مقاهي صيدا القديمة تحافظ على بقائها بعد أفول نجمها
التصنيف: سياسة
2014-01-22 09:42 ص 1104
ثريا حسن زعيتر
مقاهٍ بانتظار الزبائن
حافظت مقاهي صيدا القديمة على بقائها... أفل نجمها، تراجع روادها... لكنها لم تقفل أبوابها بعد، تحوّلت إلى ما يشبه النوادي.. مرتادوها أعضاء دائمون، ما زالوا يحملون الذكريات الجميلة في فلك الحكواتي، ولعب الورق وطاولة الزهر... يبدون رجالاً من حقبة أخرى، مشبّعة ملامحهم بالروتين، منذ عشرات السنين، فيما مقاهيهم تنتظر تباعاً الموت البطيء أمام الحداثة وعصر العولمة...
صيدا القديمة «البلد» لم تعد قديمة، فقد غزتها «الحداثة»، حداثة التواصل الاجتماعي والانترنت و«الفايسبوك» والـ «واتس. أب» وغيرها، فانتشرت في كل مكان، لم توفر زاوية من أروقتها وأحيائها ذات القناطر الحجرية، لكنها توقفت عند حدود بعض المقاهي والكراسي والطاولات البلاستيكية التي تفترشها بعدما أقفل الكثير منها...
فعلى مساحة لا تتجاوز الكيلومتر المربع الواحد، كان ينتشر أكثر من 22 مقهى في أحياء صيدا القديمة، لم يبقَ منها اليوم إلا على عدد أصابع اليدين، وبالكاد تؤمّن قوت أصحابها أو مستأجريها، بعدما كانت ملتقى الأصدقاء والجيران وتفتح على مدار الساعة، باتت من الصباح حتى منتصف الليل، وكأنها تعلن نهاية الذكريات الجميلة، حين كان روّادها يتقاسمون كراسيها خلال لعب الورق، لكل منهم صوته الذي يعرفه الآخرون. هم أصحاب المكان، وتلك المقاهي الشعبية، الباقية من «زمن الطرابيش»، ليست لالتقاء العابرين كما هي المقاهي عادة، إنها مساحات مغلقة مُصادرة بطيبة خاطر من مجموعة مسنّين، قلّما يدخل ضيف جديد بلا معرّفٍ عنه من أهل المقهى الأصليين...
«لـواء صيدا والجنوب» جال في أحياء صيدا القديمة واستطلع أحوال المقاهي القديمة في ساحة باب السراي، بين «مقهى سلوم» و«مقهى الزجاج» الذي اكتسب شهرة كبيرة...
«مقهى سلوم»
داخل «مقهى سلوم» المطل على ساحة باب السراي، ما زالت الكراسي والطاولات في مكانها منذ أعوام، وطريقة جالسيها تدل على أنهم مستعدّون لقضاء أيامٍ بلا تغيير واحد في مكانهم أو حركاتهم، الكل كان يقصدها من المنطقة وخارجها لشرب «النرجيلة»، التنباك منها والمعسل، ولعب الورق. المقهى يقع في وسط الساحة الأساسية لصيدا القديمة، هو معروف في أحياء «البلد»، لكن هناك عابرين يروحون ويجيئون وينظرون إلى الداخل، واللافت الوحيد أن المقهى يُمكن أن يجمع في رحابه، حتى اليوم، مختلف الاتجاهات السياسية لأبناء المدينة.
{ صاحب المقهى محمد سلوم يقول: «المقهى قديم جداً، لقد بُني منذ أكثر من 200 عام، ونحن نعمل فيه منذ 40 عاماً، وقبلنا عمل فيه الوالد عقوداً طويلة من الزمن. فمنذ العام 1948 ونحن نملك المقهى، كان يقصده كل «الخواجات» وشخصيات البلد السياسية والاجتماعية والطبية والثقافية، يأتون ويجلسون فيه، حيث كان يحضر الوزراء والنواب والأطباء من «مستشفيات: حمود، لبيب ودلاعة، وعائلات عريقة في صيدا مثل: البابا، الزعتري، الزين وحجازي وسواها».
ويحرص سلوم على رفع صور للقدس وفلسطين ولكبار المطربين أمثال «أم كلثوم» وفريد الأطرش وعبد الحليم حافظ، كجزء من المخزون التراثي للمقهى... ويؤكد «كان الوالد يذهب برحلات كثيرة إلى مصر، كان يعشق الفن المصري، وعلى معرفة بالكثير من الفنانين، لذلك فإن المقهى مليء بصور فنانين من الزمن القديم، وأيضاً بصور لشخصيات كان لها تأثيرها ورونقها الخاص في تلك الحقبة من الزمن في لبنان».
وبحسرة لا تخلو من ألم على تلك الأيام، يقول سلوم: «كانت تلك الأيام أجمل بكثير من اليوم، كان لها نكهتها الخاصة، حيث كان الحكواتي يقصد المقهى ويروي القصص والروايات بطابع سردي رائع، فيجتمع الناس من مختلف أطيافهم يستمعون للخبريات، هؤلاء بالنسبة لنا يمثلون التراث والحضارة لمدينة صيدا، هنا يجتمع المسلمون والمسيحيون، يأكلون ويشربون سوياً، ولا يوجد أي خلاف على طائفة أو مذهب أو سياسة».
ويضيف: «منذ 8 سنوات قمنا بعملية تحديث للمقهى، كان بحاجة لترميم بعد أن مر عليه الزمن، نجح المشروع 100%، فمزجنا بين الأصالة والتراث والحداثة، وخاصة أن أبناء صيدا القديمة، يعيشون الماضي مع مراعاة خصوصية الجيل الناشئ، إلا أن الأوضاع السياسية والأمنية في لبنان لم تساعدنا بما فيه الكفاية، لقد جرت محاولات من النائب السابق الدكتور أسامة سعد والدكتور عبد الرحمن البزري حين كان رئيسا للبلدية للنهوض بالمدينة القديمة من جديد، لقد عشنا العصر الذهبي في ذلك الوقت، كانت المقاهي تعج بالإزدحام ويلتقي فيها الأصدقاء والأحبة والأقرباء على «نفس» أركيلة ويثرثرون ويمرحون، وتسمع أصوات الضحك الصاخب، أما الآن فإن الحركة ضعيفة جداً، والوضع حزين، حتى أنك ترمي الإبرة وتسمع رنتها، فالوضع الأمني السيئ للبلد زاد الأمر سوءاً، فـ «الكبار يأكلون الحصرم والصغار يضرسون»، والأخبار السيئة تضعنا في مأزق وتشل حركة المدينة، فالسياح غابوا وحتى أهل البلد خفّ حضورهم».
«مقهى الزجاج»
{ وما بين «مقهى سلوم» و«مقهى الزجاج» المجاور، حكايات وحكايات، فهنا كان يجلس الحاج علي، وهنا كان يلعب محمود، وما بينهما كان يلتقى الأحباب والعشاق، يقول حسن المصري صاحب «مقهى الزجاج»: «إن عمر المقهى 140 عاماً، وأصحابه الأصليون من آل حاسبيني في بيروت، أستأجره الكثير قبلي، مثل عائلة المجذوب، إلى أن استأجرته منذ نحو 25 عاماً، حيث كان أشهر من «نار على علم» باعتباره من أهم المقاهي في صيدا».
ويتابع المصري: «أجمل صفة لهذا المقهى هي الحكواتي، حيث كان أهل المدينة القديمة يهرولون لسماع أجمل القصص والروايات في تلك الحقبة، التي شهدت حركة فنية مهمة، فجرى فيه تصوير العديد من «الفيديو كليب» والأعمال التلفزيونية، وأشهرهم للممثل الراحل فهمان، ومشاهد لفيلم فرنسي، وقبل ذلك كان يلتقي فيه المشاهير مثل: رياض شرارة، جمال سليمان، فادي شربل وكارين رزق الله. كذلك السيدة نازك رفيق الحريري، الرئيس فؤاد السنيورة ونواب صيدا وغيرهم من الشخصيات».
ويؤكد «أن «مقهى الزجاج» كان يعتبر ملتقى للمثقفين، وشهد الحركات الثورية والتظاهرات، فكان يجمع السياسيين والشخصيات الهامة في المراحل الانتخابية، وكان مركز تجمّع، أما اليوم فإن الوضع الأمني العاصف بالبلد خفف من عمله، فلم يعد يأتي إليه أحد من الفنانين، ولا يتوقف فيه السياح ولا أبناء المنطقة إلا القليل القليل منهم، فالحركة معدومة».
ويختم المصري: «إن دخول التكنولوجيا، وخاصة الانترنت إلى الحياة اليومية للناس، كان الضربة القاضية، فقُتلت الحركة في المقاهي بشكل عام، فبعد أن كان يجتمع الأصدقاء ويلتقون هنا ليحكي كل منهم أخباره، اختفوا، وغابت حكاياتهم، فبوجود الجيل الرابع، وهو التكنولوحيا الحديثة، أصبحت اللقاءات موجودة على الانترنت مثل الـ «واتس. أب» و«الفايسبوك»، وباعتقادي هذه وسائل للتدمير الاجتماعي، وليس وسائل للتواصل الاجتماعي، فقد خربت الدنيا ودمرت القيم، فقد كان
أخبار ذات صلة
إسرائيل تدرس السماح للجيش اللبناني بالسيطرة على مجمع أنفاق لحزب
2026-06-22 11:04 ص 97
ترامب يهدد بقصف إيران "إذا لم توقف وكلاءها في لبنان"
2026-06-21 05:35 م 88
صورة عقد أول اجتماع بحضور أميركي وإيراني في سويسرا.. وهذه محاوره
2026-06-21 02:54 م 87
إعلانات
إعلانات متنوعة
صيدا نت على الفايسبوك
الوكالة الوطنية للاعلام
انقر على الزر أدناه لزيارة موقع وكالة الأنباء الوطنية:
زيارة الموقع الإلكترونيتابعنا
اجتماع المجلس البلدي في صيدا: ما الذي تغيّر؟
2026-06-18 05:10 ص
زيارة هلال حبلي لمحمد السعودي... قراءة في واقع صيدا وتحديات المرحلة
2026-06-10 06:03 م
لقاء بلدية صيدا: لاول مره ينجح اللقاء السياسي في القرارت والعبرة في التنفيذ
2026-06-10 05:05 ص
رسالة إلى جمهور الثنائي الشيعي ال يتظاهرون في لبنان
2026-06-09 04:59 ص
جوزاف عون انت بطل و لبنان يلتقط أنفاسه بعد إعلان الهدنة
2026-06-04 10:05 ص
هل تشهد صيدا مظاهر عاشورائية في مراكز الإيواء أم تبقى ضمن الحسينيات؟

