آب اللّهاب يكوي الصائمين بشمسه.. وأسعاره
التصنيف: سياسة
2011-08-20 10:59 ص 3790
كارلا خطار
الى موسم الصيف وما يتطلب من مصاريف يجتمع شهر رمضان ليضع الناس أمام تحديات مالية قد تكون الأصعب في ظل مارد الغلاء الذي بات معظمهم عاجزين عن مواجهته، وفي داخلهم شبه إجماع على أنّ الدولة غائبة فعلاً عن القيام بواجبها إزاءه إذ لا يصدر عن المسؤولين سوى تبريرات لا ترضيهم. لا من يحرّك ساكناً تجاه الارتفاع المستمر لأسعار المنتوجات الأساسية والثانوية، حتى بات بعضها الأساسي من الكماليات لعجز أصحاب الحد الأدنى للأجور ومثلهم متوسطيها عن شرائها، ما فرض على كثيرين من اللبنانيين أن يكونوا أسيري منازلهم طيلة الصيف، في المدينة او في الجبل، حسبما يتناسب وموازنة البنزين ومشاريع البحر. فعلى حافة الهاوية يمضي اللبناني أيامه، عينه على اللحظة التي يعيشها وبعد نظره على ما يحمله اليه شهر رمضان الذي يصادف في آب المقبل والذي بدأت مؤشراته في أسعار اكثر لهبا من حرارة شمس الصيف. لهب اكده تقرير ادارة الاحصاء المركزي اللبناني الذي اشار الى ان أسعار السلع الاستهلاكية في لبنان ارتفعت في شهر شباط الماضي بنحو 14,7% مقارنة بالعام 2007، وسجل ارتفاعاً في مستوى أسعار المواد الغذائية ومشروبات الفواكه الطازجة خلال شهر شباط الماضي بنسبة 0,4% وبزيادة نسبتها 25,6% منذ بداية العام 2008، والآتي اعظم.
والله جعنا! كل شي غلي! ما بقا ينعاش بهالبلد! وبعد ما شفنا شي انطروا حتى يجي رمضان يمكن ما نعود نطال اللقمة"، تردّد نهى أثناء تجوالها في السوبرماركت مدققة في كل انواع الخضر والفاكهة والمنتجات الغذائية من حبوب ومعلبات.. "الاسعار نار وجشع التجار ما بيتوقف " تقول، وتتابع "أكلتنا الديون، ورح نموت من الجوع ونمرض. بيكفي عم ندفع فاتورة الخلافات والانقسامات وثمن تصفية الحسابات الضيّقة." وتخبر نهى كيف أن اللبنانيين أدهشوا العالم بقدرتهم على التحمل وبحبهم للحياة وبطول أناتهم وصبرهم، لكنها تعلّق "الوضع الحالي ما بقا ينطاق"، وتظهر بمظهر المستهلكة التي تهتم للسعر وليس للماركة او النوعية، فهي تريد شراء أرخص نوع من العدس والمحارم والصابون وتريد نوعاً واحداً من الخضر التي باتت من الكماليات وتفضل أن تختار الملفوف الذي ستتناوله مع طبق المجدرة كنوع من السلطة. وبعدما كانت تشتري اللحوم من عند اللحام المجاور لمنزلها، ها هي تشتريها اليوم من السوبرماركت لأنها الأرخص. اما في ما يخص أدوات التنظيف، فتختصر نهى الأدوات المتعدّدة والمتخصّصة بنوع واحد رخيص ويمكن استخدامه لتنظيف أماكن متعددة، كما انها استغنت عن مطرّي الغسيل، واستبدلت المسحوق المشهور بآخر عادي وبنصف الثمن. ولما أدركت ان الأغراض التي اختارتها ملأت السلّة الصغيرة، قرّرت ان تخفّف من حمولتها وتختار الضرورية منها التي ستحتاجها لتحضير الطعام لزوجها قبل ان يعود من عمله منهكاً. وبالمرة توفر أجرة السيارة، فتحمل الاكياس بيديها النحيلتين وتؤجل باقي الاغراض غير المهمة الى حين تكون مع زوجها او مع احد اولادها.
وبدورها تخطط زينة لمشاريع شهر آب المقبل وهي تنظر بعين الحيرة الى ما تفعله في الشهر الكريم حيث يصادف شهر رمضان. وتدور في رأسها الكثير من الأفكار بدءاً من الخضر والفاكهة التي تشكل الأطباق الرئيسة على مائدة الصوم، فلن يكون مستغرباً اذا تضاعفت أسعارها. لكن زينة لا تجد عملاً على الرغم من انها خريجة جامعية وزوجها يتقاضى الحد الأدنى للأجور.. ولا يكفيهما الراتب في الأشهر الحالية فكيف سيكون الوضع خلال شهر الصوم، وتعلّق " مشكلة الغلاء في لبنان ليست بجديدة، ولكنها وصلت الى حدود اللامسموح بعدما دقّ غول الغلاء بلقمة الناس. " ويكاد يكون الراتب الذي يتقاضاه زوجها المشكلة الأساس التي بدّلت طريقة عيش زينة فتقول " للغلاء حكايات قد يصعب تعدادها جميعاً في بلد تقرّر فيه الحدّ الأدنى للأجور بخمسماية ألف ليرة." وتتساءل "ماذا يمكن لصاحب الـ330 دولارا تقريبا أن يسدّ من حاجة رب الأسرة الى أدنى درجات سلم متطلبات الحياة؟ كيف له ذلك اذا وصل سعر الكيلوغرام الواحد من البندورة الى 5 آلاف ليرة في شهر رمضان؟! فماذا يأكل صاحب الحد الأدنى للأجور وأسرته؟ وماذا يلبسون؟ وكم يرصدون لبنزين السيارة؟ وكم يتكلفون على نفقات الطبابة او الإستشفاء؟
وتشير رنا الى ان المعاناة المادية في الشهر المقبل لن تقتصر فقط على اصحاب الحد الادنى للاجور.. فهي وزوجها يعملان ويكادان لا يكفيان عائلتهما في بعض الاشهر.. وبرأيها فإن اسعار الخضر والفاكهة والمأكولات سترتفع هذا العام اكثر مما وصلت اليه العام الماضي، حيث غابت اي رقابة على الاسعار فضلا عن ان الارتفاعات تزداد عاما بعد عام.
.. "فلتان" أسعار
بعدما كانت نهى تمضي ساعة من الوقت داخل السوبرماركت باتت اليوم تمضي أكثر من ساعتين لشراء اغراض اقل، حيث انها تمضي ما يقارب العشر دقائق لاختيار المنتج الذي ستدفع ثمنه. وبعدما تدقق بكل الأسعار والأوزان، تختار الارخص للمنتج الاكثر وزنا.. وبالاجمال فان الاسعار لا تختلف عن بعضها لمختلف الماركات من الوزن والنوع نفسه.. فقد قفز سعر كيلو العدس من 1800 ليرة لبنانية الى 2500 و3000 مسجلا ارتفاعا بنسبة 20%، كما قفز كيلوغرام اللحم من 12 الفا الى 18 ألف ليرة او 20 الفا، حتى بات يساوي 5% من الحد الأدنى للأجور. وشمل الغلاء المنتجات الاساسية كالزيت والطحين والقمح والسكر، فارتفعت أسعارها بنسبة تصل إلى 40%. وكذلك طنّ السكر مثلا ارتفع سعره من 600 دولار إلى 800، في حين قفز سعر طن الطحين من 400 دولار إلى 450. وتأثرت الخضر والفاكهة بدورها بموجة الغلاء، فزادت أسعارها بنسبة راوحت بين 40% و50% عن السنة الماضية. فسعر البندورة مثلا ارتفع من 500 إلى 3000 ليرة، والخيار من 750 ليرة إلى 2000 ليرة، وهو الارتفاع الذي ينسحب على الحمضيات. وزادت أيضا أسعار الحليب بنسبة 20% حسب النوعية والعلامة التجارية، كما أن البهارات والمطيبات شملتها الارتفاعات الأخيرة.
وبالعودة الى نهى فهي تعترف انها لم تعتد على هذا النمط من الحياة، ولم تختبر التقشف يوماً في حياتها. وهي التي كانت تعيش حياة عادية مع عائلتها وعلمت اولادها في افضل المدارس، وهم اليوم يعملون لكن رواتبهم متواضعة وهذا افضل الممكن كما تقول. وتشاركها جارتها رولا المعاناة نفسها، وتتحدث عن الفرق الكبير بالنسبة الى اللحوم والخضر والمواد الاستهلاكية، وقد لاحظت ذلك من خلال فاتورة السوبرماركت حيث كانت تدفع 150 الف ليرة أما اليوم وللبضائع ذاتها فقد تضاعفت الفاتورة. وبرأيها فإن سبب "فلتان" الأسعار يعود الى غياب الرقابة حيث لا يتفرغ المسؤولون لمتابعة غلاء الاسعار وتحسين حياة المواطنين. اما الحل بالنسبة اليها فيكون برقابة اسعار البنزين التي تزداد كل اسبوع، وتتساءل رولا " كيف سنكمل حياتنا ونحن نتقاضى معاشاً محدوداً؟"
الى الجبل أم البحر؟
لم يقتصر غلاء الأسعار على البنزين والمأكولات، ففي الأشهر الأخيرة شهدت مختلف الأسواق، من المأكولات، إلى الأدوية وصولاً إلى الأدوات المنزلية والمواد الاستهلاكية الحيوية، ارتفاعاً حاداً في الأسعار، في ظل غياب شبه تام للرقابة الحكومية والتحركات الرسمية، باستثناء الكلامية منها، لمواجهة هذا البركان المعيشي الذي بدأ غليانه يصيب كل بيت وكل عائلة بغض النظر عن انتماءاتها السياسية. وبعدما عانى كل اللبنانيين من ارتفاع الاقساط المدرسية في المدارس الخاصة طيلة فصل الشتاء، اعتقدوا أن موسم الصيف سيجلب لهم راحة البال وقلة المصروف الا انه فاجأهم باستمرار ارتفاع المحروقات والمأكولات والملابس. فاحتجزوا قسرا في منزلهم في المدينة، بعدما كانوا قرروا ان يصيفوا في الجبل، لكن بُعد المسافة بين الجبل والمدينة حيث يعملون حملهم على المكوث في بيت المدينة للتوفير في مصروف البنزين، لا يقوم سوى بالمشاوير الضرورية التي يمكن ان يستغني فيها عن نظام التبريد الذي يزيد مصروف البنزين. هذا فضلا عن ان بعض العائلات قرّر ملازمة بيت واحد، إما بيت الجبل إما بيت المدينة، حتى لا يتوزع المصروف على بيتين فترتفع الموازنة الاقتصادية التي يحتاجها كل بيت. فمن قرر البقاء في المدينة، عيّن يوما واحدا كل اسبوعين للذهاب الى البحر الشعبي او يوما واحدا في الشهر للذهاب الى مسبح خاص نظرا الى ارتفاع بطاقات الدخول اليها وغلاء الاطباق في المطاعم، اما من فضّل الاصطياف في الجبل فقرر ان يختصر مصروفه على الحاجات المنزلية والبنزين الذي يحتاجه للذهاب الى العمل من الجبل الى المدينة، لذا اشترت بعض العائلات برك مياه بلاستيك كبيرة لتضعها على أسطح المنزل في الجبل والتمتع بالشمس "عن قرب" لتوفير مصروف المسابح العامة والخاصة.
ولأنه موسم الفرص والعطل الصيفية، يختار العديد من المسافرين والمغتربين اللبنانيين زيارة وطنهم الام في هذا الموسم بالذات ويكون على العائلات اللبنانية تحمل المصاريف الاضافية التي تشمل العزائم وتلبية الدعوات العائلية وتبادل الهدايا.. لذا قرر الكثير من اللبنانيين دعوة اقربائهم المغتربين الى منزلهم بدلا من ان يتكلفوا مصاريف الحجوزات في المطاعم والمقاهي حيث ارتفعت اسعار كل الخدمات السياحية خصوصا وان اصحاب المطاعم يستغلون موسم الاصطياف والسياحة ليرفعوا الاسعار ضعف ما هي.. هذا من دون استثناء التكاليف الباهظة للرياضات الصيفية التي يتكبدها هواة البحر وتسلق الجبال وكل من يريدون التعرف على الاماكن السياحية في لبنان وقضاء يوم كامل خارج المنزل.
أطباق رمضان.. "تغلي"
يتشارك كل اللبنانيين المشاكل الناتجة عن ارتفاع الاسعار.. فهذا يدين لذاك وذاك ينتظر ريثما يتقاضى الاول مرتبه كي يعيد له امواله، فيما يعمل الاثنان على تنظيم المشاريع المنزلية والتي لا تتعدى حدود "كيس تشيبس" وكوب من العصير.. والكل يتحدث عن الغلاء قائلا "الدولة مش سألانة عن الشعب.."، فيما يعرف الاقتصاديون الغلاء بأنه تضخم وارتفاع الاسعار، وله في لبنان، اسباب عدة منها الغلاء في المستورد خصوصا في موضوع المشتقات النفطية لأن برميل البترول يأخذ منحى تصاعدياً، كذلك بالنسبة للذهب واليورو. ويعزو بعض الاقتصاديين ارتفاع الاسعار الى الاحتكار حيث يأتي مستوردون بآلاف السلع الاستهلاكية، والاستيراد محصور فيهم، ما حدا العديد من الشباب للهجرة الى الخارج. وتشير الإحصاءات الى ان هناك مليون شاب وفتاة يعملون خارج لبنان من اصل مليونين ونصف، وبشروط الآخرين لأنهم يعتبرون مهجرين اقتصاديين. وفي هذا الاطار يقول عماد، وهو شاب في الثلاثين من عمره أتى حديثاً من دولة عربية ليبحث عن عمل في لبنان، "أعرف أن النفط يكاد يكون المورد شبه الوحيد الفاعل للدولة اللبنانية لتقوم بالحد الأدنى من موجباتها، ولكننا لا نقبل هذا الإستهتار بحق الناس واللجوء الى رفع التكلفة غير مرة عندما يعود السعر العالمي الى ما سبق أن بلغه سابقا."
الغلاء.. على الورق
وإزاء هذا الواقع، الذي يواجهه المسؤولون بالصمت او بالكلام والتبريرات، أشار تقرير ورد في نشرة إدارة الإحصاء المركزي اللبناني الى ان أسعار السلع الاستهلاكية في لبنان ارتفعت في شهر شباط الماضي بنحو 14,7% مقارنة بشهر كانون الاول في العام 2007، كما ارتفع مستوى تضخم الأسعار بين شهر شباط الماضي وشباط 2010 بنسبة 5,8%. وسجل التقرير ارتفاعاً في مستوى أسعار المواد الغذائية ومشروبات الفواكه الطازجة خلال شهر شباط الماضي بنسبة 0,4% وبزيادة نسبتها 25,6% منذ بداية العام 2008، كما سجل ثباتاً في مستوى أسعار التبغ والتنباك وانخفاضاً في أسعار الألبسة والأحذية بنسبة 0,5% خلال الشهر نفسه بسبب التنزيلات التي قدّمتها مراكز البيع في شهر شباط 2011.
ولفت التقرير الى ارتفاع أسعار خدمة المياه والكهرباء والمحروقات بنسبة 2% بين شباط الماضي وكانون الاول من العام 2010، وارتفاعا نسبته 8,6% منذ بداية العام 2008 وكذلك ارتفاع مستوى أسعار الأثاث والتجهيزات المنزلية والصيانة المستمرة للمنزل بنسبة 0,3%، وارتفاعا نسبته 8,6% منذ بداية العام 2008، وارتفاعا أيضا بمستوى الأسعار في خدمة الصحة بنسبة 0,3% خلال شهر شباط 2010.
وأظهر التقرير ارتفاعا في مستوى أسعار قطاع النقل بنسبة 2,2% وارتفاعا نسبته 27,3% منذ بداية العام 2008. أما مستوى أسعار الاتصالات وخدمة التعليم فقد سجل ثباتا حتى نهاية العام الدراسي الحالي. كما سجل ارتفاعا في مستوى أسعار خدمة الاستجمام والتسلية والثقافة بنسبة 0,3% وارتفاعا في مستوى أسعار خدمة المطاعم والفنادق بنسبة 0,8% وبزيادة نسبتها 39,1% منذ بداية العام 2008
أخبار ذات صلة
ابو مرعي :بعد ما دمّرتوا البلد… بأي حق بعد بتحكوا عن الوطنية؟
2026-05-11 09:43 ص 91
نتنياهو: يجب استمرار الحرب ضد حزب الله حتى لو انتهت مع إيران
2026-05-11 05:03 ص 74
رفضت تفكيك منشآتها النووية.. تفاصيل الرد الإيراني على المقترح الأميركي
2026-05-11 04:58 ص 64
رفض ترامب رد إيران على مقترح إنهاء الحرب لم يعجبني، غير مقبول على الإطلاق".
2026-05-11 04:55 ص 73
عمر مرجان يلتقي المدّعي العام التمييزي أحمد الحاج
2026-05-10 01:46 م 125
اللواء عباس إبراهيم أنا ضد إطلاق سراح الشيخ أحمد الأسير
2026-05-10 05:22 ص 138
إعلانات
إعلانات متنوعة
صيدا نت على الفايسبوك
الوكالة الوطنية للاعلام
انقر على الزر أدناه لزيارة موقع وكالة الأنباء الوطنية:
زيارة الموقع الإلكترونيتابعنا
زاروب طل وارجع في صيدا.. ذاكرة لا تنسى
2026-05-07 10:29 م
أبو مرعي… مهندس التحالفات أم صانع التوازنات؟ قراءة في دوره السياسي
2026-04-30 05:14 ص
د سمر البقاعي عيد العمال… تحية إلى الأيدي التي تبني رغم الأزمات
2026-04-30 05:11 ص
د. محمد حسيب البزري وعقيلته هالة عاصي… حين يصبح العطاء أسلوب حياة
2026-04-29 05:56 ص
نائب سعد : ديناميكية جديدة في التنظيم الناصري: دماء شابة تعيد رسم المشهد
2026-04-25 03:49 م
بالفيديو صيدا تُحاصَر بالصمت… وطرابلس تصرخ: أين رجال المدينة؟

