ما ان يعلن في عاصمة الجنوب عن ولادة مبادرة سياسية لجمع أطراف المدينة وقواها السياسية لمناقشة أوضاعها الامنية وتحصينها من الفتنة، حتى يعلن عن وفاة تلك المبادرة سريرياً وعملياً دون أن تجد من يدفنها. ثم يعلن عن ولادة مبادرة جديدة مع بنود وأطر سياسية لها، وما ان تدخل في بازار اللقاءات والمناقشات حتى تتعثر وتتجمد عند نقطة محددة وتدخل في علم النسيان السياسي، ولا تجد من يعطيها المنشطات الكافية لعودتها الى التداول إلا من قبل الجهة السياسية التي أعلنت عنها.
في صيدا تدور تساؤلات ونقاشات في أروقة النخب الصيداوية هذه الأيام عن الأسباب الحقيقية التي حالت وتحول دون أن تبصر أية مبادرة سياسية النور وماذا ينقصها حتى تتحول الى مبادرة واقعية؟ هل العلة في الجهة أم المرجعية السياسية أم الدينية التي طرحتها؟ أم هي في الأساس مجرد طرح إعلامي لا أكثر؟
وبرغم ذلك، فإن ذلك لا يلغي حاجة صيدا هذه الأيام لجمع مكوناتها الأساسية تحت سقف واحد قبل أن يقترب خطر الفتنة الى المدينة ومحيطها، ومحاولة الحد من تداعيات أية هزة أمنية فتنوية قد تحط رحالها في صيدا ومنطقتها.
ونبهت مصادر صيداوية الى أن القنبلة الهجومية التي ألقيت في حارة صيدا قبل أيام لم يكن المستهدف فيها أمن تلك البلدة ومكوناتها ومرجعياتها السياسية والامنية، بقدر ما كان المستهدف أمن صيدا ومحيطها برمّته، لان أي سيناريو أمني محتمل في تلك المنطقة يستهدف اولا وأخيرا المكونات المجتمعية التعايشية في صيدا وحارتها وشرقها ومخيماتها، لأن الهدف الأساس إحداث الفتنة. محذّرة من قيام المتطرفين بردة فعل انتقامية في منطقة صيدا ردا على إنجازات الجيش وتمكنه من إلقاء القبض على إرهابيين وتفكيك السيارات المفخخة.
وتؤكد المصادر ان صيدا قادرة على الرد على كل من حاول ويحاول اختطافها، ووضعها حيث لا تريد، ولا تحب أن تكون، وتسأل: إذا كان بالإمكان وجود كل القوى السياسية والمكوّنات تحت سقف واحد في بلدية صيدا من أجل مناسبة اجتماعية، فلماذا لا يُعاد تحريك الجهود لعقد لقاءٍ جامع لهذه القوى لبحث أوضاع المدينة وسبل حماية أمنها وسلامة أهاليها، والحفاظ على مخيماتها وتوضيح علاقاتها بالدولة اللبنانية ومؤسساتها الأمنية والخدماتية؟ ولماذا لا يُشكّل مضمون الكلمات التي ألقيت ورقة عملٍ أولية لهذا اللقاء؟
وتلفت المصادر الى أن مناسبة إطلاق اسم «الحاج مصباح البزري» على القاعة الرئيسية في مبنى القصر البلدي لمدينة صيدا في ذكرى مرور مئة عام على انتهاء ولاية أول مجلس بلدي منتخب كان برئاسته، تحوّلت الى تظاهرة وطنية صيداوية جامعة لم تعرف المدينة مثيلاً لها منذ مدة طويلة لناحية الحضور الحاشد المتنوع الذي ضاقت به القاعة.
وتوضح المصادر أن المدينة ردّت بهذا الحضور المتنوع على محاولات عزلها عن محيطها وتقوقعها ومذهبتها، بحيث بدت صيدا وكأنها تريد الاستفادة من هذه المناسبة لتُظهر وجهها الحقيقي الذي حاول البعض تغييبه.
وأشارت المصادر الى ان الحضور الواضح لمختلف التيارات السياسية من خلال ممثلين عن الرئيس فؤاد السنيورة والنائبة بهية الحريري وحضور نائبي الزهراني علي عسيران وميشال موسى والأمين العام لـ«التنظيم الشعبي الناصري» الدكتور أسامة سعد والدكتور عبد الرحمن البزري و«الجماعة الإسلامية» و«حزب الله» وحركة «أمل» و«قوات الفجر» وأحزاب اخرى ومراجع دينية، وحشد من رؤساء بلديات منطقة الزهراني، ليس إلا دليلا إضافيا على أهمية دور صيدا في محيطها وعلاقتها به، ورأت أن كثافة الحضور الفلسطيني جاء تكريساً لخصوصية العلاقة اللبنانية الفلسطينية.
والبارز في التظاهرة الوطنية ليس الحضور المتنوع فقط، بل مضمون وروحية الكلمات التي ألقيت والتي رفضت لغة التطرف، والرياح الغريبة التي عصفت بصيدا والتي دعت لتثبيت دور المدينة التاريخي في محيطها وجنوبها تحديدا، والحفاظ على إرثها الوطني التعايشي والمقاوم، وعلى بوصلتها السياسية الموجهة باتجاه الوحدة الوطنية في الداخل، وفلسطين في المنطقة.