×

قد تتخذ سورية كذريعة للجهاد ضد روسيا؟

التصنيف: سياسة

2012-02-12  09:16 م  1273

 

 

لم يحدث في الاقطار العربية حتى الآن ان جرى وصف روسيا والروس ب" القتلة". وقد وقعت سابقا استفزازات ، وحدث نفور وسوء فهم ، في الفترة السوفيتية ، وكذلك في سنوات حملات مكافحة الارهاب في جمهورية الشيشان. لكن لم تشهد هذه البلدان مثل هذا الحقد الهستيري ضد روسيا الذي نراه الآن . فما هو السبب ؟
يمكن ان نطمئن انفسنا بعرض مشاهد استقبال اثنين من كبار المسؤولين الروس هما سيرغي لافروف وزير الخارجية وميخائيل فرادكوف رئيس هيئة الاستخبارات الخارجية لروسيا الاتحادية في دمشق في 7 شباط/فبراير. فقد خرجت الى الشوارع حشود من الجماهير ملوحة بالاعلام الروسية. ولا تبعث على الشك مشاعر المحبة الخالصة والاحترام حيال روسيا. لكن اذا ما كان هذا حال الاغلبية في سورية وبقية الاقطار العربية ، فأن اصواتهم تضيع الآن امام خلفية الدعاوى المتزايدة الى روسيا.
وعندما جرى لأول مرة إحراق الاعلام الروسية في سورية ظن البعض انها مزحة خرقاء من قبل البعض. لكن واقع الحال كما تبين هو غير ذلك – فقد تصاعد بسرعة لولب الحقد على روسيا في العالم العربي ولاسيما في سورية. او جرى تصعيده . حقا ان سياسة روسيا تبعث لدى قسم من المجتمع السوري مشاعر الامتنان والاعجاب. بيد ان الامر ليس كذلك فيما يريد بعض الفضائيات العربية عرضه ، وكذلك موقف الرأي العام في الاقطار العربية الاخرى منها. وثمة شعور عام يتجسد في وسائل الاعلام العربية بالدرجة الاولى ، وكذلك في احاديث الناس في الشوارع ، بأن الموقف من روسيا يتغير أكثر فأكثر وليس في الاتجاه الافضل.
ان العالم ينقسم الى قسمين – فهناك من يؤيد سياسة موسكو في الشرق الاوسط ، وهناك من يبدي استغرابه ويوجه سيلا من الاهانات الى القيادة الروسية والدبلوماسية الروسية . علما ان هذا الانقسام لا يلاحظ في العالم العربي وفي الغرب فقط ، بل يلاحظ أيضا في اوساط الروس ، بالاخص امام خلفية الاحتجاجات السياسية التي بدأت بعد الانتخابات البرلمانية. ويرد على مواقع شبكة الانترنت الروسية ذات الاتجاه الليبرالي القول :" الى متى تواصل قيادتنا دعم الدكتاتوريين والقتلة ؟ ولم يعد لنا اصدقاء محترمون ، ولم يتبق لدينا سوى الدكتاتوريون والمنبوذون". وثمة رأي آخر يقول :" هورا ! ان روسيا تنهض من ركوعها وترغم العالم على مراعاة رأيها ". وفي الوقت نفسه تواصل وزارة الخارجية الروسية التأكيد على ان موسكو لا تتشبث بنظام بشار الاسد ، ولا تضع هدفا لها مقاومة الغرب فقط انطلاقا من المبدأ، ان الرغبة الوحيدة لديها هي عدم السماح بإنتشار فوضى أكبر في الشرق الاوسط .
ولا نريد هنا التذكير بالمصالح الجيوسياسية والاقتصادية الروسية في سورية – فقد كتب الكثير عنها في الفترة الاخيرة. لكن هناك امرا اكثر أهمية من مجازفة موسكو حين لم تسمح بتمرير القرار حول سورية في مجلس الامن الدولي. فانها يمكن ان تضحي بسمعتها، ناهيك عن تعريض أمن مواطنيها الى الخطر. وتصدر من شاشات قنوات التلفزيوين العربية الدعوات الى "الجهاد " ضد روسيا. ويتعرض للخطر أمن رعايا روسيا ومؤسساتها في سورية.ومع ذلك تواصل موسكو محاولاتها للقيام بدور الوساطة بين نظام الاسد والمعارضة المتشددة ، وبين دمشق والعالم الخارجي. لكن هذا يتم بلا أمل عمليا ولا يجد صدى له في اوساط الذين جرى اقناعهم بان النيران تطلق على المتظاهرين من اسلحة روسية ، وان نظام الاسد ينجو من العقاب بسبب روسيا.
وتعزى هذه الرؤية الى عجز الدبلوماسية الروسية عن ابداء المقدرة في ان تكون ميسرة على الادراك ومفهومة. وتشبه تصريحات الدبلوماسيين الامريكيين والاوروبيين الشعارات، اما الروس فيتحدثون كما لو كانوا يدافعون عن رسالة الدكتوراه. ان روسيا تفقد العالم العربي وقبل كل شئ ليس بسبب سياستها بل بسبب عجزها عن العمل مع " الشارع" وتشكيل الرأي العام. ان الرهان على الانظمة لا ينفع في عصر قنوات التلفزيون الفضائية والفيس بوك. ويجب ان توجه أقوال السياسيين والدبلوماسيين ليس فقط الى الشركاء في المباحثات ، بل قبل كل شئ يجب ان تكون مفهومة للجمهور خارج " قصور الرئاسة".
لقد بدأت وزارة الخارجية الروسية تدريجيا بتعلم كيفية التعامل مع الصحافة. ويدل على ذلك عدد التصريحات والايضاحات التي قدمت بصدد الموقف الروسي من سورية . ان الوضع الراهن يختلف كل الاختلاف عما جرى في مجلس الامن الدولي لدى بحث القرارات حول العراق في مجلس الامن الدولي ، حين لم يكن أحد يعرف ان اكثر التعديلات فيها تمت بمبادرة من روسيا. لكن الدبلوماسيين الروس لم يتعلموا بعد اساليب اقناع " الشارع". بينما الوقت يمضي.
وثمة خطأ آخر ارتكبته روسيا في سورية حيث تم كما في الاقطار العربية الاخرى تجاهل العمل مع المعارضة قبل اندلاع جميع الاحداث الثورية ، وكذلك في اللحظات الاولى لبدء" الربيع العربي". وفي النهاية اصبحت جميع فئات المعارضة تقريبا في دائرة نفوذ الغرب او بلدان الخليج العربي وتركيا. وبوسع روسيا دعوة مختلف اطراف النزاع السوري كيفما تشاء الى الحوار ، لكن لن يصغي اليها أحد كما في " حديث الطرشان".
ولا يعتزم المجلس الوطني السوري ولجان التنسيق المحلية ( التنسيقيات) الحوار مع الرئيس السوري بشار الاسد، اما روسيا فهي ليست قادرة على اقناعها او تغيير مبادئها. ان الغرب وتركيا وبعض بلدان الخليج العربي ممولة وملهمة احداث " الربيع العربي" ستدفع هذا القسم من المعارضة على المضي حتى النهاية ، وليس من مصلحتها اجراء الحوار. اما روسيا فلم تجد لغة مشتركة مع المعارضة السورية المتشددة ممثلة بالمجلس الوطني ، بالرغم من قيام ممثليه بزيارة موسكو عدة مرات. ولا يمكن اتهام الدبلوماسيين الروس بالتقصير في ذلك لأن الحوار هو عملية ذات اتجاهين. وفي هذا الوضع لا يسعنا سوى ابداء الأسف لكون روسيا غير قادرة على التأثير في المجلس الوطني وفي التنسيقيات المحلية ، ان الغرب وبلدان الخليج العربي لا تستطيع التأثير في الرئيس السوري حافظ الاسد وحاشيته. والشئ الأساسي ان القوى الخارجية لا تتفق مع بعضها البعض.
وتكمن المأساة السورية لحد كبير في وجود العامل الخارجي. ولا يماري أحد في ان الوضع الثوري قد نضج في البلاد منذ وقت طويل ، ويمكن تفسير الاسباب التي تدعو الناس للخروج الى الشارع. ومن جانب آخر ان السلطات السورية اخفقت في اجراء الحوار في الوقت المناسب مع المحتجين ، وايقاف(ليس قمع بل ايقاف ) أولى موجات السخط ، وصارت الاخطاء ترتكب الواحد تلو الآخر. وجرى امام هذه الخلفية التدخل الخارجي الذي حول الثورة الى حرب أهلية ، ولطخ بالاوحال تطلع الشعب بإخلاص الى اجراء التغييرات.
لقد حذرت روسيا منذ البداية من هذا السيناريو ، لكن امكانياتها لم تكن كافية لمنع حدوثه. كما ان الجهات التي صبت الزيت على نار الحرب الاهلية ارتكبت جريمة حقيقية بحق الشعب السوري.
ويجدر بهذه المناسبة ايراد ما قاله فيتالي تشوريكن مندوب روسيا الدائم في مجلس الامن الدولي في رده على أقوال زميلته المندوبة الامريكية سوزان رايس بأن موقف موسكو وبكين يبعث على الاشمئزاز وهما" تواصلان عرقلتنا في اجراء تسوية للأزمة المتفاقمة باستمرار في سورية". اما تشوركين فقد فسر الفيتو الروسي بقوله" ان بعض الاعضاء المتنفذين في المجتمع الدولي كانوا منذ بداية الازمة السورية يعملون على تقويض امكانية اجراء تسوية سياسية ، بدعوتهم الى تبديل النظام ، ولم يتورعوا عن استثارة ودعم اساليب الصراع المسلحة ".
نعم ، ان روسيا تتحمل المسؤولية عن تفويت الفرصة حين كان من الممكن التأثير في الاحداث في سورية ، وبسبب المحاولات الفاشلة لاجراء حوار مع قسم من المعارضة السورية. لكن الغرب وبلدان الخليج العربي وتركيا تتحمل ايضا جزءا من المسؤولية والذنب عن الازمة السورية. ويقع عليها الذنب أيضا لأنها تقوم بدون مسئولية بتأليب المتعصبين الدينيين والقتلة ضد روسيا. اما فيما يخص فقدان " الشارع العربي" فيجب ان تلوم موسكو نفسها فقط ، إلا انها يجب ان تثق بان الزمن كفيل بأعادة الامور الى نصابها. لكن ما أكثر ما سيراق من الدماء خلال هذه الفترة .. الدماء العربية ، وربما الروسية ايضا؟

أخبار ذات صلة

إعلانات

إعلانات متنوعة

صيدا نت على الفايسبوك

الوكالة الوطنية للاعلام

انقر على الزر أدناه لزيارة موقع وكالة الأنباء الوطنية:

زيارة الموقع الإلكتروني

تابعنا