المستقبل" من تيار الوطن إلى حزب العائلة
التصنيف: أقلام
2026-02-27 10:22 ص 253
كل مقال يعبّر عن رأي كاتبه، ولا يمثّل بأي شكل من الأشكال سياسة الموقع.
عارف العبد المدن
بعد العام 2000، وظهور المعالم والأفعال السياسية الأولى لتيار المستقبل. كتب الزميل جهاد الزين، مقالة في صفحة القضايا في جريدة النهار، اعتبر فيها أن تيار المستقبل بات بمثابة المرادف السياسي والحزبي لحزب الكتائب اللبنانية لدى الطائفة والجماعة السنية. على أساس أن حزب الكتائب، قد لعب دورًا ولفترة طويلة باعتباره الممثل والقائد السياسي للطائفة المارونية.
بعد فترة من نشر المقالة، وأثناء محادثة بين الرئيس رفيق الحريري والزميل الزين، عاتبه قائلاً: "ولو يا جهاد، معقولة الذي كتبته، "أنت عم تشبه تيار المستقبل بحزب الكتائب"؟!
للعلم، فإن قسماً كبيراً من البيئة الإسلامية، وقبل اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وانطلاق انتفاضة الاستقلال، بقيادة قوى 14 آذار وخروج الجيش السوري من لبنان، كانت تنظر إلى حزب الكتائب، وتعتبر أن تجربته الحزبية والسياسية وتأثيرها في السياسة اللبنانية سلبية جداً. بل إن التشبّه بحزب الكتائب ومحيطه آنذاك وقبل جريمة الاغتيال، كان وصمة غير مرحب بها لدى كثر في البيئة الإسلامية، بسبب الأدوار والمواقف التي لعبها الحزب خلال الحرب الأهلية.
قلبت جريمة اغتيال رفيق الحريري، وما تبعها الصفوف، وغيرت ما سمي بثورة الأرز، وما حملته، موازين القوى والمعادلات السياسية التي كانت مسيطرة في لبنان.
اتحد ما سمي بالتيار الاستقلالي الوطني الاسلامي المسيحي، الذي مثله تحالف قوى 14 آذار حول شعارات سياسية وطنية جديدة، جمعت ووحدت ودمجت قوى سياسية لبنانية كانت متباعدة أو متواجهة أو بعيدة عن بعضها البعض نتيجة الحرب الأهلية وما نتج عنها.
باختصار ألغت انتفاضة 14 أذار 2005 الفروق والمسافات، وقربت بين كثر من المسلمين والمسيحيين، الذين تقاربوا والتقوا واتحدوا بقوة حول توجه واحد في مواجهة التدخل السوري والإيراني، تحت شعارات اعتبرت سيادية واستقلالية للمطالبة باستقلال لبنان وابتعاده عن التبعية السورية والسيطرة الإيرانية.
مناسبة هذا الكلام الآن، هي القرارات التي خرج بها الرئيس سعد الحريري، في زيارته الأخيرة الماضية إلى لبنان، والتي تجاوز فيها التوجهات والهيكليات السابقة لتيار المستقبل، عبر تعيين عمته النائبة والوزيرة السابقة بهية الحريري، نائبة له، في موقع رئاسة تيار المستقبل، وتثبيت ابن عمته أحمد؛ أي نجلها، أميناً عاماً للتيار. حيث باتت قيادة التيار محصورة بينه وبين عمته وابنها، وضمن دائرة عائلية واحدة. فيما باتت الوجوه والهيئات القيادية الأخرى، أما خارج التيار أو بحكم الملغاة أو المعلقة وغير الموجودة أو معروفة المصير.
الجدير ذكره، أن حزب الكتائب الذي انزعج الرئيس الشهيد رفيق الحريري، قبل اغتياله من تشبيهه بتيار المستقبل، هو من رفع ولا يزال يرفع شعاراً أساسياً له يقول: "الله، الوطن، العائلة".
وبذلك يكون تيار المستقبل بقيادته الجديدة الحالية، نسخة غير بعيدة عن تركيبة حزب الكتائب، وعن نظرية الأب المؤسس بيار الجميل. الذي اختصر قيادة الطائفة المارونية يوماً، وقادها في مغامرة الحرب الأهلية.
فالرئيس المؤسس والجد بيار، كان من آل الجميل وكبيرهم، وابنه أمين وصل إلى رئاسة الحزب، ومن ثم ابنه بيار، ومن ثم الرئيس الحالي سامي الذي ورث القيادة عن أخيه الشهيد.
الفارق بين آل الجميل وآل الحريري، أن حزب الكتائب شهد رؤساء للحزب من آل كرامي وبقرادوني وسعادة والحاج، وتوزعت مناصبه بين العائلات المسيحية والمارونية والقرى والتجمعات الأخرى. أما تيار المستقبل، فلم يعرف حتى الآن سوى قيادة عائلة واحدة مؤسسة، هي آل الحريري، الذين يستعدون لدخول تجربة جديدة في المرحلة الحالية والمقبلة.
لم يفكر أو يخطط أو يخطر على بال الرئيس الشهيد رفيق الحريري أن عائلته ستعمل في السياسة اللبنانية.
حين انشغل في العمل والمسؤوليات الحكومية في لبنان، كلف نجله سعد أن يهتم ويتابع بدلاً عنه أعماله وأعمال شركته العملاقة والممتدة "سعودي أوجيه" في المملكة العربية السعودية، ومتابعة وصيانة العلاقة مع أمراء العائلة الحاكمة في المملكة، ومع فئة النخبة القيادية المسيطرة والفاعلة فيها.
وكم مرة ومرة، شوهد الشاب سعد في صالون قريطم، عائداً من رحلته السعودية، وإلى جانبه ابن عمته الآخر الشاب اليافع نادر، ليرحب به والده المُنتظر، وينقل إليه سلام كبار القادة في الرياض أو مودعاً له في مشواره.
لم يكن يخطر على بال الشاب المحبوب، والحر والفرح والضحوك أغلب الأحيان، آنذاك، أن القدر المقبل يتربص به وبعائلته شراً، ليرميه في أتون تجربة ماحقة، يضطر فيها إلى أن يصبح مسؤولاً عن ثأر دم أبيه المراق أرضاً، مع رفاقه وعائلته وجماعته وميراثه وتياره وشركاته.
كان الرجل الشاب، يقفز من طائرة إلى أخرى، ومن لهو إلى لهو إلى لهو، إلى أن وجد نفسه من دون إنذار أو توقع، أمام دوي انفجار أطنان من المتفجرات وأصوات ونظرات الآلاف المحبطين والمتلهفين المتشوقين بحثاً عن قائد، والذين إما يطالبون بالثأر أو بالمناصب أو بالحصص والقرارات المصيرية السريعة من غير تحضير أو إعداد أو فسحة للراحة والتقاط الأنفاس.
لم يكن لدى سعد الحريري أي فكرة عن السياسة أو العمل السياسي، أو قيادة جماعة منكوبة أو العمل الحزبي، أو القيادة والمسؤولية الحكومية والإدارية، وعن بلاد معقدة ومركبة ومتداخلة، بشكل غريب وغير مألوف، وتعمل وتعيش خارج القواعد السياسية الطبيعية.
لم يمارس سعد سوى بعض المسؤوليات البسيطة، التي لا تتعدى صيانة العلاقات العامة، ومتابعة استمرار الروابط العميقة والقوية التي نسجها وأقامها والده، وليس لفترة طويلة، في شركاته الممتدة أعمالها من العربية السعودية إلى المغرب والبلدان الأوروبية وأميركا وغيرها من بلدان.
مارس تلك المهام السهلة والسلسة تجاه هياكل بسيطة الانقياد والقيادة، التي كان يمسك بها أبو بهاء ويرعاها ويديرها ولو عن بعد.
وجد سعد الحريري نفسه، على نحوٍ صادم وضاغط، وسط الدموع والدماء والأحزان والمسؤوليات.
تسلم سعد بطلب وإجماع إقليمي وعربي ودولي، ومحلي، وراثة الزعامة والقيادة السياسية لتيار المستقبل، العابر للطوائف والمذاهب والمناطق، الجامع لأغلب تلاوين وطوائف لبنان.
كانت مؤسسات رفيق الحريري الإعلامية والهندسية وغير الهندسية، الكثيرة، جامعة لكل أطياف لبنان. والتي تكاد تكون المؤسسات الوحيدة في لبنان المختلطة ومن دون تمييز أو تفريق بين كل الطوائف والمشارب والاتجاهات، تماماً كما كانت علاقات الرجل المؤسس رفيق الحريري، الذي إذا دخلت إلى صالونه الواسع والمفتوح صباحا، تجد كل أنواع الشخصيات والمناطق بانتظاره، قبل "طلوع الضو" كما يقال في العامية.
كل يحمل مطلبه، أو حاجته أو فكرته، أو خرائطه أو أوراقه لطرحها ونقاشها وعرضها على أبو بهاء، صاحب الأكتاف والمناكب العريضة، والصدر الرحب للاستماع إليها ومتابعتها والاهتمام بها وليس إهمالها.
كل هؤلاء الذين كانوا ينتظرون ويعملون ويلهثون خلف رفيق، باتوا ينتظرون ويتابعون ويطالبون وريثه السياسي سعد، وبإلحاح، بالجواب الفوري عن القضايا المطروحة، والمطلوب حلها.
انعقد المؤتمر التأسيسي الأول لتيار المستقبل، في البيال في 25/7/2010. وقد عين مباشرة ابن عمته الشاب أحمد الحريري أميناً عاماً، كما عين باقي أعضاء المكتب السياسي كلهم من قبل سعد الحريري والحلقة المحيطة والملتصقة به.
الجدير ذكره أن أحمد الحريري، الأمين العام وابن العمة الغض والعديم التجربة الحزبية والسياسية سابقاً آنذاك، كان يمثل في ذلك الحين "جناح الفتوة" في التيار والمحيط العائلي والمديني، ويحيط نفسه بثلة من الشباب الصيداوي المتحمس، تهتف له كيف ما تحرك، ومع كل نقلة، بكلمة: "أحمد، أحمد، أحمد"، على وزن "شيعة، شيعة، شيعة"، كما عاد وظهر في مكان آخر.
من اللحظة الأولى للمؤتمر التأسيسي للتيار، ظهرت عدة شروخ وعاهات واضحة في عمله وجسمه. منسقيات في مواجهة النواب في المناطق، ومكتب سياسي من كل الأصناف والطوائف والطبقات والكفايات، لكن من دون فاعلية أو عمل أو أي تأثير وحتى من دون اجتماعات أو مواقف دورية سياسية.
المكتب السياسي لحزب الكتائب، أو لأي حزب مثلاً، يجتمع بشكل دوري وأسبوعي ويصدر المواقف ويناقش التطورات، إلا تيار المستقبل لا يسمع له صوت إلا مع حضور الرئيس القائد عندما يحضر ويكون متفرغاً.
تنظيم ظهر لسنوات على أنه تيار سياسي متبطل عن العمل، بانتظار القائد الشاب غير المتفرغ والمنصرف إلى مسؤولياته الكبيرة وأعماله وانشغالاته وسفراته خارج لبنان... في مواجهة آلة قتل وتفجير واغتيالات منتشرة ومنظمة لقوى الثامن من آذار، التي تحمل الخناجر والبنادق وترتدي القمصان السود، وتدق أبواب التحدي بالعنف والتهديد كل يوم.
الثقافة السياسية أو الفكرية بين قيادة وأغلب عناصر التيار ومسؤوليه، لم تتجاوز بضع كلمات أو شعارات كمثل: "ما حدا أكبر من بلدو" و"السما زرقا بتساع الكل" و"نحنا التيار أم الصبي" وعند الحشرة ترداد عبارة: "إني أستودع الله سبحانه وتعالى هذا البلد الحبيب لبنان وشعبه الطيب".
كان إسقاط حكومة سعد الحريري، حين كان في واشنطن في اجتماع مع الرئيس باراك أوباما في البيت الأبيض، في 12 كانون الثاني/ يناير 2011 من قبل تحالف حزب الله التيار الوطني الحر، قمة التحدي والتشويق والإثارة والتوتر السياسي والأمني في لبنان، حيث انقلبت كل الموازين مجدداً واندلعت مواجهة طاحنة بين معسكري الرابع عشر والثامن من آذار. وانقلب معها الوضع الاقتصادي مباشرة من نمو اقتصادي، قارب الـ 9 بالمئة إلى انحدار وسقوط حر نحو الصفر وما قبله. بعد أن كانت سبقتها غزوة السابع من أيار 2008 ومؤتمر الدوحة، في ظل غطاء وتفاهم وتحالف مار مخايل بين حزب الله والتيار الوطني الحر.
هذا الاستهداف السياسي والأمني، في أكثر من حادثة، لا يتسع المجال لذكرها، وهي معروفة، حول سعد الحريري وجماعته وتياره إلى رجل مطارد ومستهدف وملاحق، مجبر على البقاء خارج لبنان وإدارة تياره وجماعته عن بعد وبـِ "الروموت كونترول".
هذه التجارب والضغوط حولت سعد الحريري إلى زعامة محبوبة كاسحة مسيطرة عاطفياً، ومتعاطف معها. وحولته إلى رجل مطلوب لكن ضعيفاً ومحاصراً في الوقت عينه.
نجح سعد الحريري في امتحان الزعامة لدى الجماعة والبيئة السنية. اتقن مع شخصيته القريبة والودودة من قلوب الجميع، والإنفاق بسخاء على شركات التسويق والعلاقات العامة، لعبة "السيطرة على العقول".
لكن سعد الناجح في امتحان الزعامة والاستقطاب الشعبي، لم يحقق النجاح نفسه في تجربة إدارة الدولة وتطوير المؤسسات.
استغل سعد الحريري الاستقطاب والحشد العاطفي والشعبي الكاسح من حوله، للذهاب إلى المغامرة الواثقة غير المدروسة في حدها الأقصى، حين دخل من دون ترو أو تعمق أو دراسة أو ضمانات، في ما اسماه "تجربة التسوية الرئاسية" الكارثية المتعجلة مع ميشال عون وتياره الانتقامي المتبرم والطامع في الثأر وتصفية كل من سبق أن وقف بوجهه وعارضه.
فأضاع الحريري فرصته للنجاح، وأطاح التيار العوني أيضاً في فرصته للتسوية التاريخية الناجحة مع المسلمين، التي لطالما عقدها القادة الكبار وانتصروا فيها.
كان ميشال عون يعتبر في أدبياته وتفكيره، الذي أقامه من حوله، أن اتفاق الطائف يشكل نهاية لبنان.
في المقابل، فإن سعد الحريري الذي ورث كل الرصيد السياسي والمالي والعاطفي على كل المستويات اللبنانية والعربية، لم يكن يعرف أو يدرك قيمة الأمانة السياسية والوطنية والتضحيات والأثمان التي دفعت سابقاً، والتي أمسك بها وباتت مسؤولية بين يديه.
ما من داع لاسترجاع واستعراض نتائج ما خلفته التسوية الكارثية على لبنان التي دخل فيها زعيم المستقبل المتوج من دون منازع.
انهيار اقتصادي مالي ومؤسساتي عميق، أطاح بعشرات السنين من التراكم اللبناني القيمي. يضاف إلى كل ذلك قانون انتخاب خطير هدم أسس إمكانية إعادة بناء لبنان وإصلاحه سياسياً، والذي كنا نعرفه... مع تدمير وتشويه علاقاته المحلية والعربية التي ساهمت في وجوده وصعوده.
أمام هذه النتيجة الكارثية، التي وصل إليها زعيم المستقبل المحبوب، لم يجد أمامه إلا العودة إلى الخلية الأولى التي انطلق منها، أي العائلة.
لهذا، فإن تعيين السيدة بهية الحريري نائبة له على رأس تيار المستقبل، يمثل عودة إلى الأصول الثابتة والصلبة. فقد سبق لهذه السيدة أن لعبت دوراً مركزياً إنقاذياً للعائلة الأولى. فحين انفصل الأخ رفيق عن زوجته الأولى نضال بستاني، وارتبط بنازك عودة، لم يكن أمامه وهو المسافر المنصرف إلى عمله المقاول، إلا تسليم شقيقته الوفية الموثوقة عائلياً، بهية، مسؤولية رعاية أولاده بهاء وحسام وسعد.
وهكذا، فإن سعد وأمام المأزق المتسع في كل الاتجاهات، لم يجد حلاً سوى العودة إلى عمته الحاضنة، التي باتت عملياً في مكان والده ووالدته، للاستنجاد بها، لتحمل المسؤولية السياسية والحزبية.
فهل أصاب سعد، أم لم يصب، وماذا ستكون النتيجة السياسية والحزبية؟
أخبار ذات صلة
لجنة الطوارئ … استجابة فلسطينية موحّدة لمواجهة تداعيات الحرب الإسرائيلية على لبنان
2026-03-05 10:47 ص 114
خليل المتبولي : معروف سعد، حين صارت صيدا فكرةً… وصار الاستشهادُ مدينة
2026-02-25 10:18 ص 156
عكاظ بين ذكرى الحريري وواقع المظلومية.. الطائفة السنّية في مواجهة «عنق الزجاجة»
2026-02-18 10:18 ص 195
صيدا: حكاية تحرير وعنفوان (١٦ شباط ١٩٨٥)
2026-02-16 03:28 م 128
محمد راجي البساط يستذكر الذكرى الاليمة الحادية والعشرين لفقيد الدولة والوطن
2026-02-13 09:46 ص 205
إعلانات
إعلانات متنوعة
صيدا نت على الفايسبوك
الوكالة الوطنية للاعلام
انقر على الزر أدناه لزيارة موقع وكالة الأنباء الوطنية:
زيارة الموقع الإلكترونيتابعنا
رمضان في ساحة النجمة… فانوس البلدية بين الإشادة وعتب المتبرعين
2026-02-18 05:57 ص
تحليل المشهد الانتخابي في صيدا بعد خطاب دولة سعد الحريري
2026-02-14 09:42 م
٤٥ عاماً في مهنة الإعلام… شهادة حق من صيدا نت : لم يُهدر دمي من هؤلاء بمدينة

