×

كلمة الشيخ أحمد محي الدين نصار بمناسبة ذكرى المولد النبوي الشري

التصنيف: سياسة

2014-01-14  07:33 ص  534

 

 لقد ازدهت الإنسانية بفرحة غامرة،‏ واكتست جلباب الفرحة والبهجة يوم ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم ويوم بعث، وهو ما عبرت عنه آيات الله عز وجل بقوله: ﴿وما أَرْسَلْناكَ إِلاّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾، وقوله تعالى ﴿لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ‏﴾

 
وليس عجيباً أن تزدهي الإنسانية في كل عام لتجدّد فرصتها بالفوز برحمة ربها في ذكرى مولد الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم‏،‏ وتعبرَّ عن فرحتها بكل ما تملك وتستطيع‏، ولكن العجيب الغريب أن تأتي هذه المناسبة العظيمة علينا اليوم، وفي ظلّ ظروف شديدة من الضيق والألم والحزن والفقر من جهة، والمحادّاة لله تعالى وشرعه وإسراف وتبذير، وفرقة واختلاف وتآمر وتقاتل من جهة أخرى، فولينا ظهورنا لذكراه صلى الله عليه وسلم وتغافلنا عن اتباعه وتعظيمه وتوقيره والاحتكام لشرعه كما أُمرنا، واحتفينا بمناسبات الأمم السابقة لنا مقلدين ومتخلين عن هويتنا وعاصين لله، ونحن أحوج ما نكون إلى نسائم الرحمة منه سبحانه والتذكير برسوله صلى الله عليه وسلم.
 
يقول الباري سبحانه: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾، أي إنّا أرسلناك يا محمد لتكون شاهدا على أمتك بأعمالهم من طاعة أو معصية في الدنيا والآخرة، ومبشراً لمن أطاع الله تعالى وأطاعك بالجنة، ونذيراً من النار لمن عصى، ولا يكون المؤمن بالله مؤمنا، إلا بتعظيم رسوله صلى الله عليه وسلم وتفخيمه وتسييده ونصرته، والتزام طريقه في تعظيم الله تعالى وتوحيده وذكره والصلاة له بكرة وأصيلا، هؤلاء هم المفلحون، الذين لهم البشرى من الله والفضل الكبير، كما قال سبحانه: (فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ). 
 
إن تجدد فرحة المسلمين في كل عام بمولد رسول الله صلى الله عليه وسلم إنّما هي‏ وسيلة إلى غاية‏،‏ وطريق إلى هدف. فالوسيلة والطريق هو الاحتفاء والفرحة بمولده صلى الله عليه وسلم‏، والغاية والهدف هو التذكير والتنبيه برسول الله الذي من شأنه أن يعيدنا من جديد إلى بيعة صادقة معه صلى الله عليه وسلم ، ويوقظنا من جديد إلى بيعة صادقة مع الله سبحانه، فإذا ما حققت هذه الفرحة هدفها فنعمّ الفرحة ونعمّ التذكير. ولكن عندما نجعل من الوسائل غايات‏، ونجعل من الفرحة برسول الله صلى الله عليه وسلم هدفاً بحد ذاتها، فتخلوا من الموعظة والاعتبار وتتحول إلى مناسبة طرب بالمدائح، أو مجرد سهرة تراثية قديمة، أو باستغلال منبرها لمصالح شخصية ضيقة، فهي فرحة حينئذ مصطنعة لم تؤدِ بهذه الذكرى غايتها وهدفها، وستكون شهيداً علينا عند الله تعالى كلما تكررت عاماً إثر عام.
 
إنّ محبّة النبي صلى الله عليه وسلم جزءٌ من الدّين، لأنّه باب الله الذي لا يدخل عليه أحد إلا من خلاله صلى الله عليه وسلم، فهو الإنسان الذي حقّق الهدف تحقيقًا كاملاً، الهدف الذي خُلقت من أجله الإنسانية، وهو معرفة الله وتوحيده وعبادته، وعمارة الأرض بشرعه، فكان هو صلى الله عليه وسلم صاحب الرسالة الإلهية، والقدوة لأيّ إنسانٍ خلقه الله على وجه الأرض لِيُحَقّق الهدف الذي حقّقه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي محبة الله.
 
وإنّ محبّة الله تعالى تقتضي محبة نبيه صلى الله عليه وسلم، فإذا أحببْتَ النبي صلى الله عليه وسلم فأنت تحبُّ حقيقتهُ، وحقيقته أنّه الإنسان الأكْمَل، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾، ومحبة النبي صلى الله عليه وسلم تقتضي اتّباع سنّته أي نهجه في كل شيء، واتّباع سنّته يعني نجاحك في الحياة الدنيا وفوزك بالآخرة، لذلك قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾.
 
وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، فهو القُدْوةُ  في كلّ نشاطاته، وحركاته، وسكناته، وأحواله، في بيعه وشرائه، في علاقته بجيرانه، وأهله، وزوجته، وأمّه، وأبيه، وإخوانه، وحلفائه وخصومه، وهو القدوة في قيادته السياسية والعسكرية والاقتصادية والتنظيمية وفي كلّ شيء، فمن كان يرجو الله واليوم الآخر فسنّة رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم هي الطريق لك في هذه الحياة، والنور الذي تستضيءُ به فيها، لذلك كانت محبته صلى الله عليه وسلم جزء من الدّين، بل هي الدِّين، لقوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾، وقوله سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾. بل وجعل الله جل جلاله محبّة النبي صلى الله عليه وسلم من محبته سبحانه، محبّةً واحدةً، لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾، فجمع الله تعالى رضاه مع رضا رسوله بضمير واحد.
 
فأنت أيها المسلم كمواطنٍ أو موظّفٍ، أو عسكري أو نائب أو وزير أو رئيس بلدية أو مدير مدرسة أو أي فعالية سياسية أو ثقافية أو اجتماعية كنت، إن لم تتقن مهمتك بصدق وخلق وإخلاص لله ولرسوله، ولم تظهر تأسيك برسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأنت والله لا تحبّ النبي صلى الله عليه وسلم.
 
وإن استسهلت حرمة الإنسان في دمه وماله وعرضه أو مارست هذه الجريمة أو حرضت عليها أو تقاعست في تحصين مجتمعك منها، والنبي المصطفى صلى الله عليه وسلم يقول: (والذي نفسي بيده لقتل مؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا)، ويقول: (إن الله حرَّم عليكم دماءكم وأعراضكم وأموالكم، .. كُلُّ المسلم على المسلم حرام، دمه وعرضه وماله)، بل إن النبي صلى الله عليه وسلم طاف بالكعبة وقال لها: (ما أطيبك، وما أطيب ريحك، ما أعظمك وما أعظم حرمتك، والذي نفس محمد بيده لحرمة المؤمن عند الله أعظم من حرمتك: مالِهِ ودمهِ)، فأنت لا تحب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
 
وإن لم ننتهي عن الفرقة والاختلاف فيما بيننا، مع أن من أعظمِ غاياتِ الشريعةِ الإسلاميّة اجتماع الكلمة وألفَة القلوب بين المسلمين؛ إذ بها تتحقّقُ مصالح الدّين والدنيا، ويتحقّق التناصرُ والتعاون والتعاضُد، والله تعالى يقول: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلْبرِ وَٱلتَّقْوَىٰ وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلإِثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ﴾، ويقول: ﴿وَلاَ تَنَـٰزَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَٱصْبِرُواْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ﴾، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لا تختلفوا فتختلفَ قلوبُكم)، ويأمرنا بالتصالح والسعي في الإصلاح كما قال عزّ وجلّ: ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (المؤمنِ للمؤمن كالبنيان يشُدّ بعضُه بعضاً)، فإن لم تكف أو تنه عن الفرقة والاختلاف، وتأمر بالتصالح واجتماع الكلمة، فأنت لا تحب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
 
إن الاحترام يعني تقدير الإنسان للآخر بغض النظر عن لونه أو نسبه أو ثقافته، وهو خلق نبوي عظيم، فكيف إذا كان هذا الاحترام موجه إلى من فضل الله ورفع منزلتهم وهم العلماء، فقال سبحانه ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾، وقال تعالى ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ وقال رسول الله : (العلماء هم ورثة الأنبياء)، وقال صلى الله عليه وسلم: (ليسَ مِنَّا مَنْ لمْ يرحَمْ صغيرَنا ويُوَقِّرْ كبيرَنَا ويَعْرِفْ لعَالِمِنَا حَقَّهُ)، فمن لم يكن كذلك فهو لا يحب الله ورسول الله .
 
وإذا غششْت مسلماً أو مسيحيا أو مجوسيّا أو ملحدا، أو حملت السلاح على إخوانك ترهبهم، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (من حمل علينا السلاح، فليس منا، ومن غشنا، فليس منا)، فأنت لسْتَ من أمّة محمد صلى الله عليه وسلم.
 
وكذلك إن كنت لئيما غليظا فظاً بخيلا في العطف والود والتراحم والصدقة ولو بالبسمة أو الدعاء، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ما عُبِدَ الله في الأرض بأفضل من جبْر الخواطر)، فأنت لا تحب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
 
وإن قسوْت على زوجك وظلمتها، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (أوصيكم بالنّساء خيرا، ما أكرمهنّ إلا كريم، ولا أهانهنّ إلا لئيم)، وإن لم تحسن تربية عيالك أو بخلت عليهم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ليس منَّا من وسَّع الله عليه وقتَّر على عياله) فأنت لا تحبّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لأن محبّته تعني اقتفاء أثره.
 
فمحبّة النبي صلى الله عليه وسلم هي الدّين، ومحبّة الله تعالى ومحبّة نبيه  شيءٌ واحد، فإذا أحببْت النبي صلى الله عليه وسلم فهذا الحبّ مشتقّ من محبّتك لله تعالى، وإن أحببْت الله تعالى فهذا الحبّ مشتقّ من محبّة النبي صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً﴾. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين).
 
هذا وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
 
وكل عام وأنت بخير
 

أخبار ذات صلة

إعلانات

إعلانات متنوعة

صيدا نت على الفايسبوك

الوكالة الوطنية للاعلام

انقر على الزر أدناه لزيارة موقع وكالة الأنباء الوطنية:

زيارة الموقع الإلكتروني

تابعنا