلاث لإعداده "وما الجديد فيه؟ لقد فكرنا به في أعوام الستينات والسبعينات!". كنت أغتاظ، وكانت نايلة تحرضني على إجراء تعديلات فيه.
هكذا نمت علاقة حميمة، تعرفت من خلالها الى غسان تويني من قرب. يومها صدّقت قول لور غريب له دوماً "يا معلمي". تعلمت منه الكثير. ومن كلامه ومن صمته، من جديته ومن سخريته، من حرصه ومن كرمه...
عام 2009، توافقنا على كل الأمور الضرورية للقيام بإصلاح إداري في "النهار". تجرأت وقلت له "لي طلب صغير، وهو ألا تكسر لي قراراً اتخذه. وعندما أخطىء ترسل في طلبي وتخبرني بوجهة نظرك، وتترك لي مسار التراجع على طريقتي". ضحك وقال لي: "وهل تقول لي ألا أتدخل في شيء مثلاً؟"، ارتبكت وحاولت تصحيح الموقف بشرح مبهم عما أطلب.
نظر إليّ وقال: "إذهب واكتب قرار تعيينك مديراً للتحرير بالصلاحيات التي تريد وأنا أوقع. أمام نايلة وأمامك فرصة تختبران فيها الإدارة اليوم في حياتي، وعليكما الإفادة منها. ولكن عندما تبلغان في قراراتكما الكبار في العمر ممن عايشتهم سنين طويلة فأخبراني، بل استشيراني. فمع هؤلاء أنا أقرر".
تأكدت للمرة الثانية، بل العاشرة، بل المرة المئة، ان الرجل زاهد في المناصب والمراكز. شبع منها بل من الحياة بكل زهوها. تأكدت للمرة الألف كم يثق هذا الرجل بنفسه وبالآخرين وكم يعطي الفرص الحقيقية للمحيطين به.
أيها الأستاذ، يا معلمي، عهداً، لك، ولجبران، ان نبقي "النهار" نهاراً، مهما ازداد سواد الليل من حولنا، ومهما تضاعف عدد الحاسدين والحاقدين، والمتربصين بنا، ومهما تكاثرت التحديات. كثيرون ممن عرفتهم، ومنحتهم ثقة كبيرة، وقعوا في أول الطريق، أو سقطوا في مراحل منها، لكننا نعدك بأننا سنكمل المشوار، والمسيرة، "بدنا نكمّل بلّي بقيو"، وهم كثيرون من حولنا، ومعهم سنمضي الى "النهار مستمرة".

ghassan.hajjar@annahar.com.lb
Twitter:@ghassanhajjar 
  ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
غسان تويني حكيم لبنان الأخير
محمد أبي سمرا
 
من رحيق التراب والشمس والحرية صنع "النهار" ليكتب الجرح ويخفي جروحه
كيف لمَن عقد عهداً وميثاقاً مع الحرية والكرم – والكرم هو الحرية وفقاً للإمام الغزالي – وشرّع حياته كلها للأمل والرجاء، للقلق والحضور، لإقلاق الواقع بفيض حيويته وحضوره وأدواره وكلماته، أن يبلغه سأم العيش وقنوطه، وأن يعيش بعد وطنه وأولاده وزمنه وحياته المليئة بالصخب والأحلام التي لم يسأم من "نقش (ها) على حجارة الواقع مثل نحات لا تحضر له رؤيا إلا يريد تجسيدها فوراً" هنا والآن؟! على ما يشهد كثيرون من رفاق مسيرته في حقب مختلفة من تراجيديا حياته.

أحدهم يلخّص هذه التراجيديا متسائلا: أي قدر هذا الذي شاء "للحرّ الكريم"، واهب الآخرين نفسه ووقته وكل ما ملكت يده، أن يحيا بعد أحلامه وبلده الذي أراد، وبعد أبنائه الثلاثة، حتى بعد نفسه؟! من دون أن يتسنى له – على ما اعترف في ختام "سر المهنة... وأسرار أخرى" – التفرغ لليل، كي يكتب النصف الآخر لألوف مقالات كتبها في "نهاره". فـ"الصحافة سرقت مني الشيء الآخر الذي كنت أحب أن أعمله لو أعطيتُ خمسين عاماً كتابة. أقعُدُ أحياناً في الليل وأحلم كم كنت قادراً على كتابة روايات، مثلا (…) ناهيك بطموحي الدائم الذي فات زمانه الى كتاب يجمع عصارة تأملات فكرية لا علاقة لها بالسياسة ولا بالوطن ولا بالصحافة، فقط بالانسان في الانسان".
لكن "الخفر" الذي قال إنه "مفروض" عليه "بالطبيعة"، هو الذي جعله يأنف من "التعرية الذاتية (…) على ثمانية أعمدة في كل صفحة يومياً". والخفر صنوه أو توأمه السري العطاء الحقيقي، في الخفاء، ومن دون منّة ولا حساب.

***
لا، ليس في توق غسان تويني القديم الى تأمل فكري، حنين الى الفتوة والشباب، فتوته وشبابه الفلسفيين قبل أن ينتزعه رحيل والده المفاجئ من جامعة هارفرد في الولايات المتحدة الأميركية، ويعيده العام 1947 الى بيروت، وهو في الـ21 من عمره. فانصرافه مكرهاً عن الفلسفة، يقول إنه ترك في نفسه عزاء، لأن والده توفى قبل أن يقرأ آخر رسالة بعثها اليه إبنه المشغوف بالفلسفة والراغب في الانصراف اليها تأليفاً وتدريساً، متأثراً بأستاذه شارل مالك في الجامعة الأميركية في بيروت. أما في هارفرد فكان يحضّر أطروحته للدكتوراه عن عمانوئيل كانط ونظرته الى الحرية في فلسفة السياسة والأخلاق، مدفوعاً بإيمانه الذي جعله يسترشد بعبارة القديس يوحنا الدمشقي: "إحلال القلب في العقل". لكنه أضاف الى هذه العبارة شيئاً من حكمة شبابه المبكر: الخروج على "الكسل والجبن" اللذين نفر منهما طوال حياته، لأن شخصيته وطبعه مفطوران على الكرم والإقدام، من دون أي انقياد الى تضخيم ذاته المسكونة بالخفر حتى شجاعة السخرية من النفس. فالسخرية عنده "حماية من السخف ومظاهره، وأداة أساسية في ممارسة الديموقراطية والحرية"، لا أن نعبدهما كـ"تمثال" في الخطب الكلامية، إذ لا ممارسة للحرية من دون "حرية ارتكاب الخطأ" الذي لا ينفك منه الإقدام على الفعل ونقد الفعل والواقع الحي، بعيداً من "قهقهة الشيطان". فهذه ينبذها غسان تويني ويخافها كخوفه من فلسفة نيتشه ومن ضحكة "مفيستو" الشيطانية في "فاوست" غوته. الكريم الصاخب في علاقته بالبشر والواقع، "ثمة صخب" في علاقته الايمانية بالله. فالايمان الأصلي أو الأصيل والدائم، "يجب أن يكون (فيه) كفر يومي. فإذا لم تكفر أحياناً بالنعمة وبالله، فلا يكون لإيمانك قيمة". فجأةً يقول في تأملاته المتأخرة: "أؤمن بأمر... هو حضور، بل شيء من حياة الأموات معنا. أشعر بنفسي مكالماً (بفتح حرف الميم وكسره) لأناس فقدتهم. أحس أنهم معي... أكاد أقول يحرسونني". مفقودو غسان تويني أقرب اليه من حبل الوريد: أبناؤه الثلاثة، زوجته الشاعرة ناديا التي "لو كانت تقرأ الآن لقلت لها إن كتابي بالفرنسية "حرب من أجل الآخرين" الذي وضعته بعد وفاتها عام 1984، (متضمناً) عصارة آرائي ومواقفي واختباراتي في الحرب، إنما هو الترجمة النثرية لديوانها الأخير "محفوظات عاطفية لحرب في لبنان". ما من كاتب حقيقي إلا يكتب تحت أنظار آخرين غائبين، يستلهمهم، يحاورهم، يستنطقهم، يستنطقونه، ربما من فجوة خارج الزمن الذي لا يشعر صاحب "قرن من أجل لا شيء"، "بضيق حقيقي" حياله، برغم يقينه أن الزمن "أبدي"، وهو "زائل". في تأملاته المتأخرة مستوحداً، مسكوناً بقوة الحضور والغياب، أخذت "تنشأ صداقة" بينه وبين "الطبيعة: طريق جميلة أسلكها، أو جدار حجر أحبّه، أو شجرة غرستها وأتفقدها باستمرار، أو زهرة زرعتها وفرحت بها، أو حزنت لما يصيبها إن ذبلت". لكن أيّ ألم ذاك الذي كتمه غسان تويني في كيانه وتعالى عليه في سنوات عمره الأخيرة، بعدما وقف في مكاتب "النهار" قائلاً: "جبران تويني لم يمت والنهار مستمرة"؟ قال عبارته هذه ومضى الى عراكه المستمر مع قدره، كأنه لا يزال في بداية الطريق. وماذا تراه فكّر وأحسّ حين مروره في تلك الطريق الجهنمية التي نصب فيها شياطين الحقد والعتمة والقتل متفجراتهم ليتطاير جسم جبران تويني أشلاء في صبيحة 12 كانون الأول 2005؟
جبران قال في سيرته الافتراضية الناقصة "لم أشعر بشيء في تلك اللحظة (الصباحية...) التي صرت فجأةً بعدها، روحاً في اللامكان واللازمان. (…) الآن، كلما حاولت استعادة تلك اللحظة الحاسمة، الفاصلة بين الوجود واللاشيء، لا أتذكر سوى تلك الغابة الملوّنة من البشر في ساحة الأمل والحرية (…) غابة من الوجوه والأحلام، وأتذكرني بين الجموع، أقف أو أحثّ الخطى، أنظر، أبتسم، أضحك... ثم أبصرني فجأة في المنام أمشي وحيداً في خلاء الساحة، فألمح طيفاً لسمير قصير في خلائها، كأن كل واحد منا يبصر الآخر في منامه".
أما غسان تويني فمثل سيزيف جدّد قدره، فوقف في خريف عمره قرب تابوت ابنه الأخير في الكنيسة، قائلاً من أعماق إيمانه وآلامه: "قلّ أن أعطي لإنسان أن يقف في المكان ذاته على مدى ستين سنة يودع والده ثم ولده. أذكر عندما عاد جبران تويني من المنفى، من السفارة حيث سقط شهيداً في 11 تشرين الثاني عام 1947 وهو يلقي خطبة في الدفاع عن وحدة فلسطين وعروبتها وانتساب لبنان الى القضية العربية، كأنه يحمّلني تلك الرسالة (… التي) نشّأتُ ولدي جبران (عليها)،  وهو ردّد صداها بالقسم الذي صار شعاراً لجيل من الشباب". ثم قال مخاطباً صديقه المطران جورج خضر، ومردداً قوله في عظته الجنائزية: "موتنا قيامة. المسيح قام من بين الأموات، (وجبران) ذهب يهيئ لنا مكاناً في وليمة العرس، فهل ألاقيه؟". ومَن هذه حاله ماذا يمكن أن يقول أيضاَ؟: "أدعو اليوم (…) لا الى إنتقام ولا الى حقد ولا الى دم. أدعو الى أن ندفن مع جبران الأحقاد كلها والكلام الخلافي كله، وأن ننادي بصوت واحد ذلك القسم الذي أطلقه في ساحة الشهداء، يوم انتفاضة 2005 التي ذهب ضحيتها".
لكن ألم غسان تويني "الداخلي لا يوصف، وهو ملكه وحده"، بحسب من كلّفه كتابة سيرته (فارس ساسين) في أواسط التسعينات من القرن العشرين، ثم عزف عنها "متطيراً"، منصرفاً الى ممارسة الكرم – الحرية في سخاء جبه به "مصائب" الدهر، "فكان بذلك قدراً في وجه القدر، أو إنساناً نداً للدهر، يتماسك ويصفح ويجود"، خفراً في عطائه ووجوده، لأنه لا يطلب من زمانه سوى الحرية، لا لنفسه فحسب، بل للإنسان والبشر أجمعين، حتى الأعداء القتلة منهم.
و"الناظر متأملا بعمق في حياة غسان تويني وتراث أهل بيته" – على ما كتب فيكتور الكك في كتاب تكريمي له أصدرته "دار سعاد الصباح" – يجده محشوراً في مضيق يكتنفه بحران: "القدر ممثلاً بجبرية المأساة اليونانية، والعقلانية الصارمة الرافضة الانصياع لعبثه"، أي عبث الأقدار. وكيف لمن اجتمعت في شخصه الجبرية والعقلانية، ألا يتمثل "بالسيد المسيح، غافراً للذين رفعوه فوق الجلجة"؟

***

في مقدمته لكتابة الشهادة الوثائقية الموسوعية "سر المهنة... وأسرار أخرى" الذي أهداه الى حفيدته نايلة تويني، ممثلة "الجيل الرابع" من ملحمة "نهاره"، تحدث عن "ثقافة الحرف  المكتوب" معتقداً أن "خطأ الصحافة الحديثة" هو أنها "سرقت من القارئ النزعة الجمالية" في الكتابة. وهي نزعة "عُرف بها كتاب صحافيون كبار" عندما كانت "الكتابة محراباً يطرح فيه المؤلف عصارة عقله وكل ذاته، بكل حرية". ومن أعطى لبنان وصحافته و"نهاره" عصارة حياته طوال أكثر من ستين سنة، يحار أيّ شعور ينتابه حين يتأمل أفعاله وحضوره. "ليس هو الندم لأنني صحافي – يقول – بل القهر لأنني لم أصبح إلا صحافياً". فهل حقق "في النهاية طموحه"، فكتب "كتاباً فرح به وأحسه عظيماً"؟ كتاباً أراحه من قهر الصحافي الذي فيه، وخلّصه مما قال إنه "عداء أساسي بين الكتابة للأجيال الآتية، والكتابة الصحافية" الأكولة الملتهمة. الأرجح أن طموح صاحب "حرب من أجل الاخرين" و"قرن من أجل لا شيء" و"سر المهنة..."، وصانع أجيال من الكتّاب والصحافيين، هو الأكول الذي لا يهدأ، وأبقى صاحبه تواقاً الى كتابة... "مسرحية" مثلاً، من دون ان يدري اذا كان لم يفعل "عن ضيق وقت ام ضيق صدر ام ضيق شجاعة". وحده التواضع على الارجح، ما دفعه الى اضافة الشجاعة الى تلك الاسباب القاهرة. اذ كيف لأحد مهندسي مسرح الحياة السياسية والثقافية في لبنان المعاصر، ولمن "يضع يده يوميا في عجين الاحداث" (علي أومليل)، أن يضيق عن كتابة مسرحية؟! ربما لأنه امضى حياته مستعجلاً الى ادواره على المسرح الذي، حين غادره كي يتفرغ للتأمل والتفكير في الحياة والكتابة والوجود، استدعاه قدره السيزيفي الى أدوار جديدة، فكتب: "التاريخ ان يختار المؤرخ زمناً لكتابته، كما يختار الزمن الذي يكتب فيه"، ونسب كتابه الموسوعي، عوداً على بدء كرمه المتواضع، الى اسرة "النهار" التي "في وسعها ان تعرف لك، بل عنك، كل (ما) عرفته "النهار" واختزنته منذ كانت".
والحق ان موسوعة "سر المهنة..." ليست اقل من عمل مسرحي كبير، يجمع فصولاً من تاريخ الصحافة اللبنانية والعربية وصناعتها، لتكون "النهار" قطب صناعة بيروت مسرحاً رحباً للحريات السياسية والثقافية في دنيا العرب. والمسرح، كما الحرية، يرفض "سكون المتكلم الوحيد". لذا "فضل غسان تويني ان يفضي بأسرار صحافته، واحيانا بعض شخصيته (...) مكملاً بذلك تقليده في الحوار والجدلية، رافضاً (...) كل نسق احادي جامد، من الروتين في الحياة اليومية الى الديكتاتورية في الحكم". ذلك ان "كل شيء (عنده) بداية جديدة. حتى النهاية. (...) لا موت ولا صمت، بل حياة تتفجر من كل شيء، ومرافعة مستمرة استمرار يقظة العقل (...) وفوقها وقبلها دويّ الحرية. حرية نرجسية عنيدة تكاد لا تهاب غير جمالها (...) وبعد نصف قرن من لبنان والعرب والعالم، لا يبقى من آلهة الزمان غيرها معبوداً، إن لم يكن بحدّة الشباب ذاتها، فبيأس النضج الأقوى من الامل. شخصية اغريقية بفكر اوروبي وبراغماتية اميركية ولغة عربية يضيق بها، فلا يني يوسّعها. شخصية عاقل يشبه منطقة الجنون وقد بات العقل شذوذاً. شخصية حكيم يسحره العقل حتى في الحب. (إنه) الضاحك المبطّن بالفواجع، (...والذي) صنع جريدة لتكون نهارا اكثر من النهار، ليجمع فيها ما لا يجتمع، هارباً بها وعبرها من ضجر النوع الواحد، وخالقاً فيها ومعها نهراً من التنوع والاختلاف، هو نهر الحياة"، على ما كتب أنسي الحاج مؤكداً ان "شاهد الكلمة يعلم" أن "الكلمة ليست دوماً هي الاقوى" في بلد صار "القتل (فيه) اسهل من تحية". لذا كتب صاحب مقولة "حروب الآخرين" افتتاحيته النهارية في 8 شباط 1990، تحت عنوان جنائزي: "خواطر من جمهورية المقابر"، متسائلاً: "اذا كنت تكتب وانت في وسط حريق، يرقص حوله المجانين، ففيم تفكر؟ لا، لا... تفكر وسط الحريق! ولا يمكنك ان تجد للذين اشعلوه عذراً"، يجيب. العنوان الجنائزي او المقابري هذا، استلّه تويني من افتتاحية قديمة له كتبها في بدايات الحريق والقتل الأسهل من تحية في لبنان، ساخراً سخرية سوداء من انتخاب رئيس جديد للجمهورية. ففي 14 نيسان 1976 كتب: "... ولأنه كان لا بد لهذه المأساة من نهاية مفرحة، ضاحكة، فقد انتخب المجانين رئيسا وسلّموه مفاتيح القبور وشرائع القتل". وعلى طريقة قدامى الحواريين والحكم

أخبار ذات صلة

إعلانات

إعلانات متنوعة

صيدا نت على الفايسبوك

الوكالة الوطنية للاعلام

انقر على الزر أدناه لزيارة موقع وكالة الأنباء الوطنية:

زيارة الموقع الإلكتروني

تابعنا