شريف الأنصاري… رجل المهمات الصعبة في النشر العربي
التصنيف: أقلام
2026-08-29 05:20 ص 98
كل مقال يعبّر عن رأي كاتبه، ولا يمثّل بأي شكل من الأشكال سياسة الموقع.
بقلم عبد الرحمن شريف الانصاري
ناشرٌ صنع حضور الكتاب، وفتح بيته للثقافة، وواجه التزوير في زمن الحرب
حين أكتب عن والدي، المغفور له بإذن الله شريف عبد الرحمن الأنصاري، يصعب عليّ أن أفصل بين الأب الذي عشت في كنفه، والناشر الذي رأيت من خلاله عالمًا كاملًا من الأدباء والشعراء والمفكرين والعلماء ورجال السياسة والقانون.
ومهما طال الحديث عنه، يبقى بالنسبة إليّ قصيرًا؛ لأنني لا أستعيد سيرة رجل فحسب، بل مرحلة من تاريخ النشر العربي كان فيها الناشر شريكًا في صناعة الثقافة، وكان الكتاب رسالة قبل أن يكون تجارة.
من صيدا إلى مساحة لبنان
تعود جذور المكتبة العصرية في صيدا إلى سنة 1892، ثم دخلت مجال النشر سنة 1905. وبعد وفاة مؤسسها عبد الرحمن الأنصاري سنة 1928، حمل ابنه شريف المسؤولية، وعمل على توسيع المؤسسة وترسيخ حضورها في لبنان والعالم العربي.
وكان الكتاب المدرسي واحدًا من أهم ميادين نجاحه.
فمنذ الأربعينيات والخمسينيات، مرورًا بالستينيات وحتى قسم كبير من السبعينيات، كانت منشورات المكتبة العصرية حاضرة على نطاق واسع في المدارس اللبنانية، وأصبحت كتبها جزءًا من الحياة التعليمية لأجيال من الطلاب.
ولم يكن ذلك النجاح وليد الصدفة.
امتلك شريف الأنصاري حنكة في التعامل مع الناس، وشبكة واسعة من العلاقات مع رؤساء الدوائر التربوية في مختلف المناطق، ومع مسؤولين وموظفين أساسيين في وزارة المعارف، التي أصبحت لاحقًا وزارة التربية.
واستطاع أن يسخّر هذه العلاقات لخدمة الكتاب وانتشاره، حتى وصلت منشورات المكتبة العصرية إلى أنحاء لبنان من دون أن يحتاج هو شخصيًا إلى القيام بجولات دائمة على المدارس.
كان يعرف أن الكتاب المدرسي الناجح يبدأ بالمؤلف الجيد، والمادة العلمية المناسبة، وحسن الإخراج، وينتهي بثقة المعلم والمدرسة والطالب والناشر بعضهم ببعض.
وفي سنة 1961 أسس الدار النموذجية للطباعة والنشر، ووسّع من خلالها النشاط في الكتب المدرسية والجامعية وكتب الأطفال، إلى جانب نشاط المكتبة العصرية في ميادين الأدب والفكر والتراث.
عندما تغيرت سوق الكتاب المدرسي
مع مرور السنوات تبدلت طبيعة المنافسة.
وظهرت دور نشر جديدة، ولم تعد جودة الكتاب وسمعة المؤسسة والعلاقات التربوية السليمة وحدها هي التي تحسم السوق. وبحسب ما عايشته عن قرب، تسللت إلى القطاع ممارسات قائمة على استمالة بعض القيمين على مؤسسات رسمية وخاصة بوسائل لم يكن شريف الأنصاري مستعدًا لأن يجعلها نهجًا لعمله.
وعندما بدأت قواعد المنافسة تتغير، لم يشأ أن يدخل سباقًا لا يشبهه.
فأخذ يوجه جانبًا أكبر من اهتمامه إلى الكتاب الأدبي والفكري والشعري والتراثي والديني والقانوني.
وهكذا لم يكن تراجع الاهتمام النسبي بالكتاب المدرسي انسحابًا من النشر، بل انتقالًا إلى فضاء ثقافي أوسع.
أسماء صنعت الثقافة العربية
ولعل أحد أهم الشواهد على مكانة شريف الأنصاري هو النظر إلى الأسماء التي ارتبطت بمنشورات المكتبة العصرية.
فقد نشر لكبار الأدباء والشعراء والمفكرين والمؤرخين والعلماء ورجال القانون من أنحاء العالم العربي، حتى يصعب اليوم استحضارهم جميعًا من الذاكرة.
ومن بينهم طه حسين وعباس محمود العقاد، ولا سيما أعماله و«العبقريات»، وعلي أحمد سعيد – أدونيس، وبدر شاكر السياب، وعارف باشا العارف، ومحمد عزة دروزة، الذي اكتسبت بعض مؤلفاته مكانة علمية وأكاديمية مهمة.
ومن الكتب الفكرية البارزة التي صدرت عن المكتبة العصرية التبشير والاستعمار في البلاد العربية للدكتور مصطفى خالدي والدكتور عمر فروخ.
وفي ميدان القانون برزت مؤلفات القاضي زهدي يكن، ومنها الوقف في الشريعة والقانون، وأعماله في قانون الموجبات والعقود، وغيرها من الكتب التي عرفها طلاب القانون ودارسوه.
وامتدت علاقات المؤسسة إلى العراق ومصر والسودان وفلسطين وقطر وغيرها، فكان بين مؤلفيها شعراء وأدباء وعلماء ومشايخ وسياسيون ومفكرون، ومنهم الشيخ عبد الله الأنصاري، إلى جانب أسماء كثيرة لا تتسع الذاكرة اليوم لاستحضارها كلها.
وهذا وحده يكشف أن المكتبة العصرية لم تكن مجرد دار نشر محلية في صيدا، بل كانت ملتقى لبنانيًا للثقافة العربية.
بيت كان امتدادًا للمكتبة
ولم تكن علاقة شريف الأنصاري بالثقافة تنتهي عند باب مكتبه.
فقد كان بيت الوالدين في صيدا، وكذلك منزل العائلة في جزين خلال فصل الصيف، ملتقى لأعداد كبيرة من الأدباء والشعراء والمفكرين والمشايخ والسياسيين والدبلوماسيين والكتاب.
وعلى مدار السنوات التي عشتها في كنف والديّ، رحمهما الله، رأيت من تلك الوجوه ما يصعب عليّ اليوم أن أستعيد أسماءه كاملة.
كان المؤلف يأتي ناشرًا كتابه، ثم يصبح صديقًا للبيت.
وكانت المجالس تتحول إلى حوارات في الأدب والفكر والسياسة والدين والتاريخ.
ولهذا فإن جزءًا من تاريخ المكتبة العصرية محفوظ في الكتب والفهارس، أما الجزء الآخر فقد عاش في تلك المجالس والصداقات والعلاقات الإنسانية.
الثقافة مسؤولية اجتماعية
لم يحتفظ شريف الأنصاري بهذه العلاقات لنفسه، بل وضعها في خدمة الحياة الثقافية في مدينته.
فقد ساهم في تأسيس نادي الرابطة الثقافية، وقدم له، بحسب ما أحفظه من تلك المرحلة، عشرة آلاف ليرة لبنانية، وهو مبلغ كانت له قيمته الكبيرة في ذلك الزمن.
وكان يرفد النادي بين فترة وأخرى بأديب أو شاعر أو مفكر أو شخصية ثقافية من شبكة علاقاته العربية، إيمانًا منه بأن دور الناشر لا ينتهي عندما يخرج الكتاب من المطبعة.
ومن الذكريات التي بقيت في الذاكرة كذلك علاقته بالأخوين أحمد ومحمود أبو الفتوح في مرحلة مضطربة من التاريخ المصري؛ فقد وجد أحدهما أو كلاهما لديه ملاذًا، ونشر لأحدهما كتابًا عن مصر، كما ألقى أحمد أبو الفتوح محاضرة في نادي الرابطة الثقافية.
وتكشف هذه الحوادث جانبًا مهمًا من شخصية شريف الأنصاري: فالناشر والإنسان كانا فيه شخصية واحدة. فالعلاقة مع المؤلف لم تكن عقدًا تجاريًا ينتهي بصدور الكتاب، بل كثيرًا ما تحولت إلى صداقة ووفاء ووقوف إلى جانب الآخر عند الشدة.
النجاح الذي استدعى التزوير
وكان لهذا النجاح وجه مؤلم.
فالكتب التي حققت انتشارًا واسعًا أصبحت هدفًا لمن أراد الاستفادة منها من دون تحمل تكاليف التأليف والتحقيق والطباعة والتوزيع.
ومن أبرز الكتب التي تعرضت، بحسب ما عايشته في عهد الوالد، للتقليد والتزوير جامع الدروس العربية للشيخ مصطفى الغلاييني.
وطال التقليد أعمال المحقق محمد أبو الفضل إبراهيم، ومنها شرح نهج البلاغة، وقصص العرب، وأيام العرب في الجاهلية، وأيام العرب في الإسلام.
كما طال مؤلفات محمد محيي الدين عبد الحميد في علوم العربية، ومنها شرح ابن عقيل، وشرح شذور الذهب، وشرح قطر الندى وبل الصدى، وأوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك.
وكانت مؤلفات عباس محمود العقاد، وبخاصة «العبقريات»، من أبرز الكتب التي عانت من التقليد بسبب انتشارها الواسع وإقبال القراء عليها.
ولعل في ذلك مفارقة مؤلمة في صناعة الكتاب:
فالكتاب الأكثر نجاحًا يصبح أحيانًا الأكثر إغراءً للمزوّر.
رجل الفكر في زمن السلاح
ثم جاءت الحرب الأهلية اللبنانية سنة 1975، فتحولت مشكلة التزوير من اعتداء يمكن مواجهته بالقانون إلى معركة غير متكافئة.
تقطعت الطرق، واضطربت الأسواق، وضعفت مؤسسات الدولة، وأصبحت سلطة القانون محدودة في أماكن كثيرة.
وفي مثل هذه الظروف، ماذا يستطيع الناشر أن يفعل؟
قد يعرف حقه، ويعرف المعتدي، ويملك الكتاب الأصلي والوثائق التي تثبت حقوقه؛ لكن الحق يحتاج إلى دولة قادرة على حمايته.
وهنا كانت مأساة شريف الأنصاري.
كان رجل فكر أمام قوة السلاح.
لم يكن يملك ميليشيا تحمي كتبه، ولم يكن مستعدًا لأن يقابل القوة بالقوة. كان سلاحه القانون والحق وسمعة المؤسسة، في مرحلة لم يكن القانون فيها قادرًا دائمًا على حماية نفسه.
ولهذا فإن ما تعرضت له المكتبة العصرية خلال تلك السنوات لا يجوز قياسه بظروف زمن الاستقرار.
فالتزوير لم يكن خسارة مالية فحسب، بل اعتداءً على سلسلة كاملة تبدأ بالمؤلف والمحقق، وتمر بالناشر، وتنتهي بالقارئ الذي قد يشتري نسخة مقلدة وهو يظنها أصلية.
وكان شريف الأنصاري يدافع، في الحقيقة، عن حق الكتاب في أن يصل إلى قارئه كما أراده أصحابه.
معركة لم تنتهِ برحيله
رحل شريف الأنصاري سنة 1986، لكن ظاهرة التزوير لم ترحل معه.
بل اتسعت بعد وفاته رقعة الأماكن التي تُمارس فيها عمليات التقليد، وتطورت وسائل النسخ والطباعة، وطالت الاعتداءات كتبًا أخرى كثيرة.
وهذا تاريخ آخر طويل.
أما ما يخص عصر شريف الأنصاري، فإن الكتب التي سبق ذكرها تمثل أبرز ما بقي في الذاكرة من الأعمال التي تعرضت للتقليد في حياته، ولا ينبغي الخلط بينها وبين ما حدث بعد رحيله من توسع أكبر بكثير في الظاهرة.
شريف الأنصاري الذي عرفته
يستطيع الباحث أن يعود إلى الفهارس ليعرف الكتب التي نشرها شريف الأنصاري، وأن يراجع الأغلفة القديمة ليستعيد أسماء مؤلفيه.
لكن الفهرس لن يخبره عن الرجل الذي كان يجمع في بيته أديبًا من مصر، وشاعرًا من العراق، وعالمًا أو شيخًا من بلد عربي، ومفكرًا أو سياسيًا أو دبلوماسيًا من بلد آخر.
ولن يخبره كيف استطاع بعلاقاته وحنكته أن يجعل منشورات مؤسسة في صيدا تصل إلى مدارس لبنان وأسواق العالم العربي.
ولن يخبره عن كرمه، ووفائه لأصدقائه، وبيته المفتوح، وقدرته على تحويل علاقة الناشر بالمؤلف إلى علاقة إنسانية تستمر سنوات.
هذه أمور لا تحفظها فهارس المكتبات.
يحفظها الذين عاشوها.
وأنا، كابن له، كلما حاولت أن أستعيد تلك المرحلة وجدت اسمًا يقودني إلى اسم، وكتابًا يذكرني بكتاب، ووجهًا من ضيوف بيت صيدا يعيد إليّ مجلسًا في جزين.
وقد أبعدتني السنوات عن أعمال النشر بعد رحيل الوالد، ولذلك لا أدعي أن ذاكرتي تستطيع اليوم أن تستعيد كل من نشر لهم أو عرفهم.
لكن ما بقي منها يكفي لأقول إن ما أذكره هنا ليس إلا غيضًا من فيض.
لقد كان شريف الأنصاري ناشرًا في زمن كان النشر فيه رسالة، ورجل ثقافة عرف أن صناعة الكتاب لا تنتهي عند المطبعة، ورجل علاقات سخّر علاقاته لخدمة الكتاب وانتشاره، ورجل كرم فتح بيته للأدباء والمفكرين كما فتح لهم دار نشره.
وحين جاءت الحرب، أصبح عليه أن يقوم بمهمة أصعب من النشر نفسه:
أن يحمي الكتاب في زمن لم يعد فيه الكتاب محميًا.
لهذا فإن وصفه بـ «رجل المهمات الصعبة في النشر العربي» ليس لقبًا نمنحه له بعد رحيله، بل خلاصة مسيرة.
قد يستطيع المزور أن يقلد غلافًا، وأن ينسخ صفحات، وأن يطبع آلاف النسخ، لكنه لا يستطيع أن يقلد تاريخًا صنعته عقود من العمل والثقة والعلاقات والثقافة.
رحل شريف الأنصاري، رحمه الله، وبقيت الكتب التي نشرها، وبقيت المؤسسة التي حمل مسؤوليتها وطوّرها، وبقيت آثار الرجال الذين مروا من خلالها في الثقافة العربية.
أما بالنسبة إليّ، فسيبقى قبل ذلك كله الوالد.
ومهما كتبت عنه، ومهما طال المقال، يبقى ما أكتبه أقصر من أن يفيه حقه.
رحم الله شريف عبد الرحمن الأنصاري رحمة واسعة، وغفر له، وجزاه عن الكتاب والعلم واهلهما خير الجزاء واسكنه فسيح جنانه
بقلم ولده عبد الرحمن شريف الانصاري
ومن عاصره مدة واحد وعشرون عاما عاصم الشريف
أخبار ذات صلة
القدس... مدينة كلما اشتد عليها حصار الاحتلال اتسعت في قلب فلسطين…
2026-08-27 07:42 م 96
قانون العفو العام بين مؤيد ومعارض
2026-08-20 11:14 م 163
صيدا تستغيث… والمجلس البلدي غائب
2026-08-17 11:09 م 309
*بين ذكرى الانفجار وغرق السفينة… حين انتصر الإصرار على الألم*
2026-08-04 03:49 ص 256
.. النائب البزري يكشف أبرز تعديلات قانون العفو العام
2026-08-03 09:23 ص 254
إعلانات
إعلانات متنوعة
صيدا نت على الفايسبوك
الوكالة الوطنية للاعلام
انقر على الزر أدناه لزيارة موقع وكالة الأنباء الوطنية:
زيارة الموقع الإلكترونيتابعنا
رسالة إلى النائب أسامة سعد آن الاوان اتخاذ القرار
2026-08-23 09:39 م
هل أصبحت غادة أيوب الأولى مسيحيًا في صيدا و تقلق التيار في صيدا – جزين؟
2026-08-22 07:51 م
نصيحة من صيدا نت إلى الصديقين المهندسين عمر دندشلي وبلال شعبان
2026-08-21 06:02 م
ابو زيد يسقط ابو زيد في الهلالية و صيدا

