أحمد دنش "أبو العز": رجلٌ من طينة الجنوب.. رحل وبقي أثره
التصنيف: وفيات
2026-10-19 09:26 م 67
هيثم زعيتر:
غَيَّب الموت أحمد حسن دنش "أبو العز" (عن عمر يناهز 62 عاماً)، مساء يوم الأحد في 18 تشرين الأول/أكتوبر 2026، بعد مُعاناة مع مرضٍ عضال، أنهك جسده، لكنه لم ينل من عزيمته، ولا من إيمانه بقضاء الله وقدره، حتى أيامه الأخيرة.
رحل ابن بلدة الغازية، التي تشبه أهلها بطيبتهم، كرمهم وأصالتهم، تاركاً خلفه سيرةً عطرةً، تختصر حكاية رجلٍ عاش للناس، وآمن بأن قيمة الإنسان لا تُقاس بما يملك، بل بما يُقدّمه للآخرين، وبما يتركه من أثرٍ طيب في حياتهم.
تربّى "أبو العز" في كنف عائلة الحاجين حسن ونجمة، اللذين غرسا فيه، مع أشقائه علي، المُهندس محمد والدكتور عباس، مُنذ الصغر، قيم حبّ الآخرين، مدّ يد العون إلى المُحتاجين، الإيمان بأن الخير مسؤولية، وأن الوقوف إلى جانب الناس، واجب لا ينتظر مُقابلاً، فكانت الطيبة، التواضع ومُساعدة الناس، من أبرز السمات التي ميّزتهم، وشهد لهم بها كل من عرفهم عن قرب.
عرفتُ "أبو العز" مُنذ أكثر من 4 عقود، يوم كانت الرياضة تجمعنا في الغازية، صيدا والجنوب، حين، كانت الملاعب مساحةً للتعارف والمحبة، ومُنطلقاً لبناء العلاقات، التي تتجاوز حدود المُنافسة، إلى رحاب الصداقة والوفاء.
مُنذ تلك الأيام، لم يكن مُجرد رياضي أو إداري، بل كان واحداً من أولئك الذين يحملون همّ الرياضة، ويُؤمنون بدورها في بناء الإنسان وتعزيز الروابط بين أبناء المُجتمع.
لقد شكّلت الرياضة بالنسبة إليه، أكثر من هواية أو موقع، فكانت مساحةً للعمل والعطاء، وسيلةً لتقريب الناس بعضهم من بعض، وتعزيز روح الانتماء إلى لبنان، فترأّس "نادي الشباب الرياضي" - الغازية، وعمل على صعوده إلى مصاف أندية الدرجة الأولى بكرة القدم.
كما كان من أركان "نادي الأنصار الرياضي"، حيث شغل منصب عضوية مجلس إدارته، مُواكباً مسيرته وإنجازاته، التي تجاوزت الرياضة اللبنانية.
كذلك، كان من العاملين على تطوير الرياضة، خاصة لعبة كرة القدم، ومُتابعة شؤونها على مُستويات عدة، وحضوره في العمل الإداري الرياضي، وتأسيسه "الاتحاد اللبناني للميني فوتبول"، في العام 2016، ورئاسته مُنذ ذلك الحين، وصولاً إلى تولي رئاسة الاتحادين العربي والآسيوي لـ"الميني فوتبول".
لكن، حكاية "أبو العز" لم تتوقف عند حدود الرياضة، ولم تحصر اهتماماته في الملاعب ومُؤسساتها، فقد كان الجنوب، بأهله، قراه وبلداته، حاضراً في وجدانه، وكانت التنمية بالنسبة إليه، عملاً يومياً، يتجاوز الشعارات إلى المشاريع، التي تُلامس حياة الناس وتُلبّي احتياجاتهم.
على مدى عقود، واكب مسيرة التنمية في الجنوب، التي أطلقها الرئيس نبيه بري، وساهم في مُتابعة المشاريع والأعمال، التي نفّذتها "شركة دنش"، من خلال مجلس الإنماء والإعمار ومجلس الجنوب، وهيئات محلية، عربية ودولية.
لم تكن هذه المشاريع مُجرّد أعمال إنشائية أو بنى تحتية، بل كانت جزءاً من مسارٍ أوسع، هدفه تثبيت الناس في أرضهم، تعزيز مُقومات صمودهم، وتوفير أسباب الحياة الكريمة لهم، في منطقةٍ، عرفت حروب واعتداءات قوات الاحتلال الإسرائيلي، لكنها لم تتخلَّ عن إرادة الحياة.
من الغازية، مُروراً بمدينة صيدا ومُحيطها ومخيم عين الحلوة، وصولاً إلى بلدات الجنوب وقراه، امتدّت بصمات العمل الذي واكبه "أبو العز"، في مشاريع شملت البنى التحتية، حفر آبار المياه، إنشاء الخزانات، والمُساهمة في بناء المدارس، المساجد، الحسينيات والكنائس، وغيرها من المرافق، التي يحتاج إليها الناس في حياتهم اليومية.
لقد كانت هذه المشاريع، التي أطلقها الرئيس بري، في جوهرها، أكثر من حجارة، إسمنت وشبكات مياه، بل كانت مُحاولةً لترسيخ الحياة الطبيعية في الجنوب، توفير الحد الأدنى من الاستقرار، وفتح نافذة أمل أمام العائلات، التي واجهت ظروفاً قاسية، لا سيما في المناطق، التي عانت طويلاً من العدوان الإسرائيلي المُتواصل وتداعياته.
كان يعرف أن الجنوب ليس مُجرد مساحة على الخريطة، بل هو حكاية ناسٍ مُتجذرين في أرضهم، يتمسكون ببيوتهم، ذكرياتهم وأحلامهم، مهما اشتدّت عليهم المحن، لذلك، كان العمل في مشاريع التنمية، بالنسبة إليه، امتداداً طبيعياً، لانتمائه إلى هذه الأرض، وإحساسه بالمسؤولية تجاه أهلها.
وفي مخيم عين الحلوة، حيث تتشابك مُعاناة اللجوء الفلسطيني مع أعباء الحياة اليومية، لم يكن مع عائلته، بعيدين عن الاحتياجات الإنسانية والخدماتية، والحضور بالعمل والمُساعدة في مجالات مُتعددة، إيماناً، بأن الإنسان يستحق أن يعيش بكرامة، وأن واجب الوقوف إلى جانبه، لا تحدّه الجغرافيا ولا تُفرّقه الظروف، ولا الجنسية أو الطائفة.
اليوم، فيما يُودّع "أبو العز" الحياة، يتعرّض الجنوب الذي عرفه، عمل فيه، وشهد على نشاطه، لعدوانٍ مُتواصل من المُحتل الإسرائيلي، يُعيد إلى الواجهة مشاهد الدمار التي عرفتها المنطقة مراراً، ومرةً جديدة، تستهدف سياسة الأرض المحروقة، البيوت، المرافق والبنى التحتية، وتطال ما بني بالعرق والصبر، وما ساهمت الأيدي العاملة، في تشييده على مدى سنوات طويلة.
كم هو مُوجع أن يرحل، من أفنى جانباً كبيراً من حياته، في العمل والبناء، فيما لا تزال الأرض التي أحبّها، تُواجه مُحاولات التدمير والاقتلاع.
كم هو قاسٍ، أن يغيب من آمن، بأن إعادة إعمار الجنوب ليست مُجرد ورشة عمل، بل هي دفاع عن حق الناس في البقاء، الحياة، الأمل والمُستقبل.
غير أن ما يتركه الإنسان من أثر، لا تمحوه الحروب، ولا تستطيع آلة الدمار أن تنتزعه من ذاكرة الناس.
فالمباني قد تُدمَّر، الطرقات قد تتضرر، والمرافق قد تحتاج إلى إعادة بناء، لكن القيم التي يزرعها الإنسان في نفوس أبنائه، والمحبة التي يتركها في قلوب من عرفوه، تبقى أكثر رسوخاً من الحجر.
هذا ما حرص "أبو العز" على غرسه في أسرته، وما عمل على نقله إلى أبنائه عز الدين، المُهندس مجد ويزن، بمُشاركة زوجته ماجدة، التي رافقته في مسيرة الحياة، وتقاسمت معه مسؤولية الأسرة وأعباء الأيام، أفراحها وأحزانها.
لقد كان البيت بالنسبة إليه، امتداداً للقيم، التي حملها خارج جدرانه، بيتاً يقوم على المحبة، التماسك والوفاء، على تربية الأبناء باحترام الناس، مُساعدة المُحتاج، والتمسك بالأرض والجذور.
هي القيم التي ستبقى حاضرةً في أبنائه، شاهدةً على أن الإنسان، يستطيع أن يُواصل حضوره في الحياة، من خلال ما يزرعه في نفوس الذين يتركونه خلفهم.
لعلّ أكثر ما يُعبّر عن شخصية "أبو العز"، تلك الصورة التي بقيت في ذاكرتي، خلال اللقاء به، قبل أشهر قليلة، أثناء تلقيه العلاج في "مُستشفى الجامعة الأميركية" - بيروت، بعدما أُصيب بمرض عضال، بعد خضوعه لعملية جراحية.
فعلى الرغم من قسوة المرض وثقل المُعاناة، ظلّ مُتماسكاً، مُؤمناً بقضاء الله وقدره، يستمد من إيمانه قوةً لمُواجهة الألم، ويحرص على أن يبعث الطمأنينة في نفوس الآخرين، بدلاً من أن يُحمّلهم أوجاعه.
كان في لحظاته الصعبة، مثالاً للصبر والرضا، وكأنّه يختصر في هدوئه وتماسكه، ما عاشه طوال حياته من إيمانٍ، بأن الإنسان لا يملك كل شيء، لكنه يستطيع أن يختار كيف يُواجه ما كُتب له، ويُحافظ على كرامته وطيبته، حتى في أقسى الظروف.
هكذا، يترجّل "أبو العز" عن صهوة الحياة، تاركاً وراءه ذكرياتٍ تمتد لعقود عدة، وجوهاً عرفته في ميادين الرياضة، أخرى، التقت به في ورش العمل ومشاريع التنمية، وأناساً وجدوا فيه سنداً، أو مُساعدةً أو موقفاً طيباً، في وقت الحاجة.
يرحل أحمد حسن دنش، لكن الغازية لن تنسى ابنها الذي حمل من اسمها وطيبة أهلها الكثير، والجنوب سيحتفظ بذكرى رجلٍ ساهم في مسيرة العمل والبناء، والرياضة ستذكره واحداً من الذين واكبوا مسيرتها، فيما ستبقى عائلته تحمل اسمه وقيمه، وتُواصل ما غرسه فيها من محبةٍ وعطاء.
رحم الله "أبا العز" رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جنانه، وجزاه عن كل ما قدّمه لأهله وناسه ووطنه خير الجزاء، وألهم زوجته أسرته وأفراد عائلته، وأهل بلدته الغازية، وأصدقاءه ورفاق دربه، والأسرة الرياضية، وكل من عرفه وأحبّه، جميل الصبر والسلوان.
قد يغيب الجسد، الذي ووري الثرى في مسقط رأسه بلدة الغازية، بمُشاركة حاشدة، لكن سيرة الطيبين لا تغيب، وقد يرحل الإنسان عن هذه الدنيا، لكن أثره يبقى في القلوب، وفي كل يدٍ امتدت بالعطاء، وفي كل مشروعٍ حمل أملاً، وفي كل إنسانٍ تركت فيه كلمة طيبة أو مُساعدة صادقة ذكرى لا تموت.
يرحل العزيز "أبو العز"، مُقترناً بالعز، الذي كرسه في حياته، وسيبقى الجنوب الذي أحببه شاهداً على مسيرته، وستبقى الغازية تحفظ له مكاناً في قلبها، وستبقى المحبة التي زرعها في أبنائه، وفي نفوس الناس، أمانةً تُواصل الحياة من بعده، برعاية واحتضان المُهندس الحاج محمد دنش والعائلة.
أخبار ذات صلة
دار محمد دنش غصّت بالمعزّين بوفاة شقيقه أحمد دنش «أبو العز»
2026-10-19 07:11 م 111
القنصل د. حامد أبو ظهر يعزّي المهندس محمد دنش بوفاة شقيقه أحمد «أبو العز»
2026-10-19 06:08 ص 105
آل دنش وبلدة الغازية ينعون فقيدهم الغالي أحمد حسن دنش (أبو العز)
2026-10-18 10:09 م 311
بهية الحريري ممثلة الرئيس سعد الحريري تعزي فيصل كرامي بوفاة صهره
2026-10-14 06:11 م 215
*ذكرى ثالث المرحوم نورالدين سامي زعيتر في مخيم عين الحلوة بحضور حشد من الفاعليات*
2026-10-01 09:30 م 434
أبو مرعي يعزّي مفتي زحلة والبقاع بوفاة والده في بلدة غزة
2026-09-04 02:48 م 759
إعلانات
إعلانات متنوعة
صيدا نت على الفايسبوك
الوكالة الوطنية للاعلام
انقر على الزر أدناه لزيارة موقع وكالة الأنباء الوطنية:
زيارة الموقع الإلكترونيتابعنا
البقاعي:في عيد المدير... القيادة الحقيقية روح تضامن وشراكة
2026-10-17 06:02 م
"نبض البلد" بين وعود الأمس وفشل اليوم...
2026-10-14 02:35 م
حسن غملوش: «بايلاند» نقلة نوعية في السياحة والمطاعم... وصيدا تستحق الأفضل
2026-10-11 09:35 م
تطوير الخطباء… ولكن من يحاسب من لا يلتزم بقرارات دار الفتوى؟
2026-10-08 07:34 م
المصيبة جمعت سعد والبزري... من جبل النفايات ما هي الرسالة؟
2026-10-08 05:59 ص
صيدا إلى متى؟ بيانات وسجالات والمدينة تدفع الثمن
2026-10-07 09:56 ص
الخصومة السياسية في صيدا... وتربية تجمع الخصوم: فمن يضحك على من؟
2026-10-04 09:52 م
نور العين لا يُقدّر بثمن... مبادرة عامر معطي من أجل أهل صيدا

