يهبون أعضاءهم عند «الحزّة»
التصنيف: سياسة
2009-10-19 01:56 م 1998
ما هو مدى استعداد الناس لوهب أعضائهم لمن يحتاجون إليها؟ لا جواب واحداً عن هذا السؤال، فإما هم مستعدون إن كان من يحتاجهم قريباً منهم أو أنهم يفكرون ملياً قبل الشروع في الخطوة وإما لا يأبهون
راجانا حمية
عام 2002، توفيت ديالا الصايغ (10 سنوات) بسبب فشل عمليّة زرع إحدى كليتيها. لم يتقبّل جسد الصغيرة الكلية التي «فازت» بها بعد 7 سنوات من معاناتها مع مرض القصور الكلوي، ومعاناة والدتها وشقيقتيها اللواتي حرمن من التبرع لها لعدم تطابق بعض نتائج فحوصهن الطبية مع فحوص الزرع. كان موتها مؤلماً، لكنه لم يكن أكثر إيلاماً من الصعوبة الكامنة في إيجاد متبرّع يتجرّأ على وهب جزء من جسده لأجل حياة آخر.. اللهم إلا إذا توفي أو كان من الأقرباء «اللزم» للمريض. ما عدا ذلك، لن يجد المريض من ينقذه من ألمه، وإن كان التبرع جائزاً من الناحيتين الشرعية والقانونية ولو بشروط قد تصل حدّ «المعجزة» في بعض الأحيان. وهو ما يطرح سؤالاً عن مدى قابليتنا لوهب أعضائنا لطالب حياة، ولو كان مجرد محتاج لا تربطنا به أية صلة؟ قد تبدو الإجابة عن هذا السؤال أنانية بعض الشيء، إذ إن غالبيّة الأشخاص الذين أجابوا بنعم، سرعان ما يقرنون هذه الـ«نعم» بشرط الوفاة، أي بعد وفاتهم سيفعلون ذلك. ومن أجاب بالنفي، فلأن هذا السؤال بالذات لم يخطر في باله يوماً، أو لأنه ملتزم دينياً، فلربّما رفض الدين فعلته واعتبرها «حراماً»، كما تقول رنا الساحلي.
ربما لم تعش رنا الواقع الصعب الذي عاشته سعاد الصايغ وابنتيها، كي تناقش موضوع وهب الأعضاء من الناحية الإنسانية، لا الدينية. هذا الواقع الذي دفع بعائلة الصايغ لاتّخاذ قرار لا رجوع عنه: التوقيع على وثيقة يهبون بموجبها أعضاءهم المسموح بوهبها، وفي أي وقت. أكثر من ذلك، انتسبت الوالدة لجمعية الطفل المصاب بالكلى لمساعدة مرضى الكلى ذوي الدخل المحدود في إجراء الفحوص، إضافة إلى التفتيش عن متبرّعين.
قد يكون استثنائياً ما قامت به تلك العائلة، فكثيرون لا يقدرون على المضي في هذا الاتجاه إلا في أوقات «الحزّة»، كما يقول أكثر من قابلناهم في الشارع. أي عندما يمسّ السوء أقرباءهم.. وما عدا ذلك، فبعد الوفاة. «عندها، فليفعلوا بجسدي ما يحلو لهم»، تقول سميرة لوباني. لكن، من مست المعاناة حياته مباشرة قد يتبرع حتى قبل الموت. وهو ما يمكن أن تفعله فاتنة. لأن الموت طال طفلها الصغير ولم تستطع إيجاد قلب بديل له من قلبه المثقوب. هذه المرأة قادرة على التخلي عن أي شيء في جسدها بشجاعة. تماماً كما الأفلام. كما في أحد الأفلام الذي طرح قضية وهب الأعضاء من الناحية الإنسانية، عندما أعطى الشاب قلبه لفتاة أحبها كانت بحاجة إليه كي تعيش. فهنا أيضاً، الألم مباشر.
إذاً، الحاجة تحكم قدرتنا على التبرع أو عدمه. لكن، بعيداً عنها، تتحكم العقلانية بالبعض عند استعراض هذه الخطوة، فمنهم من يطرحها من «جهة إنقاذ نفس أخرى»، ومنهم من يفكر ملياً بالشخص الذي يمكن أن يأخذ جزءاً من أجسادهم، هل هو قريب؟ وما مدى صلة القرابة؟ الجدة؟ الخالة؟ الوالدة؟ وهناك الجزء الآخر الذي يحجم عن مجرّد التفكير أنه سيخسر أعضاءه حتى بعد الوفاة.
لن يمتنع محمد الحاج عن التبرع بأحد أعضائه «إذا كان المقصود إنقاذ روح، ليش لا». تبدو باسلة شحيتلي أقرب إلى رأي الحاج، ففي نظرها «منح أعضائي بعد موتي لمن يحتاجها أفضل من منحها للدود». تؤمن هذه الفتاة بإنسانيّة ما قد تفعله، كما تؤمن بالشرع «اللي بشوفو بالمنطق». والمنطق هنا يقول «إن إنقاذ حياة ليس محرّماً». لكنّ ثمّة منطقاً آخر، وهو ما تخلص إليه ديانا ساعاتي، إذ تقول هذه الشابة «انه ما رح أنطر شيخ ليفتي لي شو بدي إعمل بعيني، مش أحلى إذا حدا كان مغروم فيّ يضل يشوف عيوني بوجه تاني؟». لكن، مقابل هذا، هناك من يدرس موضوع الوهب من ناحيتين: أولاً دينية ومن ثمّ أخلاقية. فتوفيق السيّد مثلاً يهب أحد أعضائه «إذا كان بالشرع مش حرام، ممكن وقتها أعطي، بس ما بعمل متل الناس اللي بيبيعوا أعضاءهم ليسترزقوا». في وقت سابق، كان توفيق مستعداً لوهب كليته لأحد شباب قريته «تكفيراً عن الزعرنة التي كنت عليها في شبابي»، أما الآن، فهو ملتزم الشرع والأخلاق. لا يهب من دون مراعاة هاتين الناحيتين. لئن كان توفيق مستعداً لهذه الخطوة، لا يبدو محمد صلاح قابلاً للإقدام على هذا الأمر، فهو لم يسأل نفسه يوماً هذا السؤال «ولا أتصور أنني أملك الشجاعة لفعل هذا حتى في وصيتي». أما بالنسبة إلى حسن، فهو لا يقدر على التفكير بهذا الأمر، لأنه لا يتصوّر بكل بساطة أنه سيذهب «لفوق ناقص!». لا أكثر ولا أقل.
عام 2002، توفيت ديالا الصايغ (10 سنوات) بسبب فشل عمليّة زرع إحدى كليتيها. لم يتقبّل جسد الصغيرة الكلية التي «فازت» بها بعد 7 سنوات من معاناتها مع مرض القصور الكلوي، ومعاناة والدتها وشقيقتيها اللواتي حرمن من التبرع لها لعدم تطابق بعض نتائج فحوصهن الطبية مع فحوص الزرع. كان موتها مؤلماً، لكنه لم يكن أكثر إيلاماً من الصعوبة الكامنة في إيجاد متبرّع يتجرّأ على وهب جزء من جسده لأجل حياة آخر.. اللهم إلا إذا توفي أو كان من الأقرباء «اللزم» للمريض. ما عدا ذلك، لن يجد المريض من ينقذه من ألمه، وإن كان التبرع جائزاً من الناحيتين الشرعية والقانونية ولو بشروط قد تصل حدّ «المعجزة» في بعض الأحيان. وهو ما يطرح سؤالاً عن مدى قابليتنا لوهب أعضائنا لطالب حياة، ولو كان مجرد محتاج لا تربطنا به أية صلة؟ قد تبدو الإجابة عن هذا السؤال أنانية بعض الشيء، إذ إن غالبيّة الأشخاص الذين أجابوا بنعم، سرعان ما يقرنون هذه الـ«نعم» بشرط الوفاة، أي بعد وفاتهم سيفعلون ذلك. ومن أجاب بالنفي، فلأن هذا السؤال بالذات لم يخطر في باله يوماً، أو لأنه ملتزم دينياً، فلربّما رفض الدين فعلته واعتبرها «حراماً»، كما تقول رنا الساحلي.
ربما لم تعش رنا الواقع الصعب الذي عاشته سعاد الصايغ وابنتيها، كي تناقش موضوع وهب الأعضاء من الناحية الإنسانية، لا الدينية. هذا الواقع الذي دفع بعائلة الصايغ لاتّخاذ قرار لا رجوع عنه: التوقيع على وثيقة يهبون بموجبها أعضاءهم المسموح بوهبها، وفي أي وقت. أكثر من ذلك، انتسبت الوالدة لجمعية الطفل المصاب بالكلى لمساعدة مرضى الكلى ذوي الدخل المحدود في إجراء الفحوص، إضافة إلى التفتيش عن متبرّعين.
قد يكون استثنائياً ما قامت به تلك العائلة، فكثيرون لا يقدرون على المضي في هذا الاتجاه إلا في أوقات «الحزّة»، كما يقول أكثر من قابلناهم في الشارع. أي عندما يمسّ السوء أقرباءهم.. وما عدا ذلك، فبعد الوفاة. «عندها، فليفعلوا بجسدي ما يحلو لهم»، تقول سميرة لوباني. لكن، من مست المعاناة حياته مباشرة قد يتبرع حتى قبل الموت. وهو ما يمكن أن تفعله فاتنة. لأن الموت طال طفلها الصغير ولم تستطع إيجاد قلب بديل له من قلبه المثقوب. هذه المرأة قادرة على التخلي عن أي شيء في جسدها بشجاعة. تماماً كما الأفلام. كما في أحد الأفلام الذي طرح قضية وهب الأعضاء من الناحية الإنسانية، عندما أعطى الشاب قلبه لفتاة أحبها كانت بحاجة إليه كي تعيش. فهنا أيضاً، الألم مباشر.
إذاً، الحاجة تحكم قدرتنا على التبرع أو عدمه. لكن، بعيداً عنها، تتحكم العقلانية بالبعض عند استعراض هذه الخطوة، فمنهم من يطرحها من «جهة إنقاذ نفس أخرى»، ومنهم من يفكر ملياً بالشخص الذي يمكن أن يأخذ جزءاً من أجسادهم، هل هو قريب؟ وما مدى صلة القرابة؟ الجدة؟ الخالة؟ الوالدة؟ وهناك الجزء الآخر الذي يحجم عن مجرّد التفكير أنه سيخسر أعضاءه حتى بعد الوفاة.
لن يمتنع محمد الحاج عن التبرع بأحد أعضائه «إذا كان المقصود إنقاذ روح، ليش لا». تبدو باسلة شحيتلي أقرب إلى رأي الحاج، ففي نظرها «منح أعضائي بعد موتي لمن يحتاجها أفضل من منحها للدود». تؤمن هذه الفتاة بإنسانيّة ما قد تفعله، كما تؤمن بالشرع «اللي بشوفو بالمنطق». والمنطق هنا يقول «إن إنقاذ حياة ليس محرّماً». لكنّ ثمّة منطقاً آخر، وهو ما تخلص إليه ديانا ساعاتي، إذ تقول هذه الشابة «انه ما رح أنطر شيخ ليفتي لي شو بدي إعمل بعيني، مش أحلى إذا حدا كان مغروم فيّ يضل يشوف عيوني بوجه تاني؟». لكن، مقابل هذا، هناك من يدرس موضوع الوهب من ناحيتين: أولاً دينية ومن ثمّ أخلاقية. فتوفيق السيّد مثلاً يهب أحد أعضائه «إذا كان بالشرع مش حرام، ممكن وقتها أعطي، بس ما بعمل متل الناس اللي بيبيعوا أعضاءهم ليسترزقوا». في وقت سابق، كان توفيق مستعداً لوهب كليته لأحد شباب قريته «تكفيراً عن الزعرنة التي كنت عليها في شبابي»، أما الآن، فهو ملتزم الشرع والأخلاق. لا يهب من دون مراعاة هاتين الناحيتين. لئن كان توفيق مستعداً لهذه الخطوة، لا يبدو محمد صلاح قابلاً للإقدام على هذا الأمر، فهو لم يسأل نفسه يوماً هذا السؤال «ولا أتصور أنني أملك الشجاعة لفعل هذا حتى في وصيتي». أما بالنسبة إلى حسن، فهو لا يقدر على التفكير بهذا الأمر، لأنه لا يتصوّر بكل بساطة أنه سيذهب «لفوق ناقص!». لا أكثر ولا أقل.
أخبار ذات صلة
أسامة سعد في ذكرى «جمول»: لا لسلام الإذعان... ولبنان يحتاج إلى مقاومة ووحدة وطنية
2026-09-16 08:42 م 213
البزري من جسر الأولي إلى المرفأ والكهرباء والنفايات... ملف صيدا ينفجر في مجلس النواب
2026-09-15 05:13 م 231
سعد يسائل الحكومة عن معمل نفايات صيدا: قبل دفع مستحقات IBC، أين حقوق صيدا والمال العام؟
2026-09-15 03:44 م 219
اسامة بئس الحكومة ووزاراتها المختصة وبئس البلدية وأسلافها ….
2026-09-12 05:34 م 219
بهية الحريري تتابع مع رئيس بلدية صيدا ملفات المدينة وتطورات أزمة النفايات
2026-09-12 11:35 ص 245
مش تاركينكن أبدًا"... عون لأهالي النبطية: الدولة كلها حدكن
2026-09-12 10:42 ص 196
إعلانات
إعلانات متنوعة
صيدا نت على الفايسبوك
الوكالة الوطنية للاعلام
انقر على الزر أدناه لزيارة موقع وكالة الأنباء الوطنية:
زيارة الموقع الإلكترونيتابعنا
منتزه الأولي يتلألأ... صيدا ترسم لوحة من الضوء والموسيقى على ضفاف النهر
2026-09-18 05:58 م
عمر مرجان يتحرك بين الناس... من خمسة آلاف صوت بلدي إلى مشروع سياسي نيابي؟
2026-09-15 01:11 م
فعلها الرئيس بري... «صيدا في القلب» تُترجم بـ2.8 مليون دولار
2026-09-12 11:36 ص
هل تنهي بلديات صيدا وشرقها فوضى ألواح الطاقة الشمسية وتبدأ بالترخيص؟
2026-09-10 12:16 م
الحل الأفضل والأسوأ للسوق التجاري في صيدا
2026-09-10 05:59 ص
«التيار» يخسر صيدا... و«القوات» تدخل من بوابة العفو؟

