×

الحوار الوطني اللبناني.. ماذا إذا استمر الفشل؟

التصنيف: سياسة

2012-07-25  10:53 م  937

 

 كتب عامر راشد
موسكو
 تأجيل جولة الحوار الوطني اللبناني في الخامس والعشرين من الشهر الجاري، ودفع موعدها إلى السادس عشر من آب/أغسطس القادم، فتح السجال مرة أخرى حول المطلوب من الحوار، والإمكانيات الواقعية للوصول إلى مقاربات بين مواقف الخصوم، التي باتت تختصر إعلامياً في عنوان وحيد هو "سلاح المقاومة والإستراتيجية الدفاعية"، ومنه تتفرع مجموعة العناوين الأخرى، لتبقى الحاجة إلى جلسات الحوار من وقت لآخر ليس أكثر من نافذة لتنفيس الاحتقان في الشارع بين أنصار "قوى 8 آذار/مارس" وأنصار "قوى 14 آذار/مارس"، والتخفيف من التوتر السياسي بين أقطاب الفريقين، حفظاً للحد الأدنى من السلم الأهلي، واستيعاب المستجدات التي قد تدفع للتفجير.

عام 2005 كان المستجد الذي كاد يفجر الساحة اللبنانية هو القرار 1559، بما نص عليه من مطالبة بانسحاب القوات السورية من لبنان، ونزع سلاح "المقاومة اللبنانية" وتفكيك بنيتها، وكذلك نزع سلاح الفصائل الفلسطينية خارج المخيمات وداخلها، تحت عنوان ".. حل جميع الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية ونزع سلاحها"، وكذلك ".. الاحترام التام لسيادة لبنان وسلامته الإقليمية ووحدته واستقلاله السياسي، تحت سلطة حكومة لبنان وحدها، من دون منازع على كامل أراضي لبنان"، وزاد من التوترات ما تلا القرار 1559 من اغتيال لرئيس وزراء لبنان الأسبق رفيق الحريري، وانسحاب القوات السورية، وانقسام اللبنانيين إلى فريقين، "8 آذار/مارس" المؤيد لسورية، و"14 آذار/مارس" المعادي لها، فكانت دعوة رئيس مجلس النواب نبيه بري لحوار وطني عقدت أولى جلساته في آذار/مارس 2006، ونجح المتحاورون في ضبط سقف خلافاتهم، رغم فشلهم في الاتفاق على القضايا الخلافية، التي تعمقت بعد حرب تموز/يوليو 2006.

ثلاثة عناوين رئيسة في العام 2007 أفشلت الحوار: رؤية كل من الطرفين للقرار 1701، والمحكمة الدولية الخاصة بجريمة اغتيال رفيق الحريري، وانتخاب رئيس جديد خلفاً للرئيس إميل لحود. وصبت الكثير من الملفات التابعة الزيت على نار الخلافات، منها ملف شهود الزور، وتواصل مسلسل الاغتيالات، وتوتر علاقة "فريق 14 آذار/مارس" مع سورية. واستدعى تصاعد التوتر تدخلاً فرنسياً باستضافة جلسة من الحوار الوطني اللبناني في "سان غلو" تموز/يوليو 2007، أوقفت اشتعال الفتيل المتفجر حينها دون أن تنجح في نزعه، ليعود ويشتعل في أيار/مايو 2008 ويفجر صراعاً مسلحاً بين الفريقين أعاد البلاد إلى أجواء الحرب الأهلية، على خلفية اتخاذ حكومة 14 آذار/مارس قراراً يمس بشبكة اتصالات حزب الله.

المعركة انتهت بحوارات استقبلتها قطر بتفاهم سوري-سعودي، توِّج بـ"اتفاق الدوحة" الذي أدى إلى انفراج سياسي وأمني بانتخاب الرئيس ميشال سليمان خلفاً للرئيس لحود، وإجراء انتخابات برلمانية عام 2009، حققت فيها "قوى 14 آذار/مارس" الأغلبية مرّة ثانية، قبل أن ينقلب عليها زعيم الحزب الاشتراكي وليد جنبلاط بانحيازه إلى جانب إقامة تحالف مع قوى "8 آذار/مارس"، فاتحاً الطريق لتحولها إلى أغلبية شكّلت حكومة جديدة برئاسة نجيب ميقاتي، لكن الخلافات بقيت على حالها في تركيزها على سلاح المقاومة اللبنانية، والسلاح الفلسطيني كتابع لهذا الملف، والعلاقة مع سورية - العلاقات السياسية وترسيم الحدود - وأضيف إليها الموقف من الأزمة الداخلية السورية، و"داتا" الاتصالات. ومع ارتفاع سخونة الخلافات بادر الرئيس سليمان للدعوة إلى جلسة جديدة من الحوار بعد انقطاع لما يقارب ثمانية عشر شهراً، لكن الحوار تعثر مجدداً بعد جلستين، الأولى في الحادي عشر من حزيران/يونيو 2012، والثاني في الخامس والعشرين من الشهر نفسه.

مقاربات الطرفين انتهت في الجلسة الثانية إلى مسارين متعارضين، "فريق 8 آذار/مارس" عاد لينفي مشروعية سلاح المقاومة، معتبراً أنه لا يجب أن يكون موضوعاً على طاولة الحوار، لأن النقاش فيه "يعطيه مشروعية"، ولا عودة إلى الحوار إلا إذا تم تنفيذ قرار سحب سلاح المقاومة اللبنانية، وتسليم "داتا" الاتصالات للأجهزة الأمنية اللبنانية المختصة، بينما أكد "حزب الله" وحلفاؤه في قوى "8 آذار/مارس" أن الإبقاء على سلاح المقاومة بمثابة حجر الزاوية في أي إستراتيجية دفاعية لبنانية.

وكان الرئيس سليمان قد حدّد ثلاث نقاط رئيسية على جدول أعمال جلسة 11 حزيران/يونيو، "سلاح المقاومة وكيفية الاستفادة منه للدفاع عن لبنان. كيفية إنهاء السلاح الفلسطيني خارج المخيمات ومعالجة السلاح داخلها. نزع السلاح المنتشر داخل المدن وخارجها". إلا أن المواقف التي سبقت الجلسة أخرجت النقاط الثلاث من دائرة البحث الجدي، بإعلان "حزب الله" على لسان أحد ممثليه في المجلس النيابي، أن الحزب "لا يحاور حول سلاح المقاومة، فهذا السلاح جزء من معادلة وطنية.. والإستراتيجية الدفاعية تعني الاستفادة من كل مقومات القوة للبنان.."، ولم يستطع الفرقاء الخروج بنتائج مختلفة في جلسة 25 حزيران/يونيو.

النتيجة تبدو موضوعية، ففريق "14 آذار/مارس" يرى أنه ليس من مصلحته آن يعقد اتفاقاً مع فريق "8 آذار/مارس" قبل أن ينجلي تماماً المسار الذي ستتخذه الأزمة السورية، لأنه في حال استيلاء المعارضة على السلطة في سورية سيضطر "حزب الله" لتقديم تنازلات أكبر. وبالمقابل الفريق الثاني ينطلق من زاوية رؤية معاكسة يرى من خلالها أن التنازلات المطلوبة منه باهظة، وكأن الأزمة السورية حسمت في صالح المعارضة، ولهذا عليه أن لا يستعجل، أنه حتى في حال تحقق أمنيات "14 قوى آذار/مارس" لن تحصل على تنازلات أكبر من تلك التي تطالب فيها الآن، علماً بأن تقديرات "حزب الله" وحلفائه تشير إلى أن الحسم في سورية في غير صالح النظام لن يكون بالسهولة التي يتصورها البعض.

وبالتالي فإن دمشق، رغم أنها تمرُّ في أوج الأزمة التي تعصف بها، تبقى الرقم الصعب والمقرر في المعادلة الداخلية اللبنانية، والفريقان المتخاصمان في لبنان متفقان على ذلك، كل من زاوية مقاربته لمصالحه، إلا أن كلاهما يهمل مهمة تطوير مؤسسات الدولة اللبنانية، والانتقال بالنظام السياسي اللبناني من محاصصة أمراء الحرب والإقطاعيات الطائفية، إلى دولة المواطنة والمساواة، لتحصين الحالة اللبنانية من تأثيرات الأزمة السورية، وارتدادات ثورات "الربيع العربي"، فالمعادلة الداخلية اللبنانية في واقعها الراهن توفر تربة خصبة لتحوُّل لبنان، مثلما وقع في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، إلى ساحة لتصفية الحسابات الدولية – الإقليمية، والعربية - العربية، وتحوُّل أمراء الحرب والطوائف إلى متعهدين ووكلاء.

(المقالة تعبر عن رأي كاتبها)

أخبار ذات صلة

إعلانات

إعلانات متنوعة

صيدا نت على الفايسبوك

الوكالة الوطنية للاعلام

انقر على الزر أدناه لزيارة موقع وكالة الأنباء الوطنية:

زيارة الموقع الإلكتروني

تابعنا