×

فوائد مرتفعة واقتصاد مزدهر!

التصنيف: سياسة

2010-06-09  03:26 م  864

 

ريّا الحسن ورياض سلامة يطرحان الهدف ونقيضه معاً
أيعقل أن تكون فرصة ذهبيّة بالفعل لتحقيق الانطلاقة الاقتصاديّة؟ الأجواء الورديّة التي سادت المبنى المميز ـــــ المسيّج في شارع رياض الصلح أمس عبقت بطموح وزيرة المال وحاكم مصرف لبنان. لكن المشكلة هي أنّ الاثنين يرفضان الاعتراف بأنّ هناك تضارباً بين السياسات التي اتبعاها سابقاً والقفزة النوعيّة

حسن شقراني
رفض حاكم مصرف لبنان رياض سلامة التعليق على الانتقادات الموجّهة إلى مصرفه أخيراً، التي تفيد بأنّ سياساته النقديّة هي غير مستدامة، ونقل المنبر إلى ريّا الحسن للإجابة: «نحن نغالط هذا الرأي ومقتنعون بالسياسة النقديّة والماليّة التي ننفّذها، وهذا الشيء يصبّ في مصلحة البلاد».
تشديد وزيرة المال على صوابيّة التوجّه الذي حكم البلاد خلال مرحلة الأزمة الماليّة العالميّة كان مقصوداً على مسمع صندوق النقد الدولي الذي طالما انتقد سياسة امتصاص السيولة على النحو الفاضح والمكلف الذي طُبقت على أساسه رافعة دفعات فوائد الدين العام بنسبة 17% (فقط لمراكمة الاحتياطات).
لكن ليس الصندوق الآن في وارد أن يوجّه انتقادات جديدة للثنائي، حيث اكتفى أمس، بتعداد الإيجابيّات والسلبيّات للاقتصاد اللبناني خلال المرحلة المقبلة في معرض عرضه للتوصيات التي توصّلت إليها بعثته التي زارت بيروت أخيراً لإجراء المشاورات السنوية المتعلقة بالمادة الرابعة وقدّمتها في الوزارة أمس.
غير أنّ هذا التحفّظ لا يعني أنّ التضارب لم يكن موجوداً لدى السلطتين النقديّة والماليّة.
ففي الدرجة الأولى، تدافع ريّا الحسن عن التدفقات الماليّة وعن تشجيعها عبر الفوائد المرتفعة ثمّ امتصاص الفائض منها كي تبقى تلك الفوائد مرتفعة، أي اكتمال حلقة وضع الأعباء على المكلّف بهدف استمرار النظام المالي المشوّه.
وبرأي الوزيرة، فإنّ مميزات هذه الظاهرة العجيبة الغريبة هي: «أوّلاً: حاجتنا إلى هذه التدفّقات نابعة من عدم إمكان تمويل الدين العام من الخارج، لذا فإنّ تشجيع التدفّق ليس ترفاً بل ضرورة».
«ثانياً: التدفّقات الماليّة تعكس ثقة المودع بلبنان وبقطاعه المصرفي». ولذا فهي «ظاهرة إيجابيّة، رغم أنّنا نتكلّف عليها قليلاً».
لكن ريّا الحسن تريد أيضاً «القيام بإصلاحات هيكليّة وتحويل النموّ الاقتصادي بالصيغة الحاليّة إلى نموّ منتج يدفع صوب استثمارات أكبر»، فالبلاد اليوم تعيش على حدّ تعبيرها «لحظة اقتصاديّة إيجابيّة واعدة يجب أن نستغلّها، وهناك فرصة ذهبيّة للاقتصاد».
ومن المعروف أنّ أي تحفيز للاقتصاد الحقيقي لتوليد الوظائف يكون عبر تحفيز الإقراض، والتحفيز يكون عبر خفض الفوائد، غير أنّ خفض الفوائد يُلغي «الظاهرة الإيجابيّة» التي تتحدّث عنها ريّا الحسن.
ماذا يمكننا فعله إذاً؟
كان رياض سلامة ذكياً عندما حوّل السؤال إلى الوزيرة الجالسة إلى يساره، وإلى يسارها مدير بعثة الصندوق أندرياس بوير. فهناك مشكلة حقيقيّة الآن تتعلّق بكيفيّة إدارة هذا النظام الهجين الذي يحاول الجميع اجتراحه: إبقاء عناصر جذب الرساميل قائمة لتمويل دين الدولة، وفي الوقت نفسه الحديث الجميل عن تحفيز الاقتصاد في هذه المرحلة اللطيفة.

 

وقد تطرّق بوير بالفعل إلى هذه المسألة عندما قدّم ملاحظات مؤسّسته على السياسة النقديّة. فهو قال إنّ تلك السياسة «ركّزت أخيراً على خفض وتيرة تدفق الودائع، من طريق خفض معدلات الفائدة، باعتبار أن الاحتياطي بالعملات الاجنبية وصل الآن إلى مستوى مريح». وأضاف أنّه «بهدف تكيّف حركة الودائع بالشكل المناسب، بات من المهم تبني النهج الحذر في تطبيق خفوضات إضافية في معدلات الفائدة».
إذاً فالصندوق يدعو رياض سلامة إلى خفض الفوائد بحذر، مثلما كان قد دعاه في صيف عام 2009 إلى كبح شهيّة إصدار سندات الخزينة لأنّها مكلفة على الاقتصاد. وهي الدعوة نفسها التي يتضمّنها تقرير «بنك لبنان والمهجر»، التي تعدّها ريا الحسن «مخالفة لرأينا»... واقع محيّر فعلاً!
ومن جهته يبقى الحاكم يشدّ إلى الوراء، فهو شرح نظرة الصندوق على هذا الصعيد بالآتي: «الصندوق أوصى بالتحفظ في السرعة في خفض الفوائد، إذ يهمهم أن تبقى التدفقات المالية نحو لبنان بما يمكّن من تمويل الاقتصاد اللبناني في ما يتعلق بالقطاع العام والخاص، لكنهم يطلبون أن نهدئ الوتيرة».
من الواضح أنّ الوضع على الصعيد النقدي يمثّل مشكلة محيّرة ومكلفة، لدرجة أنّ التصريحات المذكورة كانت شبه فصاميّة في ما يتعلّق بالرؤية لمستقبل البلاد النقدي والمالي في ظلّ الحاجة إلى التطوير السريع.
وقد رُصدت تلك الحاجة في حديث أندرياس بوير وتحذيرات الصندوق إجمالاً. فهو قال إنّ «من غير المحتمل أن تستمر إلى ما لا نهاية الظروف الراهنة المتمثلة بانخفاض معدلات الفائدة عالمياً» وبوفرة السيولة.
وهذا يعني أنّ التدفّقات الماليّة التي قاربت 21 مليار دولار في عام 2009، ستتراجع بحكم لجوء المستثمرين إلى أسواق أخرى أكثر راحة.
ولهذا، تابع بوير: «ينبغي تجنب التساهل والتوصل إلى التوافق بهدف معالجة نقاط الضعف والخلل الهيكلي في لبنان، ما قد يمهد الطريق لاستمرار وتيرة النمو العالية وتحقيق توسع اقتصادي مستقر ودائم»، أي تحقيق النموّ غير الريعي الناتج من قطاع العقارات مثلاً، الذي انتقد إدارته الصندوق، ومن القطاع المالي غير المجدي للاستثمارات المنتجة.
وعلى هذا الصعيد، شجّع أندرياس بوير الخطط الرامية إلى تعزيز الاستثمار العام والمصحوبة بعملية تطبيق الإصلاحات القطاعية. غير أنّه شدّد في الوقت نفسه على ضرورة «أن يستهدف تنفيذ الموازنة فائضاً أولياً أعلى من ذلك المرتقب في موازنة عام 2010».
لكن يمكن أن يذهب هذا الفائض مع الريح إذا قرّر الثنائي امتصاص السيولة مجدّداً عبر سندات الخزينة وشهادات الإيداع، أو إذا شاءت ظروف مأساويّة استمرار وزارة المال بالنهج نفسه الذي كان قائماً في السابق. وهذا محال، نظراً لوجود النيات الخاصّة بنقاش موازنة عام 2010: «بالنسبة إلى المادة الخاصّة بالاقتراض، يجب أن يكون لوزارة المال بعض المرونة لكيفيّة إدارة الدين بالفوائد الأحسن والمدد الأفضل. في كلّ بلدان العالم تتمتّع وزارة المال بهذه المرونة لكي تدير الدين العام بالطريقة التي تراها مناسبة، أي بطريقة ترى فيها خدمة الدين أقلّ عبئاً على الاقتصاد اللبناني».
عفواً، هل إيصال الدين إلى 150% من الناتج هو الإدارة الأفضل؟ فلنأمل ألّا تتحقّق ظروف مأساويّة، وتبقى الرغبة بالاستدانة غير المحدود مكبوحة بشكل أو بآخر.
 



8%

معدّل النموّ الذي يتوقّعه صندوق النقد الدولي في لبنان لعام 2010. غير أنّه يحذّر في الوقت نفسه من بقاء نقاط الضعف المتمثّلة بمعدّل الدين إلى الناتج ومحدوديّة التقدّم في تعزيز المؤسّسات الاقتصاديّة.
 

 

أخبار ذات صلة

إعلانات

إعلانات متنوعة

صيدا نت على الفايسبوك

الوكالة الوطنية للاعلام

انقر على الزر أدناه لزيارة موقع وكالة الأنباء الوطنية:

زيارة الموقع الإلكتروني

تابعنا