300 ألف ليرة حداً أقصى للزيادة .. علي حسن خليل يواجه مشروع التغطية الصحّية الشاملة
التصنيف: سياسة
2011-10-11 09:38 ص 1071
توصّل الرئيس نجيب ميقاتي الى صيغة لزيادة الأجور سيطرحها اليوم في جلسة مجلس الوزراء، في مواجهة المقاربة التي توصّل اليها وزير العمل شربل نحّاس في لجنة المؤشّر، وتقضي هذه الصيغة بزيادة الأجور بنسبة 30%، مع حد أقصى للزيادة يبلغ 300 الف ليرة فقط، فيما تولّى وزير الصحّة علي حسن خليل مهمّة إجهاض مشروع التغطية الصحّية الشاملة المموّل بضريبة الربح العقاري، وهو الركن الأهم في مقاربة نحّاس «الثورية»
محمد زبيب - الأخبار:
كما كان منتظراً، تحرّك التحالف الخفي بين أصحاب المصالح الراسخة من النموذج الاقتصادي القائم سريعاً. وبلا أي نقاش جدّي أو تفكير في المصالح الوطنية العليا وحاجات اللبنانيين الفعلية، عمل، بأقصى قوّته المتاحة من خلال السلطة وخارجها، لإجهاض المقاربة «الثورية» التي طرحها وزير العمل شربل نحّاس على مجلس الوزراء، بمناسبة البحث في مسألة تصحيح الأجور، والرامية الى اعادة الاعتبار إلى مفهوم الأجر الاجتماعي المفقود في لبنان، واستخدام الأدوات الضريبية والإنفاقية من أجل تثبيت دور الدولة الراعية
، عبر تعميم شبكات الحماية الاجتماعية وتوفير الخدمات الأساسية التي تحسّن مستوى المعيشة، وتخفض أكلاف الإنتاج وتزيد من تنافسيته وقدرته على خلق الوظائف المطلوبة للشباب اللبناني بأجور مقبولة تتناسب مع أكلاف السكن والنقل الباهظة.
فقد كشفت مصادر مطّلعة أن رئيس مجلس الوزراء نجيب ميقاتي سيطرح في جلسة اليوم المخصصة لبتّ مطالب النقابات العمالية صيغة لزيادة الأجور بنسبة 30%، على أن لا تقل قيمة الزيادة (بطبيعة الحال) عن 150 الف ليرة، ولا تزيد عن 300 الف ليرة، ما يعني أن الحدّ الأدنى للأجور سيرتفع الى من 500 الف ليرة الى 650 ألفاً، أي نحو نصف الحد الذي يطالب به الاتحاد العمالي العام (مليون و250 الف ليرة)، والواضح في هذه الصيغة أنها تراعي موقف وزارة المال، التي تحذّر من أثر زيادة الأجور على الموازنة العامّة، مدّعية أن كل زيادة بنسبة 1% تزيد الإنفاق العام بقيمة 64 مليار ليرة، كما تراعي مواقف هيئات أصحاب العمل، الذين يرفضون أي بحث يتجاوز زيادة الحدّ الأدنى للأجور بقيمة 80 الف ليرة الى 580 الف ليرة، أو ما نسبته 16%، وهي نسبة ارتفاع مؤشّر الأسعار منذ عام 2008 الذي تعدّه إدارة الإحصاء المركزي.
فهذه الصيغة تعني فعلياً أن الزيادة بنسبة 30% لن تصيب إلّا الأجور دون مليون ليرة، في ظل تحديد الحد الأقصى لقيمة الزيادة بمبلغ 300 ألف ليرة، فيما نسبة الزيادة على أجر يبلغ مليوناً و500 الف ليرة (وهو متوسط الأجر الفعلي في لبنان) لن تتجاوز 20%، وستتراجع هذه النسبة فعلياً الى 10% للأجر البالغ 3 ملايين ليرة مثلاً، والى 7.5% للأجر البالغ 4 ملايين ليرة، وهكذا دواليك.
وأشارت المصادر الى أن الرئيس ميقاتي يعمل على تسويق هذه الصيغة انطلاقاً من إيحاءات تفيد أن مناقشاته مع قيادة الاتحاد العمالي العام بيّنت أنها غير بعيدة عن قبول الصيغة المقترحة، فيما سيعمل رئيس الهيئات الاقتصادية الوزير السابق عدنان القصّار على تليين موقف ممثّلي أصحاب العمل ليقبلوها.
لا تنحصر ثُغر هذه الصيغة في أنها دون التوقّعات التي رفعتها مطالب الاتحاد العمالي العام العلنية، أي زيادة الحد الأدنى للأجور الى مليون و250 الف ليرة، وتصحيح الأجور بنسبة ارتفاع مؤشّر الأسعار منذ عام 1996 والبالغة 100% تقريباً، بل تتجاوز ذلك الى إهمالها مفهوم الأجر الاجتماعي الذي طرحته مقاربة الوزير نحّاس في لجنة المؤشّر، والتي ستكون مطروحة على جلسة اليوم عبر تقرير مفصّل رفعه الى رئاسة مجلس الوزراء أمس.
فهذه المقاربة ترتكز على التزامات الحكومة الواضحة في بيانها الوزاري لجهة تصحيح «النموذج الاقتصادي» واعادة توزيع الأعباء الضريبية لصالح الأجور والإنتاج على حساب الريوع المتعاظمة، واعادة توزيع الإنفاق العام لصالح خلق فرص العمل الكافية للبنانيين، والحدّ من هجرتهم ورفع مستوى معيشتهم، ويقترح نحّاس في هذا السياق 8 توصيات متكاملة، أهمّها:
- ضم بدلات النقل والمنح التعليمية الى الأجر الفعلي بعد تدويرها لجميع الأجراء الى 250 الف ليرة، وبالتالي احتساب هذه البدلات في الأجر عند تصفية تعويضات نهاية الخدمة، مع الأخذ بالاعتبار المردود المالي لتوظيفات الضمان الاجتماعي عند تكوين المؤونات لدى اصحاب العمل (أي مبالغ التسوية).
- زيادة 20% على الأجر الفعلي بعد ضم البدلات المذكورة، ليرتفع الحد الأدنى الفعلي الى 900 الف ليرة، وعلى أن يكون الحدّ الأقصى للزيادة مليوناً و500 الف ليرة.
- تطبيق مشروع التغطية الصحّية الشاملة لجميع اللبنانيين، الممول من فرض ضريبة على الربح العقاري وأرباح التوظيفات المالية، والغاء الاشتراكات المترتّبة على الأجير وصاحب العمل بنسبة 9% لصالح فرع ضمان المرض والأمومة، ضم قيمة هذه الاشتراكات الى الأجر ما يعني زيادة بالنسبة نفسها تقريباً على شطر الأجر الذي لا يتجاوز مليوناً و500 الف ليرة. والمعروف أن نصف اللبنانيين تقريباً غير مشمولين بأي نوع من أنواع الضمان الصحّي الدائم، وبالتالي فإن إقرار هذا المشروع وتطبيقه سيعنيان زيادة مباشرة على دخل الأسر غير المعنية بتصحيح الأجور، ولا سيما التي يعيلها الأجراء غير المصرّح عنهم، والعاملون لحسابهم والعاطلون من العمل، والذين بلغوا سن التقاعد وفقدوا ضمانهم الصحّي بموجب النظام الحالي المشوّه، الذي يمنح الضمان فقط للموجودين في العمل النظامي حصراً، من دون أي اهتمام بمسألة أن من يحتاج الى الضمان هو من فقد عمله أو يتعرض للتعسّف في العمل. فقد دلّت الدراسات بوضوح على أن هؤلاء يتحمّلون أكلافاً باهظة للحصول على الخدمات الصحية والأدوية واحياناً كثيرة يضحّون بصحّتهم ويتعرّضون لأمراض شتى يمكن تفاديها بسبب عجزهم عن تحمّل هذه الأكلاف. وينطوي مشروع التغطية الصحّية الشاملة لجميع اللبنانيين (من الولادة وحتى الوفاة) على تصحيح بنيوي مهم في النظام الضريبي، من خلال تمويله بالضريبة على الريوع، وخفض الضرائب الجائرة على عوامل الإنتاج بالتزامن مع زيادة الاستثمارات العامّة في إنشاء شبكة نقل فعّال وطاقة كهربائية مستقرة واتصالات بنوعية جيّدة ومياه مأمونة... وكل ذلك ينطوي على خفض في الأعباء الملقاة على ميزانيات الأسر والمؤسسات الإنتاجية، ما يسهم في زيادة الإنتاجية والتنافسية وفرص العمل، وبالتالي زيادة حصّة الأجور من الناتج المحلي بعد تراجعها الدراماتيكي الى ما دون 30%.
إلا أن هذه المقاربة لم تتعرّض للإجهاض بواسطة صيغة الرئيس ميقاتي لزيادة الأجور المذكورة فحسب، بل أيضاً بواسطة موقف مستغرب أعلنه وزير الصحّة علي حسن خليل، بعد اجتماع اللجنة الوزارية الخاصة بالشأن الاجتماعي امس، فقد صرّح بأن وزارة الصحة تقدّمت بعناوين لاعتماد خطة صحية شاملة تتلاقى مع السياسات المطروحة سابقاً، أي مشروع البطاقة الصحّية الذي أعدّه وزير الصحّة السابق محمد جواد خليفة، والذي يقوم على تلزيم شركات التأمين الخاصّة إدارة نظام جديد ينتسب اليه غير المضمونين للحصول على تغطية صحّية أساسية في مقابل اشتراك يسدده المشترك بقيمة 90 الف ليرة، على غرار الضمان الاختياري.
وبرر الوزير خليل طرحه بأنه يجب المحافظة على «الكيانات الموجودة حالياً أو الأطر التنظيمية الموجودة، مثل الضمان الاجتماعي وتعاونية موظّفي الدولة»، علماً بأن وزير الصحّة تجاهل أن مشروع التغطية الصحّية الشاملة المطروح على مجلس الوزراء لا يلغي هذه الأطر، بل يضمّ 4 ملايين لبناني مقيم الى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي بدلاً من نحو 300 الف مضمون فقط حالياً، ويحافظ على المؤسسات الضامنة الأخرى كأنظمة ضمان تكميلية ترمي الى تكريس الحقوق المكتسبة الحالية للمضمونين.
وقال علي حسن خليل «إن مسؤولية الاهتمام بطبابة واستشفاء وتأمين الأدوية لنصف الشعب اللبناني تقع على عاتق وزارة الصحة، وإن الإحصاءات أشارت إلى وجود حوالى مليوني شخص مضمونين من جهات أخرى، ويبقى النصف الآخر على عاتق الوزارة، وما سنتقدم به إلى اللجنة الوزارية ولاحقاً إلى مجلس الوزراء، وفي إطار خطة شاملة تراعي مبدأ الطب الوقائي والرعاية الصحية الأولية، لما لهذا الأمر من أثر كبير على تحديد كلفة الاستشفاء لاحقاً، هو تأمين صحي إلزامي لجميع اللبنانين غير المشمولين بالضمان الاجتماعي، أو بتأمين صحي آخر. هذا الأمر سيوضع أمام جدول أعمال اللجنة في أقرب فرصة، لأن الآليات والأمور الأخرى المتعلقة بهذه المسألة طرحت للمناقشة، تمهيداً لإعداد برنامج تنفيذي لاحقاً».
وفي العودة الى المربع الضيّق الذي جرى وضع تصحيح الأجور ضمنه، فقد كشف وزير الصحّة عن قصد أو من دون قصد عن عقد أمس بين الاتحاد العمالي العام والهيئات الاقتصادية، وقال إن لقاءً آخر سيعقد اليوم بين الطرفين، علماً بأن قيادة الاتحاد العمالي تصرّ على نفي حصول مثل هذا اللقاء، إلا أن شكوى رئيس الاتحاد غسان غصن من هاتف رئيس اتحاد الغرف محمد شقير وسيكاره التي سرت «كنكتة» أمس تؤكّد حصول مثل هذه اللقاءات بعيداً عن النقابيين والرأي العام، ولا سيما أن وزير الصحّة أشار أيضاً الى أن «النقاط المشتركة تزداد، بما يؤشر الى إمكان التوصل الى تفاهم».
وقال الرئيس ميقاتي بعد اجتماع اللجنة الوزارية الاجتماعية امس «إن الاهتمام الحقيقي بالشأن الاجتماعي لا يعني زيادة الأجور والتقديمات الاجتماعية والصحية، أو رفع الحد الأدنى للاجور فقط، بل أيضاً إطلاق المشاريع والبرامج التي تحمي أي زيادة على الأجر من أن تتآكل وتذهب سدى، وتعزز الانتماء الوطني وتجذّر المواطن في أرضه، وهذا ما ننوي فعله، بالتزامن مع الجهد المبذول لتصحيح الأجور».
ولفت الى «أن ثمة مشاريع كثيرة هدفها الشأن الاجتماعي، الا أن بعضها مكرر او هو متداخل مع مشاريع اخرى، وكانت هناك مشاريع نفذت، واخرى تحتاج الى تنفيذ، بعض هذه المشاريع وضعت منذ مدة، وقد تخطاها الزمن، والبعض الآخر يحتاج الى تجديد، لذلك وجدت من الضروري اعادة تفعيل عمل اللجنة الوزارية للشأن الاجتماعي، ليس من اجل تحريكها فحسب، بل أيضاً من اجل إعطائها زخماً تحتاج إليه لتقوم بمهمة كبيرة واساسية وهي بلورة استراتيجية اجتماعية تتشارك في وضع أسسها كل الوزارات المعنية، ويكون التنسيق أحد أبرز أهدافها لضمان النتيجة الجيدة. ولعل اهم ما ستقوم به اللجنة هو إجراء جردة شاملة بالمشاريع التي تدخل في الشأن الاجتماعي، بهدف تبويبها وتنسيقها وتوزيع الاختصاصات فيها، منعاً للتداخل، لأننا نلاحظ من حين الى آخر أن مشاريع مماثلة تقوم بها اكثر من جهة».
2000 ليرة
هي قيمة الزيادة المقترحة على بدلات النقل، الا أن الرئيس نجيب ميقاتي لم يحسم موقفه منها بعد، فيما يرفض ممثلو أصحاب العمل أي نقاش في شأنها، باعتبار أن النقل والتعليم كما الصحّة هي خدمات أساسية من واجب الدولة تأمينها.
جولة أصحاب العمل
يواصل رئيس الهيئات الاقتصادية الوزير السابق عدنان القصّار جولاته على الرؤساء على رأس وفد من الهيئات لتدعيم الموقف الرافض لأي تصحيح حقيقي للأجر، ومن المقرر أن يلتقي اليوم رئيس مجلس النوّاب نبيه بري، الذي علّق امس على نتائج المفاوضات الجارية بالقول: «إن شاء الله خيراً». واستمع رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان أمس الى تصور الهيئات الاقتصادية، معرباً عن اعتقاده بأن الحل لموضوع زيادة الرواتب والأجور الذي يطرحه الاتحاد العمالي العام يكون بالحوار الجدي، توصلاً الى صوغ بنود سياسة اجتماعية شاملة تقدم رزمة إصلاحات اقتصادية واجتماعية تحقق مصالح الجميع.
محمد زبيب - الأخبار:
كما كان منتظراً، تحرّك التحالف الخفي بين أصحاب المصالح الراسخة من النموذج الاقتصادي القائم سريعاً. وبلا أي نقاش جدّي أو تفكير في المصالح الوطنية العليا وحاجات اللبنانيين الفعلية، عمل، بأقصى قوّته المتاحة من خلال السلطة وخارجها، لإجهاض المقاربة «الثورية» التي طرحها وزير العمل شربل نحّاس على مجلس الوزراء، بمناسبة البحث في مسألة تصحيح الأجور، والرامية الى اعادة الاعتبار إلى مفهوم الأجر الاجتماعي المفقود في لبنان، واستخدام الأدوات الضريبية والإنفاقية من أجل تثبيت دور الدولة الراعية
، عبر تعميم شبكات الحماية الاجتماعية وتوفير الخدمات الأساسية التي تحسّن مستوى المعيشة، وتخفض أكلاف الإنتاج وتزيد من تنافسيته وقدرته على خلق الوظائف المطلوبة للشباب اللبناني بأجور مقبولة تتناسب مع أكلاف السكن والنقل الباهظة.
فقد كشفت مصادر مطّلعة أن رئيس مجلس الوزراء نجيب ميقاتي سيطرح في جلسة اليوم المخصصة لبتّ مطالب النقابات العمالية صيغة لزيادة الأجور بنسبة 30%، على أن لا تقل قيمة الزيادة (بطبيعة الحال) عن 150 الف ليرة، ولا تزيد عن 300 الف ليرة، ما يعني أن الحدّ الأدنى للأجور سيرتفع الى من 500 الف ليرة الى 650 ألفاً، أي نحو نصف الحد الذي يطالب به الاتحاد العمالي العام (مليون و250 الف ليرة)، والواضح في هذه الصيغة أنها تراعي موقف وزارة المال، التي تحذّر من أثر زيادة الأجور على الموازنة العامّة، مدّعية أن كل زيادة بنسبة 1% تزيد الإنفاق العام بقيمة 64 مليار ليرة، كما تراعي مواقف هيئات أصحاب العمل، الذين يرفضون أي بحث يتجاوز زيادة الحدّ الأدنى للأجور بقيمة 80 الف ليرة الى 580 الف ليرة، أو ما نسبته 16%، وهي نسبة ارتفاع مؤشّر الأسعار منذ عام 2008 الذي تعدّه إدارة الإحصاء المركزي.
فهذه الصيغة تعني فعلياً أن الزيادة بنسبة 30% لن تصيب إلّا الأجور دون مليون ليرة، في ظل تحديد الحد الأقصى لقيمة الزيادة بمبلغ 300 ألف ليرة، فيما نسبة الزيادة على أجر يبلغ مليوناً و500 الف ليرة (وهو متوسط الأجر الفعلي في لبنان) لن تتجاوز 20%، وستتراجع هذه النسبة فعلياً الى 10% للأجر البالغ 3 ملايين ليرة مثلاً، والى 7.5% للأجر البالغ 4 ملايين ليرة، وهكذا دواليك.
وأشارت المصادر الى أن الرئيس ميقاتي يعمل على تسويق هذه الصيغة انطلاقاً من إيحاءات تفيد أن مناقشاته مع قيادة الاتحاد العمالي العام بيّنت أنها غير بعيدة عن قبول الصيغة المقترحة، فيما سيعمل رئيس الهيئات الاقتصادية الوزير السابق عدنان القصّار على تليين موقف ممثّلي أصحاب العمل ليقبلوها.
لا تنحصر ثُغر هذه الصيغة في أنها دون التوقّعات التي رفعتها مطالب الاتحاد العمالي العام العلنية، أي زيادة الحد الأدنى للأجور الى مليون و250 الف ليرة، وتصحيح الأجور بنسبة ارتفاع مؤشّر الأسعار منذ عام 1996 والبالغة 100% تقريباً، بل تتجاوز ذلك الى إهمالها مفهوم الأجر الاجتماعي الذي طرحته مقاربة الوزير نحّاس في لجنة المؤشّر، والتي ستكون مطروحة على جلسة اليوم عبر تقرير مفصّل رفعه الى رئاسة مجلس الوزراء أمس.
فهذه المقاربة ترتكز على التزامات الحكومة الواضحة في بيانها الوزاري لجهة تصحيح «النموذج الاقتصادي» واعادة توزيع الأعباء الضريبية لصالح الأجور والإنتاج على حساب الريوع المتعاظمة، واعادة توزيع الإنفاق العام لصالح خلق فرص العمل الكافية للبنانيين، والحدّ من هجرتهم ورفع مستوى معيشتهم، ويقترح نحّاس في هذا السياق 8 توصيات متكاملة، أهمّها:
- ضم بدلات النقل والمنح التعليمية الى الأجر الفعلي بعد تدويرها لجميع الأجراء الى 250 الف ليرة، وبالتالي احتساب هذه البدلات في الأجر عند تصفية تعويضات نهاية الخدمة، مع الأخذ بالاعتبار المردود المالي لتوظيفات الضمان الاجتماعي عند تكوين المؤونات لدى اصحاب العمل (أي مبالغ التسوية).
- زيادة 20% على الأجر الفعلي بعد ضم البدلات المذكورة، ليرتفع الحد الأدنى الفعلي الى 900 الف ليرة، وعلى أن يكون الحدّ الأقصى للزيادة مليوناً و500 الف ليرة.
- تطبيق مشروع التغطية الصحّية الشاملة لجميع اللبنانيين، الممول من فرض ضريبة على الربح العقاري وأرباح التوظيفات المالية، والغاء الاشتراكات المترتّبة على الأجير وصاحب العمل بنسبة 9% لصالح فرع ضمان المرض والأمومة، ضم قيمة هذه الاشتراكات الى الأجر ما يعني زيادة بالنسبة نفسها تقريباً على شطر الأجر الذي لا يتجاوز مليوناً و500 الف ليرة. والمعروف أن نصف اللبنانيين تقريباً غير مشمولين بأي نوع من أنواع الضمان الصحّي الدائم، وبالتالي فإن إقرار هذا المشروع وتطبيقه سيعنيان زيادة مباشرة على دخل الأسر غير المعنية بتصحيح الأجور، ولا سيما التي يعيلها الأجراء غير المصرّح عنهم، والعاملون لحسابهم والعاطلون من العمل، والذين بلغوا سن التقاعد وفقدوا ضمانهم الصحّي بموجب النظام الحالي المشوّه، الذي يمنح الضمان فقط للموجودين في العمل النظامي حصراً، من دون أي اهتمام بمسألة أن من يحتاج الى الضمان هو من فقد عمله أو يتعرض للتعسّف في العمل. فقد دلّت الدراسات بوضوح على أن هؤلاء يتحمّلون أكلافاً باهظة للحصول على الخدمات الصحية والأدوية واحياناً كثيرة يضحّون بصحّتهم ويتعرّضون لأمراض شتى يمكن تفاديها بسبب عجزهم عن تحمّل هذه الأكلاف. وينطوي مشروع التغطية الصحّية الشاملة لجميع اللبنانيين (من الولادة وحتى الوفاة) على تصحيح بنيوي مهم في النظام الضريبي، من خلال تمويله بالضريبة على الريوع، وخفض الضرائب الجائرة على عوامل الإنتاج بالتزامن مع زيادة الاستثمارات العامّة في إنشاء شبكة نقل فعّال وطاقة كهربائية مستقرة واتصالات بنوعية جيّدة ومياه مأمونة... وكل ذلك ينطوي على خفض في الأعباء الملقاة على ميزانيات الأسر والمؤسسات الإنتاجية، ما يسهم في زيادة الإنتاجية والتنافسية وفرص العمل، وبالتالي زيادة حصّة الأجور من الناتج المحلي بعد تراجعها الدراماتيكي الى ما دون 30%.
إلا أن هذه المقاربة لم تتعرّض للإجهاض بواسطة صيغة الرئيس ميقاتي لزيادة الأجور المذكورة فحسب، بل أيضاً بواسطة موقف مستغرب أعلنه وزير الصحّة علي حسن خليل، بعد اجتماع اللجنة الوزارية الخاصة بالشأن الاجتماعي امس، فقد صرّح بأن وزارة الصحة تقدّمت بعناوين لاعتماد خطة صحية شاملة تتلاقى مع السياسات المطروحة سابقاً، أي مشروع البطاقة الصحّية الذي أعدّه وزير الصحّة السابق محمد جواد خليفة، والذي يقوم على تلزيم شركات التأمين الخاصّة إدارة نظام جديد ينتسب اليه غير المضمونين للحصول على تغطية صحّية أساسية في مقابل اشتراك يسدده المشترك بقيمة 90 الف ليرة، على غرار الضمان الاختياري.
وبرر الوزير خليل طرحه بأنه يجب المحافظة على «الكيانات الموجودة حالياً أو الأطر التنظيمية الموجودة، مثل الضمان الاجتماعي وتعاونية موظّفي الدولة»، علماً بأن وزير الصحّة تجاهل أن مشروع التغطية الصحّية الشاملة المطروح على مجلس الوزراء لا يلغي هذه الأطر، بل يضمّ 4 ملايين لبناني مقيم الى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي بدلاً من نحو 300 الف مضمون فقط حالياً، ويحافظ على المؤسسات الضامنة الأخرى كأنظمة ضمان تكميلية ترمي الى تكريس الحقوق المكتسبة الحالية للمضمونين.
وقال علي حسن خليل «إن مسؤولية الاهتمام بطبابة واستشفاء وتأمين الأدوية لنصف الشعب اللبناني تقع على عاتق وزارة الصحة، وإن الإحصاءات أشارت إلى وجود حوالى مليوني شخص مضمونين من جهات أخرى، ويبقى النصف الآخر على عاتق الوزارة، وما سنتقدم به إلى اللجنة الوزارية ولاحقاً إلى مجلس الوزراء، وفي إطار خطة شاملة تراعي مبدأ الطب الوقائي والرعاية الصحية الأولية، لما لهذا الأمر من أثر كبير على تحديد كلفة الاستشفاء لاحقاً، هو تأمين صحي إلزامي لجميع اللبنانين غير المشمولين بالضمان الاجتماعي، أو بتأمين صحي آخر. هذا الأمر سيوضع أمام جدول أعمال اللجنة في أقرب فرصة، لأن الآليات والأمور الأخرى المتعلقة بهذه المسألة طرحت للمناقشة، تمهيداً لإعداد برنامج تنفيذي لاحقاً».
وفي العودة الى المربع الضيّق الذي جرى وضع تصحيح الأجور ضمنه، فقد كشف وزير الصحّة عن قصد أو من دون قصد عن عقد أمس بين الاتحاد العمالي العام والهيئات الاقتصادية، وقال إن لقاءً آخر سيعقد اليوم بين الطرفين، علماً بأن قيادة الاتحاد العمالي تصرّ على نفي حصول مثل هذا اللقاء، إلا أن شكوى رئيس الاتحاد غسان غصن من هاتف رئيس اتحاد الغرف محمد شقير وسيكاره التي سرت «كنكتة» أمس تؤكّد حصول مثل هذه اللقاءات بعيداً عن النقابيين والرأي العام، ولا سيما أن وزير الصحّة أشار أيضاً الى أن «النقاط المشتركة تزداد، بما يؤشر الى إمكان التوصل الى تفاهم».
وقال الرئيس ميقاتي بعد اجتماع اللجنة الوزارية الاجتماعية امس «إن الاهتمام الحقيقي بالشأن الاجتماعي لا يعني زيادة الأجور والتقديمات الاجتماعية والصحية، أو رفع الحد الأدنى للاجور فقط، بل أيضاً إطلاق المشاريع والبرامج التي تحمي أي زيادة على الأجر من أن تتآكل وتذهب سدى، وتعزز الانتماء الوطني وتجذّر المواطن في أرضه، وهذا ما ننوي فعله، بالتزامن مع الجهد المبذول لتصحيح الأجور».
ولفت الى «أن ثمة مشاريع كثيرة هدفها الشأن الاجتماعي، الا أن بعضها مكرر او هو متداخل مع مشاريع اخرى، وكانت هناك مشاريع نفذت، واخرى تحتاج الى تنفيذ، بعض هذه المشاريع وضعت منذ مدة، وقد تخطاها الزمن، والبعض الآخر يحتاج الى تجديد، لذلك وجدت من الضروري اعادة تفعيل عمل اللجنة الوزارية للشأن الاجتماعي، ليس من اجل تحريكها فحسب، بل أيضاً من اجل إعطائها زخماً تحتاج إليه لتقوم بمهمة كبيرة واساسية وهي بلورة استراتيجية اجتماعية تتشارك في وضع أسسها كل الوزارات المعنية، ويكون التنسيق أحد أبرز أهدافها لضمان النتيجة الجيدة. ولعل اهم ما ستقوم به اللجنة هو إجراء جردة شاملة بالمشاريع التي تدخل في الشأن الاجتماعي، بهدف تبويبها وتنسيقها وتوزيع الاختصاصات فيها، منعاً للتداخل، لأننا نلاحظ من حين الى آخر أن مشاريع مماثلة تقوم بها اكثر من جهة».
2000 ليرة
هي قيمة الزيادة المقترحة على بدلات النقل، الا أن الرئيس نجيب ميقاتي لم يحسم موقفه منها بعد، فيما يرفض ممثلو أصحاب العمل أي نقاش في شأنها، باعتبار أن النقل والتعليم كما الصحّة هي خدمات أساسية من واجب الدولة تأمينها.
جولة أصحاب العمل
يواصل رئيس الهيئات الاقتصادية الوزير السابق عدنان القصّار جولاته على الرؤساء على رأس وفد من الهيئات لتدعيم الموقف الرافض لأي تصحيح حقيقي للأجر، ومن المقرر أن يلتقي اليوم رئيس مجلس النوّاب نبيه بري، الذي علّق امس على نتائج المفاوضات الجارية بالقول: «إن شاء الله خيراً». واستمع رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان أمس الى تصور الهيئات الاقتصادية، معرباً عن اعتقاده بأن الحل لموضوع زيادة الرواتب والأجور الذي يطرحه الاتحاد العمالي العام يكون بالحوار الجدي، توصلاً الى صوغ بنود سياسة اجتماعية شاملة تقدم رزمة إصلاحات اقتصادية واجتماعية تحقق مصالح الجميع.
أخبار ذات صلة
أبو مرعي يرفع صورة للرئيس عون في الهلالية- صيدا: "رؤية تقود… وعزم لا ينكسر"
2026-05-11 03:52 م 108
وهاب دعا لإقرار قانون عفو يؤدي لتبييض السجون: لماذا الحقد على الموقوفين الإسلاميين؟
2026-05-11 12:31 م 68
ابو مرعي :بعد ما دمّرتوا البلد… بأي حق بعد بتحكوا عن الوطنية؟
2026-05-11 09:43 ص 130
نتنياهو: يجب استمرار الحرب ضد حزب الله حتى لو انتهت مع إيران
2026-05-11 05:03 ص 91
رفضت تفكيك منشآتها النووية.. تفاصيل الرد الإيراني على المقترح الأميركي
2026-05-11 04:58 ص 82
إعلانات
إعلانات متنوعة
صيدا نت على الفايسبوك
الوكالة الوطنية للاعلام
انقر على الزر أدناه لزيارة موقع وكالة الأنباء الوطنية:
زيارة الموقع الإلكترونيتابعنا
زاروب طل وارجع في صيدا.. ذاكرة لا تنسى
2026-05-07 10:29 م
أبو مرعي… مهندس التحالفات أم صانع التوازنات؟ قراءة في دوره السياسي
2026-04-30 05:14 ص
د سمر البقاعي عيد العمال… تحية إلى الأيدي التي تبني رغم الأزمات
2026-04-30 05:11 ص
د. محمد حسيب البزري وعقيلته هالة عاصي… حين يصبح العطاء أسلوب حياة
2026-04-29 05:56 ص
نائب سعد : ديناميكية جديدة في التنظيم الناصري: دماء شابة تعيد رسم المشهد
2026-04-25 03:49 م
بالفيديو صيدا تُحاصَر بالصمت… وطرابلس تصرخ: أين رجال المدينة؟

