خليل المتبولي : محجورٌ في بيتي !
التصنيف: أقلام
2021-02-01 04:15 م 281
كل مقال يعبّر عن رأي كاتبه، ولا يمثّل بأي شكل من الأشكال سياسة الموقع.
محجورٌ في بيتي ، أتنقل بين غرفتي والمطبخ والحمام ، أتحدث مع نفسي في جو ميلودرامي ، في مكان أصوغ حدوده وأشياءه ، أروّضه كما يروضني ، أستغل سكونه وأظهره واضحًا وضوح الشمس . أُظهر تكاوينه الداخلية ، زواياه ، تفاصيله التي أصبحت من تفاصيلي ، أُحصي رائحته الغامضة التي تنبعث سرابات قاتمة ، الملتحفة رغبات الحياة ، المتمازجة كالغيوم في السماء .
أسترسل في الانخراط في عزلة مصدّعة ، خارجة على الزمن والوقت ، متنكرًا للرفوف الفارغة رغم الكتب المكدّسة فوقها ، وللخزائن المبعثر داخلها الثياب المهلهلة ، وللمنافض المستلقية فيها السجائر كجنود قتلى في معركة الوجود ، ولكل ما هو جامد ، متحرك في مخيلتي . ألملم أفكاري المنتشرة في كل مكان في البيت ، أتناول حرفًا حرفًا أناجيه وألاغيه ، ألتقط كلمة كلمة وأبحث عن جذرها ومعناها ، أبث فيها حواسي وهواجسي ، أحسمها ، وأقطع الجذور كلها بإحساس التذكّر والحنين بعاطفة حارة ، كأنها شموع أشعلت ليلة الزفاف . الجذر ، قلب ، شعلة ، حرارة ، انبعاث ضوء ، يُفرغ قسماته في صمت الألوان .
محجورٌ في بيتي ، فاقدٌ للحرية في منفاي ، بلا ذاكرة ، الذاكرة رهان المستقبل ،وارتماء في تاريخ بلا موعد ، كيف لهذا الحَجْرُ أن يتزحزح ؟ اسمه من صلب ، والصلب انكشاف لسر الجمود عبر بوابات السجون ، معجون بسحر الهموم ، معصوب الأفق بعلامات وإشارات وأيقونات قرمزية ،وبمجد مدجج بحقائق صادمة ، يصنع أسوارًا بلا مواقيت ، وبلا فواصل . يتقدم الحَجْرُ حاذفًا امتلاء الأيام ، يشرئب على النور ، ويختلط في تواريخ لا تحصي غياباتها سوى سراب مصقول بأرقام فوضوية ، تنتشر على الأرائك والأسرّة ، لتعلن غيابات على شاشات الروح ، تفوح منها رائحة صدأ الزمان والمكان .
محجورٌ في بيتي ، أعدّ خطواتي المتهالكة ، أنظر إلى السقف واللمبة والجدران ودهاناتها ، وإلى البلاط ، محاولًا ضرب طولها بعرضها ، أحسب الضوء الآتي من النافذة ، المرتعش ، المحمّل بغبار السنين . أدخل غرفتي ، أتناول كتابًا ، أقرأ فهرسه ، أنظر إلى عدد صفحاته التي تروي كسر المعادلات ، أعبر أحداثه المكتظة بالشخصيات الرئيسية والثانوية ، أرجع بصداه ، أبصره إشارات سابقة ، أطبقه وأعيده إلى الرف الذي يبكي على أحداث وشخصيات الكتب الحاضنة له .
محجورٌ في بيتي ، سئمتُ ، فما عدتُ أرغبُ في شيء سوى فتح باب البيت ، وتجاوز عتبته ، والخروج إلى الشارع ، لألتقط المد والجزر ، الفرح واللّذة ، الركض والقفز ، واللعب مع العمل ، التعب والعرق ، وتجفيف الريح للرغبة عن جسدي ، أشتهي في العلن وحل المطر ، والشمس الحارقة ، ودمع النساء ، وغضب الرجال ...
أخبار ذات صلة
زمن الشقاوة الجميلة" … ذكريات صحافية من جنوب لبنان - بقلم الصحافي أحمد الغربي
2026-10-30 03:19 م 230
حين تتصدّر الكفاءة… تزهو صيدا وتسمو رسالة التربية
2026-10-21 06:39 م 268
لماذا يحتاج لبنان إلى دار فتوى قوية؟ المرجعية الدينية والمسؤولية الوطنية
2026-10-20 02:58 م 232
أثر الأزمات الاقتصادية في الإيمان بالله
2026-10-14 10:34 ص 281
مصدر قضائي بارز لـ"الشرق الأوسط": الاعترافات الأولية للموقوفين تفيد بأن (ساجد) سلّم الشحنة
2026-10-12 10:46 ص 284
إعلانات
إعلانات متنوعة
صيدا نت على الفايسبوك
الوكالة الوطنية للاعلام
انقر على الزر أدناه لزيارة موقع وكالة الأنباء الوطنية:
زيارة الموقع الإلكترونيتابعنا
مشهد طبيعي لافت قبالة شاطئ صيدا... شاهقة مائية ترتفع من البحر نحو الغيوم!
2026-11-05 02:35 م
الشيخ الدكتور مدرار حبال… حضور ديني واجتماعي في خدمة الجنوب
2026-11-03 05:24 ص
الكوارث والحروب لا تستأذن أحداً… يا أهل صيدا، استعدّوا قبل فوات الأوان!
2026-11-01 06:03 ص
أفلسوا في مواجهة الإنجازات التربوية... ففتحوا ملف الأغصان اليابسة!
2026-10-30 05:28 ص
برسم مجلس بلدية صيدا: حقوق ذوي الإعاقة تحتاج إلى تنفيذ لا إلى اجتماعات فقط!

