×

الياس المر: حقي أن أعرف لماذا فجَّروني

التصنيف: سياسة

2011-07-12  12:28 م  3614

 

هو جرح كتمه ست سنوات، فلا حمله الوجع على كسر الصمت ولا دفعه الغضب إلى كشف المستور.. فلا تغلب الشك على اليقين ولا تفوق الحقد على المغفرة، وجلّ ما فعله أنه انتظر، وهو الجريح الحامل أثارا لا تمحى، من يهمس لديه لا اسم القاتل بل دوافع القتل...حقي أن أعرف، يقول الياس المر، لماذا فجروني ذات يوم، وحقي أن اعرف تهمتي قبل صدور حكم الاعدام.لا أريد رأس أحد ولا أريد الثأر من أحد، المحكمة عندي هي طريقي إلى الدوافع لا إلى الجناة، وهي طريقي إلى صفحة جديدة مع الذات ومع الجناة لا ماضي اسود فيه ولا ميل إلى غدٍ أسود.ست سنوات مرّت على "الزلزال" وكان فيها الياس المر الهدف الذي لا يسقط من مطاردات الجناة والرجل الملاحق بالافتراء والتجني والترهيب، وكأن من أخطأه جسديا في ذلك الثاني عشر من تموز يريد تصحيح الخطأ سياسيا بأي ثمن وبأي وسيلة.ست سنوات عايش فيها الياس المر مرارات الأيام أكثر من حلاواتها، من الفراغ الرئاسي إلى نهر البارد إلى عنجر إلى السابع من أيار وبينها وحولها الكثير الكثير من المطبات والألغام والخضات والمخاطر.نسأله لماذا كان كل هذا الصمت ولماذا الآن، فيقول إن الشأن العام فرمل كل كلام لا يكون كلاما لمصلحة لبنان والجيش والسلم الأهلي، وأن أي كلام ذاتي الهوى في ذلك الزمن الساخن لن يكون إلا كلاما خارج المنطق وربما خارج الزمن.يتحدث الياس المر عن علاقته بالرئيس ميشال سليمان منذ كان مقدما في مديرية المخابرات مرورا بقيادة الجيش وصولا إلى رئاسة الجمهورية، ليستفيض في الإضاءة على مسار أسهم في تحديد خطوطه لينتهي إلى شعور بالمرارة حيال ما آلت إليه الحال وليس بالندم على ما كان وما صار.ويتحدث الياس المر عن الانفجار الذي نهش لحمه ولحم رفيقيه العقيد الياس البيسري وامين المر وقضى على عابر سبيل هو خالد مورا مستعيدا بذاكرة ثاقبة لحظات المعاناة بكل تفاصيلها الصغيرة والكبيرة ليقول: لقد رأيت قاتلي بعيني هاتين ينظر إلي مثخنا بالجراح، ورأيت رفيقي يحترقان في سيارتي المدمرة... وتذكرت أن ابني كان سيكون مهشما أمامي لو أني وافقت على اصطحابه... ومن لغة الحديد والنار والدماء يتحدث الياس المر الإنسان والصحافي، كاشفا عن تسعة مشاريع إعلامية جديدة إلى جانب "الجمهورية" وعن بركة حازها من الوالد دولة الرئيس ميشال المر كي يحمل مشعل العائلة في انتخابات العام 2013 مرشحا إلى الانتخابات النيابية متسلحا بإيمانه وخبرته في الشأنين الوطني والدولي

لماذا قررت أن تكسرجدار الصمت الآن؟



قرّرت أن أتحدث الآن لأن في الأحد عشر عاما التي مضت، كنت مسؤولا عمليا عن وزارتين معنيّتين مباشرة بالأمن سواء وزارة الداخلية أو وزارة الدفاع، وهنا ينتظر منك المواطن أن تتكلم عن تقنيات عملك، فما يهمّه مثلا في وزارة الداخلية على صعيد الأمن حل مشاكل السير والحرائق ومكافحة المخدرات والجريمة أو الجريمة المنظمة. أما في ما يخص وزارة الدفاع، فالكلام في السياسة أصعب بكثير، نظرا إلى أهمية أن تبعد الجيش اللبناني من السياسة والسياسيين، وبالتالي من يتولى وزارة الدفاع ويتعاطى الشأن العام عليه أن يحرص على كل كلمة يقولها حتى لا يورّط الجيش في موقف سياسي يتخذه هو، لأن الناس لا تعرف أن تفصل بينه كوزير دفاع وبينه كشخص وبين المؤسسة العسكرية، لذلك يكون الصمت أكبر بكثير.

مررنا في وزارة الدفاع بمحطات صعبة جدا. لقد دخلت إلى الوزارة عام 2005 وجرت انتخابات بعد انسحاب الجيش السوري من لبنان في نيسان 2005، بعدها استقالت حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، ووقعت عملية تفجيري. ثم تألفت حكومة جديدة وكنت أتلقى العلاج في هذه الفترة. ودخلنا بعدها مرحلة العدوان الإسرائيلي على لبنان في تموز 2006، وتلاها صدور القرار 1701 الذي انتشر بموجبه الجيش في الجنوب، ثم وقعت حوادث كانون الثاني وما تخللها من قطع طرق وحرق دواليب وطريقة تعاطي الجيش مع كل ملف. ثم واجهنا معركة نهر البارد عام 2007 التي سقط فيها 200 شهيد وألف جريح للجيش الذي انتصر على الإرهاب إضافة إلى المعركة المثمرة التي خاضها ضد الإرهاب منذ 7 سنوات حتى اليوم، وكل هذه المواضيع بعيدة من السياسة، لهذا السبب قرّرت عدم التكلم في السياسة وإبداء أي رأي حتى لا يقرأه أحد على أنني أزج الجيش في ملف ما.

في الفترة الأخيرة، وعلى أعتاب عيد الميلاد استقالت الحكومة بخروج 11 وزيرا منها ومنذ ذلك الحين، كانت تصرّف الحكومة المستقيلة الأعمال فيما البلاد تعيش فراغا والناس تجهل مصيرها. وقد تزامنت هذه المرحلة مع بعض المسلسلات التلفزيونية التي عرضت تحقيقات عن المحكمة الدولية ومن بينها التحقيق المتعلق بي والتي أُسميت "حقيقة ليكس"، ومن بعدها صدرت بعض وثائق "ويكيليكس"، الأمر الذي سبّب نوعا من الإحراج لرئيس الجمهورية ولي. وخلال الفترة التي توليت فيها وزارة الدفاع، ولا سيما أنني كنت محسوبا من حصة رئيس الجمهورية، لم أرغب في أن يسجل لي أي موقف لأنني التزمت أخلاقياتي والتعاطي السياسي، وأنا أعتبر أن السياسة تتميّز بالأخلاق وليست مبنية على الكذب والنفاق، وعندما أكون محسوبا على فريق سياسي عليّ التزام الحدود.

أما اليوم فأعتبر أن الياس المر الذي تعاطى الشأن العام لمدة 11 عاما بات يملك حرية الحركة في العمل السياسي وحرية الموقف، ولا أحرج لا رئيس الجمهورية الذي كنت ضمن فريقه لفترة معينة، ولا أي فريق آخر لأنني لا أنتمي أصلا إلى أي حزب أو تيار، لذلك أستطيع إبداء رأيي بكل حرية وبضمير مرتاح من دون أن أورّط أحدا أو يعتبر أحد أنه متورط نتيجة موقفي".

• هل تعتبر أنك أخطأت في حقّ رئيس الجمهورية؟

- أولا السؤال كما طرح يُسأل بعد سلسلة مواقف أو محطات أو حتى سنوات. عليك أن تعود إلى علاقتي برئيس الجمهورية واليوم أستطيع الحديث وأنا مرتاح لأن الحكومة تألفت. وحتى لا يعتقدوا أنني أقول هذا الكلام تحت عنوان أي طموح حكومي وسأشرح لماذا.

عندما صدرت "الحقيقة ليكس" ومن ثم "ويكيليكس" في عيد الميلاد، لم يتصل بي فخامة الرئيس ومن الطبيعي أنني لم أتصل به أيضا، لأنني أعتبر أنه هو رئيس البلاد ويستطيع أن يتصل ويرسل بطلبي لنجلس سويا ويستفهم مني عن خلفيات هذا الكلام، فهكذا اعتدنا أن نتعامل مع بعضنا في السابق عندما كنت وزيرا للدفاع وهو قائدا للجيش وكنت أبادر إلى الاتصال به عند حصول أي لغط أو سوء تفاهم ونجلس سويا ونحلّ كل القضايا وبعضها كان أخطر وأهم بكثير.

لقد تمّ تفجيري وكان قائداً للجيش وكدت أموت، مررنا سويا بمحطات شهدت مشاكل في الشوارع وقطع طرقات وحرق دواليب ومعركة نهر البارد. ثم مررنا سويا بمرحلة فراغ الرئاسة الأولى بعد انتهاء عهد الرئيس إميل لحود حين عاشت البلاد من دون دولة ومن دون رأس، واجتزنا تلك المرحلة بكل صعوبتها وكنا نتصارح في كل شيء.

في هذه المرحلة اعتبر الرئيس سليمان نفسه محرجا ولم يرغب في التكلم معي ولم يحصل تواصل بيننا. يمكن أن أكون قد ترجمتُ هذا الأمر في السياسة، لذلك لم أبادر إلى الاتصال به في فترة استقال فيها فريق من الحكومة إضافة إلى الوزير الوديعة الذي كان من حصة الرئيس والتحق كوزير 11 لتسقط الحكومة. ومن الممكن أن الرئيس سليمان قد رأى أن لا قدرة لديه في هذا الظرف السياسي على أن نكمل التعاون سويا أنا كنائب رئيس حكومة ووزير دفاع وهو كرئيس جمهورية، لذلك أعتقد أن "الحقيقة ليكس" و"ويكيليكس" شكلتا له مناسبة ليجد مخرجا لائقا لا يكون فيه محرجا تجاهي.

• مع من؟

- محرج في المطلق، هو يعرف مع من وليس عملي الدخول في التفاصيل. هذا تحليل ويجوز أن يكون مخطئا أو صائبا ولكنه تحليل. لكن المهمّ وما يجب أن يعرف فخامته والناس أيضا، أنني بعد استقالة الحكومة في الشكل الذي استقالت فيه، فهمت المرحلة بسرعة لجهة أنني لم أعد أستطيع المشاركة في أي حكومة يمكن أن تتألف مع أي كان في الشكل الذي كان، لأن إسقاط الحكومة كان هدفه الأساسي المحكمة الدولية حتى لا نضحك بعضنا على بعض.

• ولماذا موقفك هذا؟

- ملفي ذهب إلى مجلس الأمن بقرار منه، وكنت أعرف أن الحكومة التي ستتألف لن تستطيع السير في تمويل المحكمة والتعاون معها. فكيف سأكون وزيرا فيها إذن؟ هل أتعيّن في حكومة تضع بيانا وزاريا إذا قالت فيه "مبدئيا" سأنسحب؟ بالتالي كنت أعلم أنني لن أشارك فيها ويمكن أن يكون فخامة الرئيس يجهل أنني أفكر هكذا ولو كان يدري لكانت الأمور "طرية أكثر". ولكنني لا أعاتب ولا ألوم. لقد اعتبرت أنه كان محرجا وأنا محرج وقطعت المرحلة.

ولكن كان على فريق عمله إعطاءه التحليل السياسي الدقيق وأن يقولوا له يجب أن لا تكون محرجا مع الياس المر لأنه لن يشارك سياسيا في حكومة لن تتعاون مع المحكمة وتسير في تمويلها، فملفه في مجلس الأمن وبالتالي هذا يعني أن المشكلة "محلولة".

لسوء الحظ مرّت شهور والتواصل منقطع إلى أن جاءت قضية وزارة الاتصالات وما حصل مع الوزيرين شربل نحاس وزياد بارود. وهنا حصل تواصل مع الرئيس وتدخّل الجيش وعالجنا المشكلة.

• هل يمكن أن تطلعنا على تاريخ العلاقة بين الرئيس وبينك؟

- تعرّفت على فخامة الرئيس وأؤكد مجددا أنني أقول هذا الكلام اليوم لأن الحكومة تألفت ولا أريد أن يفسر أحد كلامي على أنه رسائل، إنما أتكلم ليعرف الشعب اللبناني الحقيقة. فكثيرون سألوا عن سبب موقفي الأخير في حلقة "كلام الناس". بالنسبة إلي عنوان عملي في الأحد عشر عاما التي مرّت كان الشفافية ولو كانت جارحة في بعض الأوقات، وكان الناس يحبّون ما أقوله أحيانا وأحيانا أخرى لا، ولكن لم أكذب مرة عليهم. لذلك رغبت اليوم بأن أجري جردة حساب مع المواطنين اللبنانيين ليعرفوا لماذا هذا الشخص، الذي احترم عمله البعض فيما لم يحبّ البعض الآخر سياسته، اتخذ هذا الموقف أخيرا وأصبحنا في هذا الوضع.

لقد تعرفت على فخامة الرئيس عندما كان برتبة مقدم في اللواء العاشر وآنذاك كان رئيس الأركان اللواء سهيل خوري، ومن ثم عيّن العماد إميل لحود قائدا للجيش. وبنيت في حينه علاقة صداقة مع الرئيس سليمان هو كرئيس فرع مخابرات في جبل لبنان وأنا كمواطن وكان دولة الرئيس ميشال المر وزيرا للدفاع.

في يوم من الأيام فكر الرئيس سليمان بترك الجيش والتوجه نحو أمن الدولة فسألني هل يستطيع وزير الدفاع آنذاك دولة الرئيس ميشال المر أن يوقع له قرار انتدابه إلى أمن الدولة فتحدثت مع الرئيس المر، الذي أجابني: حرام ضابط بمناقبيّته وطائفته ومذهبه الماروني أن يضيّع عليه فرصة أن يكون قائدا للجيش في المستقبل، وهو في حال ذهب إلى أمن الدولة سينتهي كضابط في أمن الدولة من دون أي مستقبل.

ولكن في كل الأحوال ولأنه صديقك سأوقع له القرار، لكن أحب أن أسديه نصيحة لأنني أعتبره مثل أولادي نتيجة صداقتك ومحبتك له. ثم عقدت جلسة بيننا نحن الثلاثة فعدل الرئيس سليمان عن قراره إثر نصيحة دولة الرئيس ميشال المر له وبقي في الجيش. ومن ثم تعاون مع الرئيس إميل لحود وشغل رتبة قائد لواء مرات عدة، وبقيت العلاقة بيننا علاقة صداقة قوية. وبما أن علاقة عائلية كانت تجمعني مع الرئيس لحود كقائد جيش في حينه، كنت أساعد الرئيس سليمان في أي موضوع لأنني أعتبره من الضباط الذين يستأهلون أن أدعمهم خصوصا أنه لم يكن لديه أي علاقات سياسية ولم يكن يتعاطى مع السياسيين ولم يدعمه أحد في السياسة ليتوسط له وهو لم يكن يحب هذه التصرفات.

ومن ثم رُشح إلى مركز قائد الجيش بعدما انتخب الرئيس لحود رئيسا للجمهورية، كذلك، قدم مرشحاً أساسياً يدعى العميد أسعد غانم الذي أصبح لاحقا المدير العام للجمارك، ومرشح آخر يدعى سليم ليون، من جهته قدّم الفريق الآخر مرشحا إسمه ميشال سليمان، وعندما تحدثت مع الرئيس لحود بالموضوع لم يعارض وأصبح العماد ميشال سليمان قائدا للجيش.

بعدها عيّنت وزيرا للداخلية وحصل تعاون ممتاز بيننا. وفي هذه الفترة عيّن شقيقه محافظا للبقاع وشقيقه الآخر صديقنا، كان رئيس رابطة المخاتير وكانت العلاقة دائما ودية إلى أن جاءت حكومة الرئيس ميقاتي التي عينت فيها وزيرا للدفاع ونائبا لرئيس الحكومة، وتعاونا سويا على أكمل وجه، ومرت المرحلة في شكل ممتاز حتى أصبح رئيسا للجمهورية.

• أنت رشحته إلى الرئاسة عبر الإعلام...

- لا أريد الحديث عن حقبة الرئاسة، فأنا من الأشخاص الذين رشحوه إلى الرئاسة قبل سنتين على شاشات التلفزة وتحديدا عبر برنامج "كلام الناس".

إذا أردت أن أقرأ الموضوع في السياسة فقط، البعض قال لي في حينه "شو صاير عليك" أن ترشح إنسانا إلى رئاسة الجمهورية قبل سنتين، ربما لن يصل وتكون بذلك أحرقت نفسك مع الآخرين، "مش هيك بيلعبوها بالسياسة". أجبتهم: "هذه هي قناعتي".

والبعض كان يقول: "لن يأتي عسكري بعد عسكري". فالرئيس لحود عسكري فكيف سيأتي عسكري آخر من بعده؟ جوابي كان: هذه هي قناعتي سواء جاء رئيسا أو لم يأت وإذا شاءت الظروف أن انتخب رئيسا للجمهورية.

• ولكنك في "ويكيليكس" قلت عنه "كذا وكذا" فكيف كنت معه في الرئاسة؟

- على المواطن أن يعرف ما هي "ويكيليكس". في 7 أيار وقعت أحداث بيروت، فنزل حزب الله بالسلاح وحصل إطلاق نار ومات مئة شخص. دمّرت بيروت والجيش لم يتدخل. سفراء فرنسا وألمانيا وإيطاليا والولايات المتحدة والمجموعة الأوروبية والأمم المتحدة جاؤوا إلي كوزير للدفاع ليعلموا لماذا الجيش لم يتدخل، وسمح بحصول هذه الأحداث. وعندما تكون جالسا بين سفراء وأمامك شخص يعتبر مشروع رئيس جمهورية، فإما تقول لهم حقيقة ما حصل وتكون بذلك قطعت نهائيا حبال التعاطي مع كل هذه الدول لتكمل تسويق مشروعك السياسي لجهة انتخاب قائد الجيش العماد ميشال سليمان رئيسا للجمهورية، أو تحاول أن تسايرهم في المناخ الذي جاؤوا فيه في ذلك اليوم لأنهم كانوا في حال من الهلع والغضب، وتريحهم لأن هذا فنّ التفاوض، لتتمكن في الجلسة الثانية بعد مرور أسبوع أو اثنين، من إعادة طرح الموضوع أمامهم حتى لا يعتبروا أن كلامك لا يحمل مصداقية، وهذا ما حصل. وأكبر دليل إلى ذلك، أن كل من لام العماد سليمان سواء سفير فرنسا أو سفير الولايات المتحدة وحتى الأمم المتحدة، اجتمعوا في ما بعد علنا أو خفاء وسوّقوا اسمه لرئاسة الجمهورية وساروا به وكانوا على تنسيق معي ولكنني حافظت على مصداقية معينة، وكنت أقول بعض الأمور في إطار "أن تأخذ وتعطي" معهم حتى لا يخرجوا من عندك من دون عودة لأن البلاد كانت منقسمة بين فريقين: فريق يقول 7 أيار محقة وآخر يقول إنها انقلاب. فريق يقول إن الجيش قصّر وآخر يقول لم يقصر.
أما المجتمع الدولي فكان يتهم الجيش بالتقصير، ولو اتخذت الموقف نفسه كقائد الجيش آنذاك، سيصبح هناك موقفان في موقف وبالتالي لا أستطيع أن أفيد في مكان ما. وهذا ليس تبريرا ولكنه الواقع. لا أبرر لأنني أريد شيئا من فخامة الرئيس سليمان".

• لكنك وصفت الرئيس سليمان بالضعيف

- عندما اجتمعت بي لجنة التحقيق الدولية لتستمع إلى إفادتي، كان سبق أن استمعت إلى إفادة قائد الجيش العماد سليمان لمدة ساعات. وفي هذه الفترة كان أربعة ضباط مسجونين ومن بينهم ريمون عازار الذي كان مدير مخابرات في الجيش اللبناني وليس في الجيش الصيني. ومصطفى حمدان كان قائد لواء الحرس الجمهوري في الجيش اللبناني. لن أتكلم عن المدير العام للأمن العام في حينه اللواء جميل السيد والمدير العام لقوى الأمن اللواء علي الحاج فهما كانا يتبعان وزارة الداخلية.

العقيد غسان الطفيلي كان مسؤولا عن التنصت في الجيش وذهب إلى التحقيق مرات عدة، وبالتالي كان الجو لا يزال ضاغطا. وأنا أعرف أن العماد سليمان لم يكن مرتاحا إلى جلسة التحقيق لأن المحقق سأله هل كنت على علم بتصرف عازار والطفيلي أو لا. أنا متأكد ولا أشكك أن العماد سليمان "قب باط" في أي شيء أو في أي فترة. ولكن هذه لا تعد إجابة كافية للجنة التحقيق التي كانت تملك صفحتين مليئتين بـ15 سؤالا تركز على قائد الجيش آنذاك. كنت أمام خيارين: إما القول إن قانون الدفاع واضح فطبّقوه، مما سيوصل إلى مشكلة وتحديدا بالنسبة إليه، لكنني كنت متأكدا من براءته فلم أجد أمامي مخرجا قانونيا لأثبت براءته إلا اللجوء إلى هذه الطريقة وهو لا يجب أن يعتب في الأصل من هذه الكلمة، لأنني قلت الشيء نفسه عن الرئيس لحود وهو جد أولادي ويعرف مدى احترامه وتقديره عندي. واعتبرت أن ما قلته يفيده لأنني متأكد أيضا أن الرئيس لحود بريء من كل المرحلة السابقة. لكن لسوء الحظ عندما يصل الإنسان أحيانا إلى مركز عال يصبح محاطا بفريق عمل يحب أن يسمعه الأمور التي يجب سماعها ولا يضيء له على الحقيقة، ولا يلفت نظره إلى أنه سيذهب إلى منزله بعد انتهاء ولايته وبالتالي عليه أن يحافظ على الأصحاب والذين يقفون إلى جانبه.

وأنا عاتب كثيرا على فريق فخامة الرئيس. أبدأ أولا بالوزير ناظم الخوري وهو صديقي منذ 15 عاما، والسفير ناجي أبي عاصي وهو صديق منزلنا وعائلتنا منذ أن كان في الخارجية، إلى العميد وديع الغفري قائد الحرس الجمهوري وهو من المتن الشمالي وإبن منطقتي.

والرئيس سليمان منذ أن كان قائدا للجيش حتى اليوم يعرف أنني كنت إلى جانبه في كل المحطات. وأستغرب كيف أن أحدا في هذا الفريق لم يرفع سماعة الهاتف ليعرف حقيقة الموضوع. لذلك عندما يكون الفريق على هذا المنوال فهو يضر برئيس الجمهورية.

سأعطي مثلا آخر، عندما كنت وزيرا للدفاع ويحصل سوء تفاهم بيني وبين قائد الجيش، كنتم تشددون، أنتم الذين تجلسون معي الآن، على وجوب انتهاء الموضوع فورا لأنه يضرني ويضر الجيش وبالتالي المؤسسة العسكرية بأكملها. هكذا يكون المستشارون المخلصون الذين يسهمون في نجاح الشخص في سدة المسؤولية، ولا يتبخّرون حتى لا يسوّدوا وجوههم مع الشخص، لأنه في النهاية، عندما يسوّدون وجه الشخص مع الجميع لا يمكن أن يبيّض مجددا خصوصا عندما يعودون إلى بيوتهم بعد سنتين.

• لماذا حمّلت في برنامج "كلام الناس" الرئيس سليمان مسؤولية أمنك ومسؤولية تعرضك لأي خطر؟

- أولا عندما تريد قراءة الموقف عليك قراءة ظروفه: أنت تعطي موقفا على الهواء. ومنذ أسبوع صدرت مذكرات توقيف في حق أشخاص، أنت إنسان "فُجّرت"، ومعلوماتك تقول إن ملفك ضُمّ إلى ملف الرئيس رفيق الحريري وهذا يعني أن المنفّذين المشتبه بهم هم نفسهم، أي أنك أصبحت في وضع أمني وعاطفي وفي هذه اللحظة، يختلف الكلام الذي يصدر عن الكلام الذي يعيّب فيه الشخص عندما يتكلم في السياسة، فجميعنا بشر وإذا أردنا أن نتحول إلى حجر لا نعود أشخاصا.

ما قلته منذ أسبوع مع مارسيل غانم في موضوع تحميل المسؤولية، قلت إنني أحمّل الرئيس سليمان المسؤولية عن الماضي. عندما تألفت الحكومة الأولى في عهد الرئيس سليمان كنت نائبا لرئيس الحكومة ووزيرا للدفاع قبل أن يصبح رئيسا للجمهورية، وعندما وصل إلى سدة الرئاسة أصر العماد ميشال عون على اللواء عصام أبو جمرا لموقع نائب رئيس الحكومة، وعرقل التأليف. عندها اتصل بي فخامة الرئيس وهو يؤلف حكومته الأولى وشرح لي العقدة وسألني هل تشارك كوزير دفاع، فرفضت، لكنه بقي يحاول إقناعي لمدة نصف ساعة على الهاتف ويتمنى عليّ، وأنا ممتنّ، المشاركة. وفي الحقيقة لم تكن لدي أبدا هذه الرغبة وأبلغت إليه ذلك. قلت له قبل أن تتولى سدة الرئاسة وقبل أن يتولى الرئيس فؤاد السنيورة رئاسة الحكومة، كنتُ نائبا لرئيس الحكومة ووزيرا للدفاع ووزيرا للداخلية في السابق. وأنت أصبحت رئيسا للجمهورية بعدما كنت قائدا للجيش، والرئيس السنيورة كان وزيرا للمال وأصبح رئيسا للحكومة. فلماذا علي أن أعود إلى الوراء في هذه المعادلة؟ وفي النهاية أقنعني وقال لي: أتحدث معك كأخ وأنت من العائلة، يجب أن تقبل اليوم بوزارة الدفاع "وفهمك كفاية". أجبته: "طيب ماشي" لكن في الحكومة الجديدة سأعود إلى موقعي الطبيعي الذي كنت فيه قبلكم. وهكذا حصل.

اعتبرت أن الكلام الذي قلته مع مارسيل غانم ليس ردة فعل على عدم مشاركتي في الحكومة أو على مداخلة اللواء جميل السيد عندما أعلن أنني قلت هذا الكلام لأن الرئيس سليمان لم يأت بي وزيرا. قد يكون اللواء السيد لا يعلم هذه التفاصيل وأنا أحترم مداخلته وأفهم رأيه. ولكن الكلام الذي قلته يشمل حقبة معينة من الزمن. الحقبة الأولى أنا "تفجرت" وأنت قائد للجيش. لم أحاسب أحداً على حمايتي سواء قبل حادث التفجير على صعيد الحماية المعلوماتية من مديرية المخابرات، أو على حماية طريق منزلي التي يجب أن تكون بالحد الأدنى مؤمنة. وأنا كنت مهددا وهو يعرف ذلك، ولم أحاسب أحدا ولم أطلب شيئا.

بعد نحو سبعة أو ثمانية أشهر، جلست مع العماد سليمان وكان قائدا للجيش وقلت له: أملك بعض المعلومات التي تدل إلى بعض الأشخاص وأتمنى عليك أو تدقق فيها. ترافقنا ست سنوات ولم تصل أي معلومة عن هذه الأسماء. ولو وصل إلي شيء في حينه، وكان ملفي الملف الأخير الذي أحيل إلى المحكمة الدولية تحت الفصل السابع بقرار من مجلس الأمن، وهو أحيل لاحقا إلى المجلس العدلي. أنا لم أرسله إنما تركته في المحكمة العسكرية لأنني فضلت أن أتركه في عهد القضاء اللبناني الذي أحترمه وأقدره وأثق فيه على عكس ما يقوله كثيرون. كنت أفضل أن يبقى ملفي في لبنان وأن يصدر فيه قرار ظني في لبنان وتحصل المحاكمة في لبنان.

في الأعوام الست الماضية لم يصلني رد على بعض الأسماء التي سلمتها إلى الرئيس سليمان آنذاك، لن أفصح عنها ولن أدخل فيها، وهو يعرفها، وإذا نسيها، يمكن أن ينسي الزمن الإنسان، لكنه يعرف أنني أعطيته إياها في ورقة ولا أزال أحتفظ بنسخة عنها. وسلمتها إلى أكثر من شخص خارج لبنان لتبقى معهم أمانة.

لم يصلني أي رد إلا القول إنها غير دقيقة وغير صحيحة، لا مشكلة، لا أريد الدخول في هذا الموضوع لأنه موضوع "طويل عريض". ولكن عندما رأيت أن رئيس الدولة، الذي هو رئيس البلاد ومؤتمن على الدستور وعلى حياة كل مواطن، استاء من كلمة صغيرة صدرت في "ليكس" ونسي كل المرحلة الماضية بحقباتها ومشكلاتها ومصائبها وأوجاعها وتفاصيلها والأسماء التي أعطيت له... اعتبرت أن عليّ تذكيره أنني إنسان تعرضت ولا أزال معرضا، لذلك أحمله مسؤوليتي الأمنية أمس واليوم وغدا. وأكرر لا أحمله مسؤولية قضائية لا سمح الله، بل مسؤولية أمنية وهو مؤتمن على حياة جميع اللبنانيين.

وهنا أعطي مثلا حصل معي. لقد اتصل بي الرئيس رفيق الحريري بعدما ترك رئاسة الحكومة في تشرين 2004 وأنا تركت وزارة الداخلية في تشرين 2004 وقال لي: تحدّث مع فخامة الرئيس لحود "عمّك" وأبلغ إليه أنهم سحبوا عناصر قوى الأمن الداخلي التي كانت معي، فهل يرضى هو بهذا الأمر؟ وصودف أنني كنت في تلك اللحظة أتناول طعام العشاء مع الرئيس لحود في أحد المطاعم. فأقفلت الهاتف وأخبرته بما حصل. فأجابني: أولا لا علم لدي بما حصل وثانيا لا أقبل بهذا الأمر، وثالثا إسأله الآن وأمامي أن يختار الضباط والعناصر التي يريدها من الحرس الجمهوري، وسأرسلها إليه فورا. وهذا ما جرى وأبلغت إلى الرئيس الحريري هذا الأمر. فطلب مني أن أشكر الرئيس لحود وأبلغ إليه أنه ممتن له. وكان حجم الخلاف السياسي بين الرئيسين لحود والحريري كبيرا وتصرف الرئيس لحود بهذه الطريقة.

كنت أعتبر أن "الحقيقة ليكس" و"ويكيليكس" تفاصيل، ومن المفترض أن يعرف الرئيس سليمان أنني لن أشارك في الحكومة بحكم العلاقة التي تربطني به منذ 25 عاما، واعتبرت أنه سيبادر في الحد الأدنى ويقول لي: لأنك تفجرت في عهدي ولأنك خضعت لـ17 عملية جراحية أمام عينيّ ولأنك كنت تقف طيلة الوقت إلى جانب الجيش وإلى جانبي كرئيس للجمهورية خلال توليك وزارة الدفاع، ولأننا على أبواب صدور القرار الاتهامي، فالحد الأدنى أن يكون الموضوع الأمني عندي. لكن حتى هذا الكلام لم يصدر عنه، لذلك أعتبر أن لدي عتبا كبيرا جدا جدا. "معليش" ليسمح لنا بعض أقربائه الذين يدورون من مكان إلى آخر يتكلمون عن الياس المر.

عندما كان الياس المر مع ميشال سليمان، كانوا خارج المعادلة، وعندما سينتهي عهد ميشال سليمان من المؤكد أنهم سيكونون خارجها، سوى أنهم أقرباء له. فليسمحوا لنا قليلا ويبحثوا في طريقة المحافظة عليه وعلى أصدقائه وليس كيف سيخربون علاقته مع أصدقائه.

• في خلال علاقتك مع الرئيس سليمان منذ أن كان مقدما في المخابرات وحتى وصوله إلى سدة الرئاسة، هل تشعر بالمرارة أو الندم؟

- لا أشعر بالندم، ولو جرت اليوم انتخابات رئاسية أصوت له مجددا. من المؤكد أنني أشعر بمرارة لأن خسارة رئيس جمهورية هي خسارة ظرفية، فرئيس الجمهورية ليس ملكا ليدوم مدى العمر، أما خسارة صديق فتخلق مرارة.

• مرت ست سنوات على محاولة اغتيالك ولم تحتفل مرة واحدة بهذه الذكرى، لماذا؟

- لنبدأ بمحاولة الاغتيال التي لم أتحدث مرة عن تفاصيلها. اليوم أستطيع أن أتكلم من دون أن يقول أحد أنني أتاجر بدمي ولا بالعاطفة في سبيل موقف سياسي.

أتحدث عن الحادثة كما حصلت. كنت يومها أمضي فصل الصيف في حالات (قضاء جبيل) مع عائلتي على البحر، لم تكن لدي مواكبة ولم أكن مؤمنا بها. أدرت محرك سيارتي فأصر إبني البالغ من العمر في حينه نحو 9 أعوام على الذهاب معي إلى المكتب. فرفضت وطلبت منه البقاء مع رفاقه فأصر على مرافقتي ووضع حزام الأمان، معتبرا أنني لن أعيده، وجلس مرافقي أمين المر في الخلف وكنت من يقود. ومع وصول العقيد الياس البيسري، طلبت من إبني الترجل والعودة، فجلس مكانه. حاولوا أن تتخايلوا الوضع وهم يخرجون العقيد البيسري من السيارة، ضابط في سنه ووزنه وصحته الجسدية، أن يكون طفل جالسا مكانه في هذه اللحظة وماذا كان يمكن أن يحدث.

سرنا على الأوتوستراد ووصلت إلى مفرق أنطلياس تحت الجسر، فنظر إليّ العقيد البيسري طالبا مني التوجه صعودا، فسألته عن السبب، أجابني أنه رأى شخصا على الجسر ولم يعجبه شكله. طلبت منه الكف عن التوهم وأكملت طريقي وراء بطريركية الأرمن على طريق النقاش القديم التي كنت أسلكها يوميا. "لفيت" كوع pointure الذي أقيم عليه تمثال مار الياس. وفيما كنت أصعد رأيت سيارة "باجيرو" حمراء مركونة إلى جنب، لكن مؤخرتها تميل قليلا إلى الطريق. قلت للعقيد البيسري: لن يتعلموا في لبنان أن يركنوا سياراتهم كما يجب ولو بعد مئة عام. وكانت مقدمة سيارتي وبابها أصبحا في موازاة باب ومقدمة سيارة "الباجيرو" المفخخة ودوى الانفجار.

في لحظة الانفجار، لم أسمع شيئا. رأيت ضوءا أزرق على أبيض قويا جدا ولم أفقد وعيي في حينه وشعرت أن السيارة "تزحط" على الطريق وقد نسيت أنها كانت تتجه صعودا وليس نزولا، خيّل أن هناك مازوت على الأرض لذلك السيارة "تزحط"، لكنها عمليا لم تكن "تزحط". بل قوة الانفجار دفعتها 80 مترا إلى الأمام. وإذا بعجلات السيارة خرقت الزفت وتوقفت في أرضها. في هذه اللحظة سمعت صوتا رهيبا كإنفجار وفتحت كل أكياس الهواء، دخان أبيض ونار جحيم على الطريق وفي الموقع. التفتّ إلى العقيد البيسري فأجده طار من على مقعده إلى أحضاني. اعتقدت أنه لا سمح الله استشهد لأن الدم كان يغطيه ولا يحرك ساكنا. التفت إلى مرافقي أمين المر واعتقدت أيضا أنه استشهد لأن رأسه كان مفتوحا إلى قسمين وعينه طايرة والدم يغطيه وفاقد الوعي. وهنا اشتعلت النيران في السيارة. حاولت الخروج وفتح الباب بيدي اليسرى، رأيت أنها مكسورة ومحترقة. حاولت إعادة العقيد البيسري إلى كرسيه، لم أستطع بيدي اليمنى لأنها مكسورة أيضا. حاولت أن أشد بقدمي اليسرى، لم أستطع لأنها كانت مكسورة واللحم تطاير منها. بقيت قدمي اليمنى مصابة لكن ليس بحجم الإصابات الأخرى. أخرجت رأسي وكتفي من النافذة وضعت قدمي على جزء من "تابلو" السيارة ورميت بنفسي خارجها. ارتميت أرضا وبمقدار ما كان حجم الانفجار وحرارة الزفت، احترق جسمي لأن الزفت كان سائلا مثل المياه الساخنة. وفيما كنت أنهض قرب السيارة شاهدت شخصا مهرولا يرتدي قميصا سوداء وسروالا أسود وحده والشارع فارغ، "فشخته" متر ونصف، قفز فوق سور منزل نحو الشمال وأسرع متجها إلى الحرش، وكان ينظر إلى عينيّ وأنا أنظر إلى عينيه لكنني في لحظتها لم أعرفه. ولكنه كان الشخص الوحيد الذي كان يرتدي ثيابا سود موضع شك.

ثم تبيّن في التحقيقات أن امرأة عجوز كانت تسلك طريق الحرش شاهدت شخصا يهرول نزولا كما أن طبيبا صودف مروره بسيارته أعطى الإفادة نفسها. وهذا يعني أنني لم أتوهم بل ما شاهدته كان دقيقا. حاولت أن أجر نفسي لأصل إلى أول مفرق وأستوقف سيارة، مرّت سيارة أولى فيها عائلة لم تعرفني لأن الدم كان يغطيني وتابعت طريقها، ومرّت سيارة أخرى فيها طفل ولم يعرني أصحابها اهتماما ولم تتوقف، إلى أن مرّت سيارة ثالثة تقودها الصيدلانية السيدة موني الشماس فتوقفت وأدخلتني السيارة وفيما كنا نصعد إلى المفرق شاهدت على الأرض جثة خالد مورا محترقة.

لم تكن السيدة الشماس قد تعرفت إلي، قالت لي إننا سنتوجّه إلى المستشفى لأنني أنزف دما كثيرا، فطلبت منها الاتصال بالصليب الأحمر والدفاع المدني لأن معي رفيقين في السيارة وهي تحترق وقد استشهدا ويجب سحب جثتيهما.

وبما أنها صيدلانية وكنت أجهل ذلك في حينه، أمنت الاتصال فورا بالدفاع المدني والصليب الأحمر. وطلبت منها أن لا نتابع سيرنا قبل وصول الصليب الأحمر. وعند وصوله ذهبنا وشعرنا أن السيارة "تزحط" وقد أصيبت عجلاتها لأنها مرت قرب سيارتي والأرض ممتلئة بالمسامير والشظايا. وفيما كنا نتّجه صعودا إلى المستشفى طلبت منها التوجه إلى مستشفى "أوتيل ديو" أو الجامعة الأميركية فأجابتني: لن تصل فأنت تنزف كثيرا. نظرت إلى نفسي لأعرف مصدر الدماء فشاهدت إصابات إضافية في بطني وصدري وكان النزيف كبيرا، إضافة إلى حروق في وجهي وظهري لكن لم أكن أشعر بها في تلك اللحظة. وقبل أن نصل إلى المستشفى قلت للسيدة إذا كانت تستطيع الإسراع أكثر لأنني شعرت أن "روحي عم تطلع" ولم أعد أرى جيدا وكان حجم الألم كبيرا جدا. فتوقفت لتستعين بدركي حتى يسهّل فتح الطريق لأنه كان مقفلا نتيجة الانفجار. هنا طلبت منها أن تقول للدركي أنني الياس المر، وعندما علمت بذلك، صعد الدركي معنا في السيارة وأمّن فتح السير حتى وصلنا إلى المستشفى.

وهنا لا بد من كلمة شكر إلى جميع الأطباء من الدكتور سمير سرحال صاحب المستشفى إلى جورج الغول والدكتور طارق حسامي إلى الدكتور روني سعادة، وطبيب البنج الدكتور مزهر وجميع الأطباء الذين وقفوا إلى جانبي ولم يتركوني في كل الجراحات التي خضعت لها، منذ وصولي إلى المستشفى ولاحقا. وأشكر أيضا طبيب القلب الدكتور أبو شرف وجميع الأطباء الذين توجهوا إلى المستشفى وشاركوا في العملية الجراحية الأولى التي استغرقت 7 ساعات وفي كل العمليات اللاحقة. منذ أن دوى الانفجار وحتى دخولي غرفة العمليات أتذكر كل ما حصل لحظة بلحظة.

• هل تشعر أنك أقوى بعد ست سنوات وماذا تغيّر فيك كإنسان وأب وسياسي؟

- أولا أشعر أن لا قيمة للأشياء ولا معنى لها لأن مفهوم الحياة يتغيّر. تقوى عندك العاطفة والجرأة وتعرف من جهة أخرى أن ما من شيء "بيحرز" حتى يتمسك الإنسان بالأشياء التافهة والسخيفة. ولكن في الوقت نفسه يولّد حدث مماثل لديك شعورا أنك تستطيع أن تقول أشياء لم تستطع قولها في السابق أو لا تريد قولها. حتى بعد قولها يمكن أن تندم عليها لكنك تقولها. لم تتغير الحسابات فقط، حتى الجزء العاطفي الذي يتملكك يتغلب على قدرتك على ضبط كلامك لأنك تجد أن معاني الحياة تغيّرت بعد حادث مماثل. حياة الناس "الملقطة" بالمراكز أو المواقع تتشابك وتتقاتل في الإعلام والسياسة. تنظر إليهم اليوم وتقول: إذا مروا بلحظة من اللحظات التي مررت بها يمكن أن يبدلوا الكثير في حساباتهم. أما في المقلب الآخر من الحياة فتبقى الإنسانية والأعمال الجيدة التي قمت بها ولن تأخذ معك غيرها. تأخذ محبة الناس وعاطفتهم وكل ما تبقى لا قيمة له.

• هل أنت حاقد على الذين اعتدوا عليك؟

- لست حاقدا على أحد، لأن المؤمن لا يحقد وأصرّ على العدالة لسببين: أولا، لأن من حقي أن أعرف لماذا "تفجّرت" وغيري "تفجّر". وثانيا، يهمّني أن يتوقف هذا المسلسل حتى يعيش أولادنا في لبنان بأمن وسلام واطمئنان لا أن يعيشوا كنا عشنا نحن وكما عاش أهلنا.

العدالة بالنسبة إليّ تمثل مستقبلا أفضل وآمنا أكثر لأولاد لبنان. لا أنتظر قوس المحكمة كي يحكم لي. ليس هذا ما يهمّني. يهمّني أن يتوقف مسلسل القتل في البلاد وأن يعيش أولاد جميع اللبنانيين من كل المذاهب والطوائف والأحزاب بعضهم مع بعض بطمأنينة.

• ألا يعرف الياس المر وزير الداخلية، وزير الدفاع، لماذا تعرّض لمحاولة اغتيال؟

- لو أعرف لماذا لمن كنت انتظرت المحكمة أو نتائجها. لذلك أنا مصرّ على معرفة السبب. فبالنسبة إلي، وعلى مدى أحد عشر عاما في الشأن العام في وزارتي الداخلية والدفاع لم أقم إلا بما أملاه عليّ ضميري ومصلحة لبنان ومصلحة قوى الأمن الداخلي والجيش اللبناني. لم أبع ولم أشتر ولم أساوم بأي شيء على المسلمات. لذلك سؤالي الكبير يبقى: لماذا؟ وأتمنى أن تتمكن المحكمة من إجابتي عن هذا السؤال فقط. لا يهمّني من نفّذ، ما يهمّني هو لماذا.

• هل اعتزلت السياسة لتمارس الصحافة ولماذا؟

- دعنا نفصل بين المشروع الإعلامي والسياسة. نحن اليوم في صدد مشروع ضخم يتضمن تسعة مشاريع إعلامية إلى جانب "الجمهورية". وقد أطلقنا ثلاثة مشاريع جديدة لا علاقة لها بالسياسة. لقد بدأت بالمشروع الإعلامي في ثمانينات القرن الماضي، لكن الحرب المسيحية - المسيحية في العام 1986، وهي حرب شكلت جريمة في حق المسيحيين، أصابتني بالقرف والاشمئزاز، الأمر الذي أدى لاحقا إل تأخير صدور "الجمهورية" مجددا...

• كيف ستمارس السياسة على مستوى منطقة المتن الشمالي؟

- لقد مارست السياسة في الأعوام الأحد عشر الماضية في خدمة جميع المواطنين من دون استثناء أو محسوبيات سياسية أو مناطقية وبنيت بالتالي علاقات دولية لا بأس بها. لقد أعطيت كل ما أستطيع في خدمة الوطن والمواطنين. لست راضيا مئة في المئة لكنني أترك الحكم للناس.

في شكل عام، يبدأ السياسيون حياتهم السياسية في قراهم وبلداتهم، ثم ينطلقون إلى المدى الأوسع. لقد كنت محظوظا لأنني انطلقت من الشأن الدولي والوطني قبل الشأن المناطقي الذي أخوضه متسلحا بخبرة عميقة أضعها في مصلحة المتن الشمالي. حيث قررت ببركة والدي دولة الرئيس ميشال المر أن أترشح إلى الانتخابات النيابية المقررة في العام 2013 وكلي أمل في أن أرد لأهل المتن الشمالي ما منّوه علي من محبة وتقدير وتعاون وذلك بحجم أكبر وأخطاء أقل.

• ما هي علاقتك بالرئيس سعد الحريري؟

- هو صديق وأخ.

• ماذا تقول للرئيس ميشال سليمان؟

- أن يحكّم ضميره في كل ما يقوم به، إذ إن الحكومات تذهب وتأتي لكن القرار الصحيح وحده يبقى.

• ماذا عن علاقتك بقائد الجيش العماد جان قهوجي؟

- أنت تطلب مني أن أقوّم نفسي.. لا أحد يستطيع فعل ذلك. العماد قهوجي هو عنوان وفاء وأخلاق وكرامة ومبدأ وشجاعة.
 

أخبار ذات صلة

إعلانات

إعلانات متنوعة

صيدا نت على الفايسبوك

الوكالة الوطنية للاعلام

انقر على الزر أدناه لزيارة موقع وكالة الأنباء الوطنية:

زيارة الموقع الإلكتروني

تابعنا