×

الصوم بين فتويين: الطبّ والدين

التصنيف: سياسة

2011-08-25  12:06 م  979

 

بدأ العدّ الرمضاني العكسي، وبدأ الذبول معه. ثمة فئة لم تعد قادرة على الصوم، وثمة فئة أخرى لم تكن قادرة عليه أصلاً. والفئتان لا تستطيعان تحمل تبعات قرار الامتناع عنه إلا بالرجوع إلى الفتاوى: الطبية منها والدينية

راجانا حمية
الحَمل ثقيل بعض الشيء: جنين وحرّ وجوع قاتل، وفوق كلّ ذلك رمضان. لم تفكّر جيهان في أن تعيش حَملها الثالث مع كل هذا الثقل؛ فهذه هي المرة الأولى التي يتوافق حملها و«دوام» رمضان الصيفي. مع ذلك، جرّبت الصوم خمسة أيامٍ متتالية، كانت أشبه بالمغامرة غير المحسوبة. في اليوم السادس، بانت عوارض الدوام الصيفي على الأم الحامل في شهرها السابع. عوارض 16 ساعة «من الموت البطيء». كان لا بدّ لها من اتخاذ القرار المناسب؛ فإما الصوم أو عدمه. لكنها لم تكن تملك الخيار، فهي مجبرة على استشارة طبيبها. إلا أن هذه الاستشارة لم تأتها بما ينفعها؛ إذ بقي رأي الطبيب مجرد تهكن: «إذا عطشت كثيراً أو أصبت بالدوار، فبإمكانك ألا تصومي، وبعدين إنت أدرى بحالك».
لكن، كيف تقدّر الحامل، أو حتى المريض، هذه الحال؟ وما الذي يمنع الطبيب من أن يفرض على الحامل التي تُعييها ساعات الصيام الطويلة الإفطار، وألا يتركه لرجل الدين؟
الطب لا يحدّد. هذا هو الجواب الأول. ولأجل ذلك، قد يلجأ البعض إلى الفتاوى الشرعية، لكن حتى هذه لا تُجيز الامتناع عن الصوم؛ لكون الحمل لم يسبب عارضاً صحياً.
لكن هل الخطر الحقيقي وحده يبرّر للحامل الإفطار؟ وما معنى الوصول إلى الخطر؟ ولم لا يفرض الطبيب في كل الأحوال الإفطار خوفاً على صحة الجنين، ولا ينتظر فرضه من رجل الدين؟
لا جواب دقيق، باستثناء موقف محايد يطلقه الطبيب فيصل القاق، وهو أن صيام الحامل أو عدمه «ليس محسوماً علمياً؛ إذ لم يثبت أن الصوم يؤثر على الحمل».
ما عدا ذلك، لم تستقر إجابات الأطباء على حال، ففي الوقت الذي يرفض فيه بعضهم الصوم «جملة وتفصيلاً» خوفاً على صحة الحامل والجنين، لا يجد البعض الآخر مبررات لترك الصوم لمجرد الخوف أو التعب الذي يمكن أن يكون سمة عامة بين جميع الصائمين.
30 عاماً قضاها الطبيب عمر حسين، لم يقل خلالها لأحد «افطر». والمبرر؟ أنه «لا داعي لامتناع الحامل عن الصوم؛ فالجنين لا يعتمد على الطعام الذي يأتيه في حينه، بل على الفيتامينات والأوكسيجين، فضلاً عن أن الحامل ليست مريضة». كذلك لا يحبّذ حسين «الإفطار والمحيط كله صائم؛ لأنها بإفطارها طوال النهار لن تخصص لنفسها نظاماً غذائياً متنوعاً، على عكس مائدة المساء». أما الدعاة الآخرون، فهم من لا يجدون الصيام مبرراً لامرأةٍ تحمل روحاً داخلها. روح تحتاج في كل وقت إلى الغذاء، ولا طاقة لها على احتمال الجفاف 16 ساعة متواصلة. وقد يكون د. جوني عواد من بين هؤلاء الذين لا يحبذون الفكرة أصلاً خوفاً على الجنين. وإن كان الطفل لا يتغذى طوال الوقت «إلا أنه كالشخص البالغ له أوقات ومواعيد للأكل كلها متقاربة، وإذا لم يجد الغذاء الكافي له، فقد يتأثر بذلك».
حال الأطباء لا تختلف عن حال أصحاب الفتاوى الشرعية، فهؤلاء لهم الرأي المشروط أيضاً. فالفتوى «الشيعية» تفرض على الحامل الصوم، اللهم «إلا إذا ثبت أن الصيام يؤدي إلى حدوث مرض». أما عن الفحوص الطبية التي تفرض الإفطار، فيجب أن تكون «صادرة عن طبيب مسلم يكون عارفاً بأحكام الإسلام، ليكون قوله موثوقاً به. وإن كان غير مسلم، فيجب أن يكون محل ثقة كي يورث الاطمئنان عند المريض»، يقول مدير مكتب الوكيل الشرعي العام للإمام الخامنئي في لبنان محمد توفيق المقداد. لكن ما يقوله المقداد عن الفحوص ليس ساري المفعول دائماً؛ «ففي بعض الأوقات قد لا تكون الفحوص دقيقة، وإن كانت دقيقة، فليس بالضرورة أن تطبق حرفياً، فكل إنسانٍ حجته على نفسه والطبيب له الظاهر».
كما الفتوى الشيعية، كذلك السنية؛ إذ تفرض أن يكون إفطار الحامل بـ«فتوى طبية» صادرة عن «طبيب عنده دين، أو على الأقل مسلم ويصلّي»، يقول الشيخ وسيم المزوّق، أحد مشايخ قسم الشؤون الدينية. لكن ماذا لو كان غير مسلم؟ هنا، لا يعود الإفطار مسموحاً إلا «إذا سألت الحامل أو المريض طبيباً آخر مسلماً؛ إذ لا نستطيع الأخذ بقول طبيب من دين آخر، فعندما نزلت في القرآن آية «اسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون» وجب أن يكون مسلماً كي يفهم هذه الأمور».
أما عن المرضى العاديين، فثمة اتفاق بين الفتويين، وهو أنه إن «كان الصوم يؤدي إلى حدوث مرض أو أبطأ الشفاء أو كان مرضاً مزمناً كالقرحة، وجب الإفطار في هذه الحالة».

أخبار ذات صلة

إعلانات

إعلانات متنوعة

صيدا نت على الفايسبوك

الوكالة الوطنية للاعلام

انقر على الزر أدناه لزيارة موقع وكالة الأنباء الوطنية:

زيارة الموقع الإلكتروني

تابعنا