×

الأسير يزحف إلى بيروت

التصنيف: سياسة

2012-02-29  11:34 ص  1842

 

من الدعوة إلى السياسة

في مسجد بلال بن رباح يتألّق الشيخ المنبري. يدافع عن «مقدسات السنّة». يدعو إلى «دعم الثورة السورية»، يعلنها حرباً بلا هوادة على النظامين السوري والإيراني، ويعلن وقوفه في وجه «مشروع هيمنة حزب المقاومة»
رضوان مرتضى
قامة فارعة. محني الظهي قليلاً. ذراعان طويلتان، جلباب ولحية طليقة تلامس الصدر، يعلوها شاربان محفوفان. نبرة صوت هادئة تسير بوتيرة واحدة، لا تشتدّ إلا عند الانفعالات، فتُكوِّن جميعها علامات فارقة تُميّز الشيخ أحمد الأسير. منذ صار «أسد السنّة»، كما يُسمّيه البعض، نجماً إعلامياً، مع ارتفاع سقف خطاب ابن الأربعة والأربعين عاماً، اجتذب عشرات الأتباع ليؤلفوا ما بات يُعرف بـ«الحركة الأسيرية». ورغم رفضه لهذه التسمية، وتفضيله مصطلح «مُحبّين» عوضاً عن أتباع، إلا أنه بات يتمتع بحيثية خاصة في صيدا وجوارها، جعلت منه علامة تحوّل «في نظر كثيرين من أهل السنّة الذين يفتقدون شخصية القائد».
الوصول إلى مسجد بلال بن رباح ليس صعباً. فالمسجد الذي يحمل اسم مؤذّن النبي، بات مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً باسم الأسير الذي صار علماً من أعلام صيدا. الجميع هنا يرشدك إلى «مسجد الشيخ الأسير»، كما يختار السكان هنا مناداته. في المبنى المقابل للمسجد المكوّن من ثلاث طبقات، يستقبل الأسير ضيوفه. هناك يتولى أحد مساعديه تجهيز كاميرا للتسجيل، فهو يريد بذلك أن يحتاط من التحوير والاجتزاء.
يبدأ الأسير، ابن المطرب الصيداوي هلال، حديثه بالقول: «لا أُحبّ الشهرة»، عبارة ينطلق منها ليخلص إلى أن العمل الدعوي لا يحتاج إلى الإعلام، لكن الأحداث المتسارعة اضطرّته إلى مقاربة الأحداث الكبيرة في خطبه. يسترجع تاريخ حركته ورؤيتها، يعود إلى عام 1989، تاريخ تفرّغه للدعوة. يخبر عن الزيارات الدعوية التي يقوم بها إلى المناطق القريبة من عاصمة الجنوب، وحتى خارج لبنان. يشبّه زياراته بنشاط حركة التبليغ والدعوة العالمية. يستذكر ضاحكاً تعرّضه للضرب بالبيض والبصل خلال جولاته الدعوية. يتطرّق إلى الكلام عن حزب الله، فينفعل محتدّاً ضد «مشروع هيمنة حزب المقاومة»، وهي تسمية ارتأى اختيارها بديلاً من تسمية «حزب الله». يُفرّق بين نوعين من الشيعة: «شيعة موسى الصدر وشيعة الخميني». فالأخير، بحسب الأسير، «أحدث حدثاً في الفكر الشيعي نفسه، يتناقض مع أساس الفكر الشيعي»، لافتاً إلى أن «اجتهاد الخميني مكّن القائد لديهم من أن يحكم نيابة عن المهدي، ومن هنا يدّعون قدسيتهم». ويشير ابن صيدا، المولود لوالدة شيعية من آل حاجو في صور، إلى أن «الحزب احتكر المقاومة مذهبياً لشرذمة الجماعات الإسلامية وإمرار المشروع الإيراني». يؤكد أن «مشروع المقاومة والوحدة الإسلامية ليسا سوى قناع لإمرار مشروع خاص»، مشيراً إلى أنه «لطالما أبدى الشيخ حسن نصر الله اعتزازه باتّباعه لمشروع ولاية الفقيه». يستنكر مواقف الحزب من الأحداث في سوريا، ويستغرب «كيف يرضى من اختبر ظلم إسرائيل الظُلم للأطفال والنساء؟». ويتساءل متوجّهاً إلى الأمين العام لحزب الله: «ليه موقفك هيك يا شيخ حسن وأنت تعلم أنهم يذبحوننا بالسكاكين؟».
ينتقل من حزب الله إلى «إيران التي ذبحتنا في العراق وأفغانستان»، و«خدعتنا كعرب ومسلمين وشرخت الحالة السنّية تحت عنوان فلسطين».
«أنا سنّي وأعتز بسنيّتي على رأس السطح»، يقول الأسير معرباً عن عدم خشيته من فتنة سنيّة ـــ شيعية. ورغم تأكيده وجود «إخوة لديهم عاطفة جارفة للتسلّح وحمل السلاح»، يعبّر عن رفضه الاقتتال الداخلي ورفضه الدعوة إلى التسلح، إلا أنه يستند في طمأنينته إلى أنه «لدى حزب المقاومة قوة أكبر من قوة جيش نظامي». ومن هذه النقطة ينطلق ليدعو إلى «الاستعجال بوضع استراتيجية دفاعية تلحظ وجود سرايا مقاومة»، مشترطاً أن تكون تابعة للدولة.
مواقفه المناهضة لحزب الله لا تقل حدة عند التطرّق إلى الأحداث الجارية في سوريا. ويرى أن «الواجب الشرعي يحتّم علينا أن ننصر المظلوم ضد الظالم»، لافتاً إلى أن «الجميع يعلم أن النظام السوري من أظلم ما يكون من أنظمة». والنظام بحسب ما تنقل وسائل الإعلام «يبلّط بيوت أهلنا ومساجدنا في سوريا». يؤكد الأسير أنه على يقين بأن «النظام السوري زائل لا محالة»، والأيام المقبلة ستُظهر أنه «انتهى فعلياً». ويقول إن ذلك «سيدفع المسؤولين في حزب المقاومة إلى مراجعة حساباتهم». وعن رؤيته لدعم «الثورة السورية» يقول إنه «مع نصرة المظلوم ضمن ما يحقق رفع الظلم عنه». ويكون ذلك «بدءاً من الدعوة إلى اعتصامات مروراً برفع الصوت استنكاراً وصولاً إلى جمع السلاح».

مع بدايات الحراك السوري، اتخذ الشيخ أحمد الأسير، قراره: المسجد سينزل إلى الشارع. كانت المرة الأولى لتحرك من نوع كهذا. تغيّرت الأمور كثيراً خلال 10 أشهر. الأسير خرج من المسجد، وسيبدأ «الزحف نحو بيروت»
نادر صباغ
في ساعة مبكرة من صباح الاثنين الماضي، رنّ الهاتف الخلوي لإحدى الشخصيات السنّية الفاعلة في العمل السياسي الجماهيري. كان المتصل من الضنية، وكان صاحب الهاتف لا يزال يغطّ في نومه العميق في أحد أحياء العاصمة. يسأل المتصل صديقه: «هل سمعت بالتحرك الذي أُعلن إلى ساحة الشهداء الأحد المقبل؟ هل هو للصيداويين فحسب؟». لم يملك المتلقّي إجابة، لم يكن قد سمع بالموضوع. طلب استمهاله القليل من الوقت كي يستوضح ماذا يجري.
قبل هذه الحادثة بساعات، كانت قاعات مسجد بلال بن رباح في منطقة عبرا في ضواحي صيدا تتلقف كلمات إمام المسجد الشيخ أحمد الأسير بنوع من الدهشة وكثير من الحماسة والرغبة في التعبير والتكبير والاحتجاج والغضب.
المناسبة كانت اعتصاماً تضامنياً مع قضية ما بات يعرف بـ«الموقوفين الإسلاميين» في السجون اللبنانية. حرم المسجد الذي ضمّ نحو ألفي شخص، ضجّ بالمشاهد التي تخللها الاعتصام عن فيلم توثيقي للأحداث التي تجري في سوريا. لم يستطع الحضور كتمان صرخات التكبير واللعن والغضب تجاه النظام السوري ورموزه وأفعاله.
تزامناً، كان الإعلان عن «خطوة نوعية» تأتي على لسان الأسير نفسه: «سنبدأ الزحف إلى بيروت»، قالها بنبرة قوية، لتهدر الحناجر من بعدها «الله أكبر... الله أكبر»، ويسود كلام بين الحاضرين عن أنه آن الأوان لتحرك كهذا، سرعان ما توضّح معناه: تجمّع في ساحة الشهداء يوم الأحد المقبل.
لماذا إلى بيروت؟ يجيب الأسير «الأخبار»: «لا لأمر بعينه، فقط نريد أن نرسل رسالة إلى الجميع بأننا مع نصرة المظلوم إن شاء الله، وضد الظلم، وأن لبنان لا يمكن أن تختزله فئة أو محور ما بموقف معين. هناك أناس في لبنان يرفضون المجازر التي ترتكب بحق إخواننا في سوريا، وأقل ما يمكننا فعله هو أن نصرخ بوجه الظالم، وأن نرفع صوت الألم».
عن رمزية الخطوة وما قد يحمله تحرك كهذا من دلالات، إذ إنه يحدث للمرة الأولى في قلب بيروت من قبل قوى ذات لون معين لم تعتدها الساحة السياسية المحلية من قبل ولها خصوصيتها، يرد الأسير: «بيروت عاصمة لكل اللبنانيين، والتحرك ليس مقتصراً على فئة دون أخرى. إنه موقف تجاه ما تشهده سوريا، ويمكن أي إنسان أن يشارك فيه، بغض النظر عن دينه أو طائفته أو مذهبه. لسنا في وارد تحدي أحد. وكما أن في لبنان من يؤيّدون النظام السوري وإجرامه، يجب على العالم أن يعلم أن هناك في لبنان من هو ضد كل ما يرتكبه هذا النظام من أفعال».
يقال إن لبنان مقسوم على نفسه بين مؤيّد لما يجري في سوريا ومعارض له، وإن هناك أطرافاً عدة تسعى إلى تجنيب البلد أيّ تداعيات لما تشهده الشام. فماذا لو أدى هذا التحرك إلى مواجهة في الشارع بين شارعين، لا سيما أن الكلام بدأ يكثر عن تظاهرة مضادة يجري الإعداد لها في وجه ما تُعدّون له؟ يعلّق الشيخ الأسير بالقول: «على الجميع أن يتحمل مسؤوليته، لا سيما الدولة والأجهزة الأمنية. تحركنا، كما قلنا مراراً وتكراراً، سلمي وتحت سقف القانون، ومنذ أكثر من 10 أشهر نقوم بتحركات واعتصامات يُجمع حتى منتقدونا ومخالفونا على أنها حضارية وغير استفزازية. كذلك أكدنا مراراً أننا نريد أن نعيش في هذا البلد مع الجميع، ولكن لن نرضى أن نعيش مواطنين من الدرجة الثانية».
ويتابع: «لن يثنينا التهويل أو التخويف عن الرجوع عن قرارنا وخطوتنا التي سنمضي بها حتى النهاية، حتى آخر قطرة دم في عروقنا. وليعلم الجميع ذلك، مهما اشتدت الضغوط. نحن في بلد فيه قانون، ولا نعيش في غابة. وإذا كانت الدولة غير قادرة على حماية مواطنيها في تحركهم تحت سقف القانون، فلتعلن ذلك بوضوح، وعندها لكل حادث حديث».
البحث عن قائد
«الزحف إلى بيروت» كما قال «الشيخ»، قرار اتخذه بمفرده، «ومن دون تنسيق مع أي من القوى السياسية أو الإسلامية الأخرى»، على حدّ جزمه. والسبب «أننا لا نريد أن نفرض قراراتنا على أحد. الجميع أدرى بداخليته. أبلغنا إخواننا بما ننوي القيام به، ودعوناهم بالطبع، وتُرك لهم القرار بحسب ما يرونه مناسباً، والدعوة مفتوحة أمام الجميع». وبحسب مقرّبين من الأسير، فإن الاتصالات «انهالت عليه من شتى المناطق اللبنانية منذ صباح الاثنين الماضي (مع تناقل الخبر)، لتسأل عن التحرك وماهيته، وكيفية المشاركة، وتعلن الدعم والتأييد وتأكيد الحضور».
يقول مقرّبون من الأسير إن السبب في «هذه الاستجابة غير المتوقعة مع خطوة كهذه جاءت نتيجة الإحباط والغضب التي تعانيه الساحة السنّية جرّاء المشاهدات اليومية لما يجري في سوريا، من جهة، وبسبب عدم ارتقاء المواقف السياسية، سواء المحلية أو الخارجية، إلى حجم التوقعات التي يأملها الكثيرون تجاه الملف السوري من جهة أخرى».
«والشيخ أحمد»، بحسب متابعين لحركته، يمثل «الحالة السنّية الوحيدة في لبنان التي تشهد تنامياً، بينما جميع القوى الأخرى في تراجع ملحوظ. يمكنكم سؤال عشرات الاتصالات التي تتهافت عليه لتقديم السيارات والخدمات لنقل الراغبين في النزول إلى ساحة الشهداء الأحد المقبل».
حتى اليوم، لا يزال الشيخ الصيداوي في حساب الحقل. أما البيدر ففي ساحة الشهداء الأحد المقبل.

أخبار ذات صلة

إعلانات

إعلانات متنوعة

صيدا نت على الفايسبوك

الوكالة الوطنية للاعلام

انقر على الزر أدناه لزيارة موقع وكالة الأنباء الوطنية:

زيارة الموقع الإلكتروني

تابعنا