×

عكاظ بين ذكرى الحريري وواقع المظلومية.. الطائفة السنّية في مواجهة «عنق الزجاجة»

التصنيف: أقلام

2026-02-18  10:18 ص  195

 
كل مقال يعبّر عن رأي كاتبه، ولا يمثّل بأي شكل من الأشكال سياسة الموقع.

 

رامي الخليفة العلي قناة عكاظ على الواتساب

تعيش الطائفة السنّية في لبنان اليوم حالة من الانسداد السياسي التاريخي الذي يمكن وصفه بدقة بأنها في «عنق الزجاجة»، حيث أدّى غياب المرجعية السياسية القوية والمنظمة منذ قرار تعليق العمل السياسي وانكفاء تيار المستقبل عن المشهد إلى إحداث خلل بنيوي عميق في التوازن الوطني اللبناني، خاصة أن النظام اللبناني بطبيعته الفريدة يقوم على أسس المحاصصة الطائفية التي تتطلب وجود رؤوس سياسية وازنة ومؤسساتية لكل مكوّن لضمان صيانة حقوقه وحمايتها من التغول. وفي الوقت الذي تكتسب فيه ذكرى استشهاد الرئيس رفيق الحريري رمزية عاطفية ووطنية كبرى، تبرز حاجة الطائفة الماسة والملحة لاستعادة دورها الريادي وتأكيد حضورها في المعادلة الصعبة، وهو ما تجلى بوضوح في الإشارات الإيجابية الأخيرة التي أطلقها الرئيس سعد الحريري حول إمكانية العودة للمشاركة في الانتخابات والعمل السياسي المباشر، وهي خطوة لا تمثل مجرد عودة شخصية، بل هي بارقة أمل حقيقية لترميم الفراغ الذي استنزف الحضور السنّي وجعله عرضة للتهميش والضياع بين المرجعيات المتعددة التي افتقدت للرؤية الجامعة. إن غياب التيار السياسي المركزي لم يكن مجرد غياب حزبي عابر، بل تحوّل إلى معضلة وجودية شاملة انعكست آثارها السلبية على حياة المواطنين اليومية وعلى قدرة الطائفة على الدفاع عن قضاياها العادلة في المحافل الرسمية، وفي مقدمتها الملفات الأمنية والقضائية الشائكة التي باتت تؤرق آلاف العائلات؛ حيث تعاني شريحة واسعة من أبناء الطائفة من تمييز صارخ وواقع مرير داخل السجون اللبنانية، بوجود مئات المعتقلين الذين يقبعون خلف القضبان لسنوات طويلة دون محاكمات عادلة أو تحت غطاء تهم فضفاضة ومسيّسة أحياناً، في وقت يُلاحظ فيه بوضوح أن بقية اللبنانيين من مكونات أخرى يتم التعامل مع ملفاتهم بمعايير مختلفة تماماً وبمرونة قضائية تفتقدها الساحة السنية. هذا الظلم الواقع على المعتقلين وما يرافقه من شعور عام بالاستهداف الأمني الممنهج يعزز من حالة الاحتقان الشعبي الخطير ويؤكد أن وجود مرجعية سياسية قوية ليس ترفاً أو خياراً ثانوياً، بل هو ضرورة قصوى لوقف التعدي على حقوق المكوّن السنّي وضمان المساواة الفعلية أمام القانون والقضاء بعيداً عن كيديات السلطة.

 

إن استعادة الطائفة لثقلها السياسي والانتخابي عبر عودة الانخراط الفاعل في المؤسسات الدستورية هو السبيل الوحيد والآمن لرفع هذا الغبن التاريخي وتصحيح المسار القضائي والأمني المختل؛ لأن استمرار حالة الفراغ والشتات لا يضعف السنة كطائفة فحسب، بل يهدد وحدة البلاد الكلية وسلامة أراضيها أمام الأخطار المحدقة والمشاريع الإقليمية المتصادمة، ويجعل من لبنان ساحة مكشوفة لتدخلات قد لا تخدم تطلعات شعبه في الحرية والسيادة والعدالة الاجتماعية، ومن هنا تكتسب العودة السياسية المرتقبة للرئيس سعد الحريري أهمية استراتيجية كبرى تتجاوز البعد الانتخابي والتقني لتصل إلى مستوى حماية الهوية الوطنية اللبنانية وصيانة السلم الأهلي المهدد بضغط الاحتقان النفسي والمظلومية المتراكمة، فالتوازن في لبنان لا يستقيم إلا بحضور سني فاعل، قوي، ومنظم يملك القدرة على قول «لا» في وجه التهميش و«نعم» لبناء الدولة العادلة.

ما زلت في دهشة كلما ارتهنت إلى المقاييس الزمنية السابقة لقياس المتغيّرات، لكن غدا واضحاً، لم يعد هناك ثبات اللحظة، ففي كل ثانية ينقلب العالم رأساً على عقب، فالمتغيّرات تتسابق، والقياس مختل إن ارتهنت على قياسك القديم. نعم سبق أن كتبت مقالاً بعنوان (الحركة هناك)، مشيراً إلى أننا نعيش في زمن فائق السرعة حتى أن المقاييس القديمة للحكم على السرعة أو البطء للمجتمعات لم تعد قادرة على القياس، ومع ذلك ما زالت الحركة هي سيدة القياس.

 

فالحركة من أهم مقوّمات الحياة، فالمجتمعات تشكّل تنوعاً بشرياً يخضع لتلك الحركية، فالمجتمعات الثابتة لا يمكن لها التناغم مع المعطيات المستحدثة، كون الثبات هو السكون، وفي تلك الحركة الدائبة لا يمكن لأي جزء من أجزائها أن يكون ثابتاً متخلفاً عن الحركة العامة، فكل مكوّنات تلك المجتمعات تكتسب حركية الحياة ذاتها بحيث تتناغم مع السرعة الواجب إحداثها تشكّلاً مع المتغيّرات الدافعة للسير للأمام، وأي تلكؤ -لأي مجتمع- أو تقاعس يؤثر تأثيراً سلبياً في وجوده بين المجتمعات المتحركة.

 

طرأ في البال جدلية الثابت والمتحرك وأنا أتابع لقاءً مع مسؤول ثقافي عربي يتحدث عن الثوابت الثقافية التي تعتبر حجر الزاوية في قرارات المنشأة التي يترأسها، وأن تلك الثوابت لا مندوح عن الافتراق عنها قيد أنملة، وطال حديثه عن تلك الثوابت التي تجاوزها الزمن والواقع بمعطيات حياتية وثقافية متجدّدة تسخر من تلك الثوابت.

 

الزمن يغيّر ثوابته، ممكن أن تظل تلك الثوابت القديمة محفوظة في الكتب، أو في الذكريات إلا أن سرعة المتغيّر سيمحو الكثير منها؛ ولذا صدقت مقولة علي بن أبي طالب (ربوا أولادكم لزمن غير زمنكم) - المقولة ليست نصية وإنما تعني ذلك المعنى.

 

ومن لم يُربَّ لأزمنة لم تمر بآبائه وأجداده، سيكون الآن في تيه.

 

وفي اعتقادي أن حركيّة الزمن لا تبقي أي شأن من شؤون الحياة في حالة ثبات مطلقاً، فكل مكوّناتها تتحرك دفعة واحدة، فالثوابت تعني الموات لمن يتمسك بها، ومن يريد السير مع حركيّة الحياة عليه تجديد ثوابته، ففي كل فترة زمنية هناك ثابت قابل للتغيّر بما يتناسب مع حركيّة الواقع، فالمعطيات المستحدثة تغيّر أصل كل ثابت، فليس هناك ثوابت تظل جامدة لمئات أو عشرات السنوات، بل يوجد لكل منحى حركة تتلاءم مع واقعها، وهذا لا يعني الاستلاب أو الابتزاز وإنما يعني أن جوهر ما تؤمن به لديه طاقة متجدّدة قادرة على البقاء والنمو عبر كل التشكيلات الزمنية.

 

فالهوية الثقافية أو الدينية ما لم تكن قادرة على الانتقال عبر الزمن، ستكون في المؤخرة مهما ادعينا تناسب تلك الثوابت مع المتغيّرات المتلاحقة التي تحدثها حركية الحياة.

 

ومن يتابع الحركية الفائقة للمملكة يرى أنها قطعت مسافات شاسعة من النمو في جميع المجالات بعكس عمّا كانت عليه، فالقرارات السيادية التي اتخذها الأمير محمد بن سلمان أدّت إلى الانفكاك من الثبات صوب الحركة الفاعلة ذات التصاعد؛ لأن كل نجاح يؤدي إلى نجاح. ونحن- ولله الحمد- نتقدّم بالفعل الحركي الحادث، الذي يستهدف بلوغ المستقبل بأفضل النتائج

أخبار ذات صلة

إعلانات

إعلانات متنوعة

صيدا نت على الفايسبوك

الوكالة الوطنية للاعلام

انقر على الزر أدناه لزيارة موقع وكالة الأنباء الوطنية:

زيارة الموقع الإلكتروني

تابعنا