×

الربيع العربي فاتورة ثقيلة.. وآفاق مفتوحة محفوفة بالمخاطر

التصنيف: سياسة

2012-01-10  09:37 م  1489

 

 

تتفاوت التقديرات في شأن الفاتورة الاقتصادية للربيع العربي وتتراوح الخسائر حسب دراسات وتصريحات مختلفة ما بين 75 و100 مليار دولار حتى بداية العام الحالي، إضافة إلى ارتفاع نسبة البطالة إلى مستويات قياسية، وينذر الضرر الكبير الذي لحق بالبنية التحتية وتراجع الإنتاج والسياحة مع استمرار الاضطرابات في بعض البلدان وعدم استقرار الحياة السياسية في بلدان أخرى إلى رفع الكلفة وتباطؤ التعافي الاقتصادي.
ولعل ما يزيد من الفاتورة الاقتصادية في العام المقبل التوقعات بتعمق أزمة الديون الأوروبية، وأزمة الاقتصاد الأمريكي ما ينعكس سلباً على البلدان العربية التي شهدت حراكاً شعبيا لإسقاط الأنظمة نظراً لتراجع الاستهلاك، وحركة السياحة وتعقيد آليات الحصول على مساعدات وقروض.
وأدى الربيع العربي إلى تعطل المشروعات وانسحاب معظم المستثمرين الأجانب، فقد انخفض حجم الاستثمارات الأجنبية في المنطقة العربية حسب خبراء مصرفيين بنحو 83 في المئة إلى أقل من 5 مليارات دولار، وتباطأت دورة الإنتاج في عدد من البلدان في شكل ملموس ما أثر في حجم الصادرات، وتراجعت السياحة إلى أدنى مستوياتها منذ سنوات، وتدنت نسبة الإشغال الفندقي في بعض الأوقات إلى أقل من 10 في المئة، ما تسبب في إغلاق بعض الفنادق والمطاعم، وارتفاع البطالة ونقص حاد في الوارد من العملات الأجنبية، إضافة إلى الضرر في القطاعات المعتمدة على السياحة مثل الطيران والعقارات وقطاع الخدمات. ومن غير المتوقع أن تحقق اقتصادات بلدان الربيع العربي نموا اقتصاديا كبيراً في العام الحالي وربما ازدادت الأمور سوءا في حال ظهور احتجاجات واعتصامات من قطاعات إنتاجية معينة والشرائح الفقيرة والمهمشة التي تأمل في نتائج سريعة لتحسين أوضاعها، أو تطور الأمور سلبياً في سورية وانزلاقها إلى حرب أهلية.
وهو ما يعطل جهود جذب الاستثمارات من جديد، وتواجه هذه البلدان تراجعا كبيرا في الاحتياطات النقدية ما يشكل ضغطا على العملات الوطنية وتمويل العجز في الموازنات، وتغيير التصنيف الائتماني لها.
وتشير إحصاءات رسمية إلى ارتفاع نسبة البطالة في البلدان العربية عموما إلى 18 في المئة، أي ما يعادل 17 مليون شخص قادر على العمل جلهم من الشباب والخريجين الجامعيين.
تونس .. خطوات واثقة والمطلوب تنمية جهوية متوازنة
كالت المؤسسات الدولية المختصة المديح للاقتصاد التونسي في السنوات الأخيرة، وحل في مراتب متقدمة من حيث المناخ الاستثماري وامكانية فتح الأعمال، وحقق معدلات نمو معقولة في ظل محدودية الموارد الطبيعية، لكن هذا الاقتصاد عانى مشكلات بنائية في اعتماده على السياحة وعدم صوغ سياسة تنموية جهوية متوازنة إضافة إلى بروز طبقة من المحيطين بالرئيس السابق زين العابدين بن علي وزوجته يمسكون بأهم مناحي الاقتصاد.
ويبلغ حجم الاقتصاد التونسي (44.29) مليار دولار، ويصل عدد العاطلين عن العمل إلى 13 في المئة من حجم القوة العاملة، وتشير البيانات الأولية إلى أن الاقتصاد التونسي نما في حدود (0,2) في المئة في العام 2011، وقبل اندلاع الثورة توقعت المؤسسات البحثية أن يبلغ النمو الاقتصادي نحو (5,4) في المئة، بعجز موازنة لا يتجاوز (2,5) في المئة، ونسبة دين عام في حدود 40 في المئة وهي مؤشرات تتمناها حكومات كثيرة في العالم.
ثورة في الداخل وإقليم مضطرب والشريك الأول في أزمة
وعانى الاقتصاد التونسي من تأثيرات الثورة، والآثار الجانبية للصراع الطويل في ليبيا، وانعكاسات أزمة الديون السيادية في الاتحاد الأوروبي الذي يعتبر الشريك الاقتصادي الأول بنحو 80 في المئة. وفي العام الماضي تراجعت السياحة إلى النصف، مما حرم البلد من مصدر مهم للنقد الأجنبي، وتقلصت الاستثمارات الأجنبية المباشرة بنحو الخُمس، وأغلق العديد من المصانع أبوابها، ومما فاقم الأوضاع سوءا الوضع الإقليمي المضطرب والذي أدى إلى ارتفاع أعداد العاطلين عن العمل من 500 إلى 700 ألف عامل مع فرار العمال من ليبيا لتصل البطالة على 17 في المئة. وساهمت كل هذه العوامل في زيادة عجز الموازنة، وتخفيض التصنيف السيادي وتسببه في ارتفاع كلفة الحصول على قروض.
وقف الانهيار وآفاق مستقبلية واعدة...
لكن الاستقرار السياسي النسبي وقصر الفترة الانتقالية ساهما في دعم جهود الحكومة المؤقتة التي قادها الباجي قايد السبسي ونجاحها في منع الاقتصاد من الانهيار، والحفاظ على مستوى جيد من احتياطات النقد الأجنبي، والسيطرة على التضخم. ما قلص الخسائر المباشرة لثورة الياسمين التي وصلت إلى (3,52) مليار دولار، وحدَّ من انعكاسات الأزمة الليبية والديون الأوروبية على تونس. وتجمع المؤسسات البحثية وخبراء الاقتصاد على أن الاقتصاد التونسي في العام الحالي سوف يتعافى من معظم الآثار السلبية للثورة وأنه يمكن أن يحقق نمواً قد يصل إلى أكثر من 9 في المئة. في حال استطاعت الحكومة تعزيز الأمن، وإيجاد فرص عمل، ودعم النشاط الاقتصادي، وتيسير الحصول على تمويل، وتعزيز التنمية الإقليمية، وتقديم مساعدات اجتماعية هادفة، إضافة إلى تبني حوافز ضريبية ومالية لدعم الاقتصاد الوطني. وصوغ استراتيجية ترتكز إلى حفز عمل القطاع الخاص وتعزيز قدرته التنافسية، وتوجيه الاقتصاد إلى القطاعات ذات القيمة المضافة المرتفعة، واتباع سياسة ضريبية واجتماعية تزيل تشوهات المرحلة السابقة ، ولعل الأهم هو بلورة إستراتيجية شاملة للتنمية الجهوية المتوازنة.
مصر.... استمرار الاضطرابات ينذر بكارثة اقتصادية
تأثر الاقتصاد المصري كثيرا في العام الماضي، وأصيب قطاع السياحة والقطاعات المرتبطة به بشلل شبه تام، وتراجع عدد السياح إلى بلد الأهرامات والشواطئ الدافئة على البحرين الأحمر والمتوسط إلى بضع مئات الألوف من نحو 14 مليوناً في عام 2010، ما حرم اقتصاد البلاد من أهم مصدر للدخل، وتضرر قطاع البناء والتشييد كثيراً نتيجة أحداث ثورة 25 يناير وما تلاها، وتراجع إنتاج الحديد والصلب بنحو 40 في المئة، وهوى حجم الاستثمار الأجنبي المباشر بنحو 93 في المئة إلى 376 مليون دولار.
وانخفض احتياطي مصر من العملات الأجنبية إلى أقل من النصف مع نهاية العام الماضي إلى (18,1) مليار دولار من 37 ملياراً في بداية الأزمة، وهو احتياطي يغطي بالكاد واردات البلاد لثلاثة أشهر، ما يهدد بشبح الانهيار الاقتصادي. وفقدت سوق الأوراق المالية المصرية نحو نصف قيمتها السوقية إثر حملة بيع محمومة من قبل المستثمرين الأجانب وتجاوزت خسائر البورصة ثمانية مليارات دولار، وناهز عجز الموازنة 161 مليار دولار.
ونتيجة للوضع الاقتصادي المتردي، وعدم وضوح المستقبل السياسي خفضت وكالات التصنيف الائتماني تصنيف مصر عدة مرات مع نظرة مستقبلية سلبية. واتسمت السياسة المالية بالاضطراب نتيجة للمظاهرات الفئوية التي عمت الشوارع والساحات بعد نجاح الثورة. ورغم سيل السلبيات فقد حافظت الحكومات الانتقالية على سعر صرف الجنية من الانهيار الكبير.
وبلغ حجم الاقتصاد المصري في نهاية العام 2010 نحو 217 مليار دولار، ويعتمد أساساً علي الاستثمارات الخارجية والسياحة وإيرادات قناة السويس وتحويلات العاملين المصريين في الخارج، ويواجه تحديات ضخمة في مقدمها اتساع رقعة الفقر وزيادة التضخم وارتفاع البطالة التي ازدادت في العام الماضي مع توقف السياحة والقطاعات المرتبطة بها، وإغلاق عدد من المصانع، إضافة إلى عودة عشرات ألوف المصريين من ليبيا، ويقدر خبراء فاتورة مصر من خسائر نتيجة الربيع العربي بما بين 10 و15 مليار دولار. ولعل ما يزيد المخاوف من مستقبل الاقتصاد المصري ضعف قدرته التنافسية عالمياً.
ورغم صعوبة أوضاع الاقتصاد المصري فإن خبراء يعتبرون أن مهمة الإصلاح ليست مستحيلة لكنها تحتاج إلى خطوات جريئة، وإصلاحات جذرية تتضمن الاستغلال الأمثل للموارد البشرية المعطلة، وحفز السياحة وقطاعات الصناعة المختلفة، وفي مقابل تقلص حجم الاقتصاد في العام الماضي فإن التوقعات تشير إلى إمكانية تحقيق نمو في العام الحالي لكنه لن يكون مثل معدلات النمو التي سبقت الثورة وبلغت (5,5) في المئة في سنة حكم مبارك الأخيرة.
سورية.. خسائر بالغة يعمقها الحصار الاقتصادي
وإذا كانت تونس دفعت أقل الأثمان نتيجة الثورة، فإن سورية دفعت أكبر فاتورة حتى الآن وتقترب حسب خبراء من 30 مليار دولار، ومن الممكن أن ترتفع جراء استمرار الأزمة، وتصاعد نهج العقوبات الاقتصادية العربية والدولية، وفيما فتحت العلاقات التجارية مع العراق نافذة أمل لتجاوز وطأة العقوبات، لعبت السياسة الاقتصادية والنقدية في البلاد دورا كبيراً في خلق أزمات جديدة.
الاقتصاد السوري قبل الأزمة...
بلغ الناتج المحلي الإجمالي لسورية (59.3) مليار دولار حسب بيانات العام 2010 بالأسعار الجارية، وحقق الاقتصاد السوري نمواً جيدا في السنوات الأخيرة تجاوز ستة في المئة ، ويساهم قطاع السياحة والخدمات بنصيب الأسد في القيمة المضافة للاقتصاد بحصة تصل إلى 46 في المئة، يليه القطاع النفطي والصناعة بنحو 33 في المئة ثم الزراعة بأكثر من عشرين في المئة. ويتسم الاقتصاد السوري بتنوع موارده ومصادر دخله.
وتقدر احتياطات البلاد من النقد الأجنبي بزهاء ( 17.6 ) مليار، وتصل نسبة البطالة في سوريا وفق بيانات العام 2009 إلى نحو 9.2 في المئة، ويقدّر عدد العاطلين بنحو 594 ألف عاطل. عقوبات متصاعدة تصل إلى إعلان "حرب اقتصادية".
ومع عدم رغبة واستعداد أوروبا والولايات المتحدة للتدخل عسكريا في سورية بدأت في مرحلة مبكرة مخاطر فرض عقوبات اقتصادية على النظام اتخذت منحى تصاعديا وهدفت بداية إلى حرمان الاقتصاد السوري من بيع النفط الذي يشكل نحو ربع موارد الموازنة عبر وقف أوروبا استيراد النفط السوري، ووقف الاستثمار فيه ما أدى إلى تراجع الإنتاج. وأوقفت أوروبا التعامل مع عدد من الشركات والمصارف وتجميد أرصدة لأفراد ومؤسسات، لكن الضربة الأكبر كانت القرار العربي بوقف التعامل مع المصرف المركزي السوري وهو ما وصفه وزير الخارجية وليد المعلم بأنه إعلان حرب اقتصادية، وقبلها حذر الرئيس بشار الأسد في أحد خطاباته في يونيو/حزيران الماضي من أن أكثر الأمور التي يمكن أن تواجهها دمشق خطورة هو ضعف أو انهيار الاقتصاد السوري، ورغم أن الخطاب جاء قبل أشهر من العقوبات العربية وتصعيد العقوبات الأوروبية والأمريكية، وفرض العقوبات التركية فإنه كان يرتكز إلى مؤشرات ضعف اقتصادي بدأت مع زيادة تهريب الأموال إلى المصارف اللبنانية والأردنية والتركية، إضافة إلى الخوف من ان تتفاعل الأزمة داخليا بزيادة النقمة الشعبية مع تراجع مستوى الحياة وفقدان بعض أنواع السلع.
ويزيد الحصار من متاعب الاقتصاد السوري المتمثلة في البطالة المرتفعة نسبياً، والتي ارتفعت كثيرا مع وقف الإنتاج في عدد كبير من المصانع والمؤسسات وتسريح عدد كبير من العمال ووصلت حسب بعض الإحصاءات إلى أكثر من ثلاثين في المئة، ويعاني الاقتصاد من سوء الإدارة والفساد، والتضخم، إضافة إلى تأثر القطاع الزراعي كثيرا جراء موجات الجفاف التي ضربت البلاد في السنوات الأخيرة.
ومنذ الأشهر الأولى للأزمة تأثر القطاع السياحي وبدت الفنادق فارغة في سورية وبدأت الشركات السياحية بإلغاء الحجوزات ما ألحق ضررا كبيرا بالقطاع الذي يشكل أكثر من 12 في المئة من الاقتصاد السوري ويدر مع القطاعات الملحقة به أكثر من ثمانية مليارات دولار سنوياً.
فوضى قرارات وسوء إدارة الأزمة يعمق الأزمة
ورغم أن الاقتصاد السوري يوصف دوما بالتنوع والقدرة على الصمود في وجه الحصار والعقوبات التي ألفها في ثمانينات القرن الماضي، إلا أن القرارات الحكومية تسببت في مشكلات إضافية عمقت الأزمة مثل تقلص احتياطات النقد الأجنبي بعد محاولات مصرف سورية المركزي ضبط سعر صرف الليرة عبر طرح مزادات لبيع العملة الأجنبية لم تؤد إلى النتيجة المطلوبة بل ساهمت في زيادة ثروة تجار الأزمات، ووصل سعر الصرف إلى حدود 60 ليرة للدولار أي أن العملة الوطنية فقدت ربع قيمتها في الأشهر الأخيرة. وكان الأجدى حسب خبراء توجيه تلك المبالغ من أجل دعم المنتج الوطني والسوق الداخلية.
كما أدى قرار وقف الاستيراد إلى ارتفاع الأسعار واحتكارها قبل التراجع عنه لاحقاً كما كان لإيقاف العمل باتفاقية التجارة الحرة مع تركيا، وما تبعها ن توقف الشاحنات السورية المتوجهة إلى تركيا وبالعكس الأثر ذاته.
وربما يجد الاقتصاد السوري في السوق العراقية منقذا من العقوبات فحسب البيانات الحكومية تضاعف حجم التصدير إلى العراق بنحو مرة ونصف المرة، وعاودت بعض المصانع العمل بطاقة كاملة، لكن جهود تنويع الأسواق نحو الشرق وإيران مازالت تصطدم بصعوبات كثيرة أهمها بعد هذه الأسواق، وضعف التبادل التجاري معها وارتباط سورية بمحيطها العربي القريب وتركيا الحدودية، ويبدو أن دعوة مصرف سورية للتوجه إلى المصارف الروسية لتغطية خطابات الائتمان لا تعتبر حلا ناجعا ذلك أن حجم التجارة ضئيل ويقلل من فاعلية وسرعة هذه الدعوة.
ضبابية المستقبل.. وشظايا تمتد إلى بلدان المنطقة...
مع تأزم الأوضاع الاقتصادية في سورية والغلاء الكبير وظهور الاحتكار وأزمة المحروقات وغاز الطهي المنزلي، وتآكل الزيادات التي قدمت لموظفي القطاع العام إضافة إلى تراجع مستوى الأمن يبرز احتمالان أولهما مشاركة أوسع ما يسمى "الأغلبية الصامتة" في الاحتجاجات ضد نظام الحكم ومعها تزداد حدة الأزمة الاقتصادية في حال الانتقال إلى إضرابات أوسع أو عصيان مدني وهو ما يرفع ثمن الربيع الذي توقف منذ أشهر على أبواب دمشق وحلب، أو تراجع الاحتجاجات بسبب ضعف الموارد، لكن السيناريو الأسوأ هو تحول الاحتجاجات إلى حرب أهلية مما ينعكس سلباً على الأوضاع المحلية ويتسبب بآثار سلبية على الاقتصاد العربي لأن الصراع لا بد وأن يجذب أطرافاً عربية وإقليمية ويتسبب في شل المنطقة اقتصادياً، خصوصا مع احتمال أن تلجأ إيران إلى إغلاق مضيق هرمز، أو خوض نشوب حرب مع إسرائيل من قبل النظام أو عبر حزب الله في لبنان.
اليمن على حافة كارثة إنسانية....
عادة ما يصنف اليمن على أنه واحد من أفقر البلدان العربية، وأكثرها فساداً . فحسب البيانات التي سبقت الثورة في نهاية العام 2010 بلغ الناتج المحلي الإجمالي (64,4) مليار دولار، وتجاوزت نسبة اليمنيين الذين يعيشون تحت خط الفقر نسبة أكثر من 45 في المئة، فيما وصلت البطالة الرسمية إلى 15 في المئة من حجم القوى العاملة، رغم ازدياد إنتاج النفط وإطلاق مشروعات الغاز المسيل وتحسن السياحة في السنوات الأخيرة وتحقيق معدلات نمو معقولة في السنوات الأخيرة وصل في العام الماضي إلى 10 في المئة، وأثرت الاحداث في الوضع كثيرا فقد عطلت الاحتجاجات والاضطرابات معظم النشاطات الاقتصادية وأصابتها بالشلل التام، وخصوصا في قطاعي النفط والغاز والسياحة، وتفشت البطالة بشكل لافت للنظر ، وتراجعت قيمة العملة اليمنية كثيراَ، وارتفعت البطالة بنحو 25 في المئة ما رمى بأعداد متزايدة تحت خط الفقر ووصلت نسبتهم إلى أكثر من 65 في المئة، بعدما أدت الأزمة إلى تسريح أكثر من مليون عامل من القطاع الخاص، وحذرت تقارير من ارتفاع النسبة إلى 75 في المئة مع تراجع حجم الاقتصاد، ورغم أنه من الصعب تحديد الخسائر إلا أن خبراء يقدرون تقلص الاقتصاد بنسبة تتراوح بين 20 و25 في المئة، وذلك بعد صدور بيانات رسمية تشير إلى نمو سلبي بنحو 15 في المئة بحصيلة العام الماضي. ما يعني بلغة الأرقام خسارة تتراوح بين 10 و20 مليار دولار.
شلل اقتصادي...
تراجعت الإيرادات غير النفطية في اليمن بنحو 35 في المئة، وتراجع الإنتاج في قطاع الأسماك والصيد البحري، وانخفضت حصة الزراعة في الناتج المحلي الاجمالي مع عدم وجود سياسة زراعية رشيدة وضعف التمويل والدعم للمزارعين وانعدام مشروعات الري ما قلص حجم الاعتماد على المحصولات المروية في ظروف شحة الأمطار والمياه.
وتكوي الأسعار المرتفعة المواطن اليمني بلهيبها بعد ارتفاع التضخم بنسبة وصلت إلى 60 في المئة على السلع الأساسية حسب بعض الاقتصاديين، ويهدد تآكل الاحتياط النقدي باستمرار تردي الريال اليمني بعد تراجع حجم الاحتياطيات النقدية إلى (4,9) مليار دولار مقارنة بـنحو 8 مليارات دولار في الأعوام الماضية.
سياسات الماضي وصعوبات الانطلاق إلى المستقبل..
ولا يستبعد الخبراء استمرار الأداء السلبي للاقتصاد اليمني في العام الحالي، بسبب النقص الكبير في إيجاد فرص عمل فالمعروض يفوق بعدة مرات الطلب، إضافة إلى القدرة الاستيعابية المحدودة في القطاع الخاص والعام على حد سواء، بسبب الفشل في تحقيق النمو الاقتصادي المرتفع والمستدام في السنوات الماضية، وعدم استفادة الفقراء من النمو ناهيك عن مواصلة هيمنة القطاع النفطي على الاقتصاد اليمني، إذ بلغت مساهمته نحو ثلث الناتج المحلي الإجمالي في المتوسط.
ومن الصعب تحسن أوضاع السياحة في العام المقبل مع استمرار الاضطرابات السياسية والاحتجاجات التي أدت إلى وصول هذا القطاع إلى الصفر، وإفلاس وإغلاق العديد من الشركات السياحية والفنادق، إضافة إلى صعوبة عودة المستثمرين الأجانب.
ليبيا.. توقعات متفائلة رغم الفاتورة الكبيرة
وصل الناتج المحلي الإجمالي الليبي في العام 2010 إلى (74,23) مليار دولار، وحققت في ذات العام معدل نمو وصل إلى (4,2)، ويعتمد الاقتصاد بشكل أساسي على صادرات الطاقة التي تشكل 95 في المئة من حجم الصادرات، و80 في المئة من واردات الخزانة، ورغم الموارد الكبيرة فإن الاقتصاد الليبي لم يستقطب أكثر من (3,9) كاستثمارات مباشرة، وحل في مركز متأخر من حيث التنافسية وجاء في المرتبة 100 من أصل 139 في العام 2010، ورغم قلة عدد السكان فإن نسبة البطالة تقدر بنحو 30 في المئة.
وحسب مصادر الخبراء فإن ثمن الربيع العربي كان كبيرا على الاقتصاد الليبي ويمكن أن يصل إلى نحو 15 مليار دولار، نتيجة توقف صادرات النفط المقدرة بنحو (1,6) مليون برميل يوميا، إضافة إلى فاتورة إعادة بناء البنية التحتية التي دمرتها الحرب الطويلة والتي تتراوح كلفتها بين 2 و5 مليارات دولار.
إمكانات هائلة معطلة وآفاق مستقبلية واعدة...
وتجمع المؤسسات البحثية على أن الاقتصاد الليبي يمكن أن يحقق طفرة في النمو في العام الحالي والأعوام المقبلة شرط تحقيق الاستقرار السياسي بعد الاطاحة بالعقيد معمر القذافي الذي حكم ليبيا نحو 42 عاماً، وتستند التوقعات إلى تمتع البلاد بموارد كثيرة من الغاز والنفط، وفي حال توفر التقنيات والاستثمارات اللازمة يمكن رفع الإنتاج إلى مستويات أكثر بكثير فحسب تقديرات شركة بريتيش بتروليوم، حلت ليبيا في المركز التاسع عالميا من حيث احتياطات النفط وتملك نحو 46 مليار برميل، أي نحو 3.4 في المائة من الاحتياطي النفطي العالمي المكتشف.
ومن الممكن أن تساعد أصول صندوق الاستثمار الليبي الكبيرة البلغة 168 مليار دولار في تنفيذ مشروعات تنمية البنية التحتية، وتعزيز القدرة التنافسية للاقتصاد الليبي وخلق فرص عمل إضافية، في مجال السياحة والزراعة وخصوصا في المناطق الشمالية الساحلية.
الفترة الانتقالية وضبابية المشهد...
يخشى كثير من الخبراء من تحول الربيع السياسي العربي إلى خريف اقتصادي يفاقم الخسائر الحالية، خصوصا مع أجواء عدم اليقين في الاقتصادين الأوروبي والأمريكي. والملاحظ أن عجلة الاقتصاد في تونس التي شهدت انتصارا سريعا للثورة واستقرارا سياسياً نسبياً عاودت الدوران بشكل جيد، لكن الاضطرابات في مصر وتغيير الحكومات وعدم الاستقرار تثير المخاوف من احتمال سرعة التعافي الاقتصادي، وفي ليبيا تحتاج البلاد جهودا كبيرا لإعادة بناء ما دمرته الحرب وبناء اقتصاد حديث بعد سنوات من سوء الإدارة والفساد، لكن فوضى السلاح وعدم استتباب الأمن يمكن أن يعطلا النمو الاقتصادي رغم وجود جميع الظروف المواتية من حيث موارد الدولة. وأما في اليمن فيبدو أن الاحتجاجات المستمرة يمكن أن تزيد من معاناة اليمنيين وترمي بأعداد متزايدة منهم في أتون الفقر والجوع، ما ينذر بكارثة انسانية، ومما يزيد الوضع صعوبة تمسك الرئيس عبد الله صالح بالسلطة عبر أعوانه، وعدم تشجع الدول الخليجية لتقديم العون الاقتصادي اللازم. ولا شك أن الاستقرار في بلدان الربيع العربي سوف يخفف من مخاوف المستثمرين المحليين والأجانب ما يسهم في تطوير الاقتصاد. وتتشابه الظروف التي تعيشها البلدان العربية مع ما عاشته أندونيسيا في نهايات القرن العشرين بعدما أطاحت الانتفاضة الشعبية بالدكتاتور سوهارتو في 1998 بعد أكثر من ثلاثين عاما من حكم البلاد، حينها تراجع الاقتصاد وهرب المستثمرون لكن سرعان ما تبدلت الحالة بعد سنتين مع عودة الهدوء والاستقرار لتسجل أندونيسيا معدلات نمو قاربت خمسة في المئة طوال العقد الماضي بعد تنفيذ إصلاحات سياسية واقتصادية. وفي حال توفر النية فإنه يمكن معالجة مشكلات الفساد الإداري وتعزيز مبادئ الشفافية، ما يفتح المجال أمام الاستثمارات الأجنبية من جديد، ولعل ما يمكن أن يساعد على النمو التوجه إلى التعاون الاقتصادي العربي في المرحلة المقبلة بعد زوال العديد من المشاكل السياسية خصوصا وأن الثورات قربت الشعوب، ولاشك أن بروز الخيار الديموقراطي سوف يعزز الاندماج والتكامل العربي على أساس المصلحة المشتركة في مواجهة التكتلات الاقتصادية الكبرى، كما يسهم انتهاء الدكتاتوريات في وقف نزيف الأدمغة وعودة الكفاءات الوطنية وربما الأهم هو قطع رأس الفساد الذي كلف الاقتصادات العربية خلال نصف قرن ما بين فترة 1950 و2000 أكثر من تريليوني دولار حسب دراسات نشرت قبل الثورات.
سامر الياس
(الدراسة تعبر عن رأي الكاتب، وهيئة التحرير غير مسؤولة عن فحواها)

أخبار ذات صلة

إعلانات

إعلانات متنوعة

صيدا نت على الفايسبوك

الوكالة الوطنية للاعلام

انقر على الزر أدناه لزيارة موقع وكالة الأنباء الوطنية:

زيارة الموقع الإلكتروني

تابعنا