×

هل تحرق النار السورية لبنان؟

التصنيف: سياسة

2011-07-05  09:02 ص  877

 

 

سامي كليب
لم تكن تظاهرة مدينة حماه السورية يوم الجمعة الماضي أمرا عابرا في سياق مواجهة النظام. نزل الى شوارعها حوالى 80 ألف متظاهر (وفق احصاءات دقيقة). رفعت في التظاهرة شعارات قاسية جدا ضد الرئيس بشار الأسد. لم يتوان بعض المتظاهرين من ترديد عبارات مذهبية مثيرة على غرار «نساؤهم للكيف ورجالهم للسيف». ستكون حماه يوم الجمعة المقبل محط اهتمام كبير أمني وسياسي من قبل القيادة السورية. كل الاحتمالات واردة، وعدوى الشارع تثير القلق خصوصا في المعاقل التاريخية للصدامات المسلحة في ثمانينيات القرن الماضي، وفي مراكز «الخلايا النائمة للاخوان المسلمين» كما يحلو للبعض وصفها.
تُسيل حركة الشارع السوري لعابا كثيرا لدى اطراف لبنانية راغبة بسقوط النظام السوري. يتزايد الاعتقاد عند هؤلاء بأن لبنان قادر على المساهمة في الضغط على سوريا سياسيا وأمنيا. من الطبيعي والحالة هذه أن يندرج القرار الاتهامي في سياق المواجهة المفتوحة بين حلفاء سوريا وخصومها، ومن الصعب تماما قياس حرارة المواجهات المقبلة بين الطرفين بعيدا عن حرارة الشارع السوري.
يتذكَّر بعض السوريين زيارة الرئيس سعد الحريري الى دمشق. يقول أحدهم إن سوريا كانت قد قررت آنذاك منح الحريري صلاحيات واسعة في السلطة اللبنانية سياسيا واقتصاديا. كان من شأن ذلك لو حصل أن يخفف من قدرة «حزب الله» وحلفاء سوريا على الضغط على الحريري. قاربت العلاقة السورية الحريرية آنذاك، ما كان عليه الشأن حين تقارب الرئيس الراحل حافظ الأسد مع أقطاب المارونية السياسية ووضع حدا لتقدم «الحركة الوطنية». هذا بالضبط ما تمخضت عنه الصفقة التي لم تتم بين سعد الحريري الذي برّأ بنفسه سوريا من دم والده، وبين بشار الأسد الذي سعى للحفاظ على علاقته القوية مع «حزب الله» وإيران وبين فتح صفحة جديدة وواسعة مع الحريري.
يتذكر السوريون أيضا زيارات معلنة وسرية كان احد النواب المخضرمين في «المستقبل» وبعض القيادات الأخرى القريبة من 14 آذار يقومون بها إلى دمشق حين بدأت سوريا تستعيد أنفاسها. يقرأون اليوم تصريحات هؤلاء، فيقولون ان «اللبنانيين يرتكبون الخطأ السابق نفسه، حيث أن ثمة من يوحي لهم بأن النظام السوري ساقط لا محالة، فيتصرفون على هذا الأساس، وغدا سيعودون طالبين فتح صفحة جديدة حين ترتاح سوريا».
يروي دبلوماسي سوري عريق كيف ان القيادة السورية نفسها فوجئت بحجم الحضور اللبناني الكبير لاحتفال عيد الجلاء السوري الرابع والستين الذي أقامه السفير علي عبد الكريم علي في «البيال» في بيروت. آنذاك راح بعض غلاة المعارضين يتصلون بالسفارة السورية في لبنان سائلين عن بطاقات الدعوة للاحتفال، وكان السفير يضحك ويقول «تفضلوا».
قد يغالي السوريون في التعبير عن ثقتهم بقرب خروجهم من الأزمة. لا شيء يستطيع رصد حركة الشارع. ما حصل في حماه سيشجع على المزيد. استخدام الأمن له حدود في المدن ذات الثقل السني والارث الصعب. وعدم استخدامه قد يوسع نطاق التظاهرات. قد تضطر السلطة الى الانزلاق مجددا الى فخ الأمن. العالم ينتظر ومعه سيف العقوبات.
قد يغالي اللبنانيون المناهضون لسوريا في توقع انهيار قريب للنظام السوري. الاوضاع أفضل مما تظهر على بعض الشاشات، وأسوأ مما تقول السلطة السورية وحلفاؤها في لبنان. تستطيع دمشق وحلفاؤها ان يقدموا 100 برهان على قوة النظام والاوراق التي لم تستخدم بعد، ويستطيع خصومهم ان يقدموا 100 برهان على المأزق السوري. سيبقى كل شيء مرهونا بحركة الشارع، ولكن أيضا بالاتصالات الدبلوماسية الناشطة والبعيدة عن الاضواء مع أكثر من طرف اقليمي ودولي. زيارة وزير الخارجية التركي داود اوغلو القريبة الى دمشق بعد زيارة الدبلوماسيين الاميركي والبريطاني قد تكشف عن تطورات خصوصا ان القيادة السورية تبنت عددا من النصائح القانونية والدستورية والحزبية التركية.
أمام الضباب الكثيف في المشهد السوري، يبقى شيء واحد واضح تماما: ان سوريا ستمارس كل الوسائل الممكنة لمنع تحويل لبنان الى بؤرة أمنية وسياسية خطيرة ضدها. هي تحاول قدر الامكان تفادي الافخاخ المذهبية المنصوبة في لبنان. يتفادى التلفزيون الرسمي السوري بث خطاب السيد حسن نصر الله مباشرة على الهواء، يكتفي بأخذ بعض المقاطع منه. يتفادى المسوؤلون السوريون الرد على التصريحات الكثيرة التي تصدر عن بعض القوى اللبنانية المناهضة لسورية. يبقى الاهتمام الأكبر حاليا منصبّا على تثبيت الأمن داخليا، وتسريع خطى الاصلاح واللقاءات المعارضة او تلك التي ستجمع قريبا جدا المعارضة مع السلطة في باكورة مؤتمرات الحوار.
لقد أثار بيان قوى 14 آذار في البريستول وطريقة تلاوته من قبل الرئيس فؤاد السنيورة، اسئلة محورية عند بعض المقربين من القيادة السورية: هل ستغامر هذه القوى فعلا في النزول الى الشارع لاسقاط حكومة ميقاتي؟ هل حملت الزيارات التي قام بها بعض اقطاب 14 آذار الى باريس في الاونة الاخيرة معلومات حول مستقبل النظام السوري؟ هل سترفع هذه القوى خطابها لتبني مقولة رحيل هذا النظام؟ هل سيتم الايعاز بتوتير الاجواء الامنية في طرابلس وغيرها؟ كيف سيتصرف الرئيس نجيب ميقاتي؟ هل سيبقى متمسكا بوسطيته بعد ان جاهر خصومه بطلب قطع رأسه؟ وكيف سيتصرف «حزب الله» لو اشتدت الضغوط عليه وعلى دمشق في المرحلة المقبلة وسط الحاح أميركي غربي على رفع وتيرة الضغوط؟ وهل يصمد وليد جنبلاط في موقفه المدافع عن «حزب الله» وفي بعض المرات عن سوريا؟.
يبدو ان القيادة السورية عازمة حاليا على تجنب الخوض علانية في المواجهة المفتوحة في لبنان. ولكن الاكيد أنها تتابع عن قرب ما يحصل على الاراضي اللبنانية خصوصا ان مئات العمال السوريين كشفوا في الشهرين الماضيين عن مبالغ مالية تدفع لهم لمناهضة النظام السوري، وان بعضهم قد تأثر بخطب الشيخ السوري عدنان العرعور المناهضة علانية للنظام وللطائفة العلوية وبخطب بعض رجال الدين اللبنانيين.
أمام هذه العلاقة الوطيدة بين حركة الشارع السوري وتطورات المشهد اللبناني، يسود ما يشبه اليقين بأن مرحلة ما بعد الثقة البرلمانية بالبيان الوزاري، لن تكون من الفترات المريحة للبنان لان المطلوب هو اضعاف «حزب الله» بموازاة اضعاف سوريا.

أخبار ذات صلة

إعلانات

إعلانات متنوعة

صيدا نت على الفايسبوك

الوكالة الوطنية للاعلام

انقر على الزر أدناه لزيارة موقع وكالة الأنباء الوطنية:

زيارة الموقع الإلكتروني

تابعنا