الله، حريري، طريق الجديدة... تحوّلات قلب العاصمة
التصنيف: سياسة
2011-11-02 09:32 ص 3176
زياد عيتاني / الأخبار
في ما عدا الشهامة والطيبة والمظهر الخارجي، كل شيء انقلب رأساً على عقب في منطقة طريق الجديدة خلال حوالى عقدين من الزمن: الزعامات، وظائف قبضايات الأحياء، الاهتمامات والأهداف، الأصدقاء والحلفاء. القلب الشعبي للعاصمة عاش تحولاً جذرياً منذ أن فاح العطر الباريسي لـ«الست نازك» في حي العرب ذات يوم من عام 1996.
كان سمير، ابن طريق الجديدة، قد سافر الى الدانمارك بعد الاجتياح الإسرائيلي عام 1982. مع انتهاء الحرب عام 1990، عاد ليزور تلك الأحياء التي هجرها، وقد ترسخ في ذهنه مشهد الدمار الرهيب في مبنى كلية الهندسة وبناية الصادق وشارع الفاكهاني. ما زالت هناك، تلك الأبنية التي لم تتغير صورتها كثيراً، باستثناء الفجوات الكبيرة التي أضيفت إلى بعضها جراء قصف المعركة العونية الأخيرة.
سأل عن أبناء المنطقة. أخذته رحلة الأجوبة إلى أحزان قضت على الذكريات الجميلة. هؤلاء كانوا قد ذاقوا الأمرّين منذ رحيل منظمة التحرير حتى اتفاق الطائف سنة 1990. روى له الجيران عن شباب اختفوا حين دخل الجيش زواريب المنطقة في عهد أمين الجميل. حدثوه عن حرب المخيمات وفظائعها، وعن شباب «المرابطون» الذين فرّوا من ملاحقة الجيش السوري لهم، فجعته ذكريات أصدقاء عن أقبية سجون لم يعرفوا أماكنها، إلا أن أكثر ما أثار استغرابه في الحديث عن تلك المرحلة، هو انقلاب كلام جيرانه إلى همس.
لكن تفاصيل صغيرة أكدت له أن الزمن الجميل لم ينقرض في 8 سنوات. فحين دخل منزله، وفوجئ بأن جدرانه باتت عارية من البويا، والبلاط اختفى تحت الردم، خرج إلى الشرفة مهموماً، فالمنزل يحتاج إلى أكثر من شهرين ليصبح جاهزاً للسكن. ما إن أطل على الشارع، حتى سمع صديقاً قديماً يصرخ له «البويا عليّي غصباً عنك»! وتبعه آخر بالقول «لا تحمل همّاً، أمّنت لك تصليح «سكورة المي» وتلحيم الخزان». أدرك سمير أن المنطقة لا تزال تحتفظ بنكهتها وبخامة رجالها المازجة بين الطيبة والشهامة.
أما صورة المنطقة وطابعها، فطرأت عليهما تغييرات كبيرة، حلت المقاهي مكان المكتبات ومتاجر الملبوسات على طول خط جامعة بيروت العربية. مقاه لا يتميز واحدها عن الآخر. كلها تتنافس في تقديم السندويشات السريعة وتحسين الخدمة بإضافة النعناع إلى الشاي، وقطعة من الشوكولا مع فنجان القهوة. هكذا يفعلون في الأفلام والمسلسلات وفي أحياء البلد القديمة. وصار من الضروري البحث عن أوجه الشبه بين «الدانكان دونتس» في «الداون تاون»، و«قهوة البرجاوي» في طريق الجديدة.
أثناء التحضير للانتخابات في عام 1996 شهدت المنطقة أول اتصال مباشر مع الحاكم الجديد. خرجت السيدة نازك الحريري من باب سيارتها السوداء، وفي لحظة اختفت المسافات بين «العطر الباريسي الفاخر» ورائحة رؤوس «النيفا» المنبعثة من ملحمة مشهورة في حي العرب. أطل بعدها رفيق الحريري، «الفاتح الجديد» الذي صافحهم فرداً فرداً. تذكّروا أن هذا لم يحصل مع صائب سلام ولا مع «الآدمي» سليم الحص، ولا طبعاً مع مالك نادي الأنصار، سليم دياب، الذي شكّل فريقه حالة الإجماع الوحيدة لدى سكان المنطقة حقبة طويلة.
كان يكفي سكان تلك المنطقة أن يصافحهم رفيق الحريري ويقبّل وجنات الأطفال في حي العرب، ليدخل الرجل الآتي من السعودية قلوبهم. كانوا قد حفظوا اسمه من خلال صناديق الإعاشة التي تجتاح منطقتهم في الأول من كل رمضان، قبل أن يعرفوا صورته. ذاك الرجل الذي قصد العديد منهم مؤسساته بغية إرسال أبنائهم للدراسة في الخارج، استطاع بمجرد الترجل من سيارته مع زوجته والتوجه إليهم بكلمة لم يفهموها سريعاً وقتها، أن يدخل بيوت المنطقة الأفقر في العاصمة.
ذلك اليوم، احتلت عبارة «زي ما هيّي» مكان صور عبد الناصر على جدران الأحياء. تحوّل الاهتمام من الصراع مع إسرائيل الى قضايا مختلفة. بات حديث الناس يتركز على قريطم و«دولته» وحال السنّة. حلّ حيّ العرب محل الأماكن التي خرج منها معظم عناصر «المرابطون» والقبضايات، فقط لأنه أكثر شوارع المنطقة قرباً الى قريطم. وقبل مستوصف أرض جلول ومدرسة الحريري، كان يكفي رب كل عائلة في الطريق الجديدة أن يتجه الى ذاك الحي مع «روشتة» الدواء أو فاتورة أقساط المدرسة، وأن يلتقي أحد أقارب أبو طارق العرب (المرافق الشخصي للحريري والذي استشهد معه) لتنقلب تلك الأوراق الى خدمات فعلية أسست لنشوء «جمعية بيروت للتنمية».
تلك الخدمات حولت أبو طارق وسليم دياب قطبين تقدّما على أغلب رجال المنطقة العتاق، كأبو علي وأبو ماهر وأبو عماد. إلا أن هؤلاء لم يختفوا. فرَجُلا قريطم أحسنا التصرف ولم يُخلّا بوصية «دولته»، إذ لم يتخليّا عن تلك الأسماء، بل أوكلا إليها مهمة جمع «الروشتات والفواتير».
حافظ أغلب رجال المنطقة على زعامتهم للأحياء بوفائهم للحريري. وكلمة «ادعوا له بطول العمر» التي يطلبونها من الناس بعد كل خدمة يؤدّونها، أمنت لهم المكانة التي تثبتّت بعلاقتهم مع آل العرب والبيك. دعوة طول العمر للرئيس الحريري التي خرجت من أفواه العجائز الذين تأمّن لهم الدواء، ومن أرباب العائلات الذين نالوا حسومات و«وصل قرطاسية» عند كل موسم دراسي كانت مرفقة دائماً بكلمة «سلم عليه وقلّوا الله يخلّيه فوق راسنا». «سلّم عليه» هي مفتاح السطوة اللطيفة التي بدّلت الطبائع الميليشيوية لأهل المنطقة التي اكتسبوها من أيام منظمة التحرير، مروراً بمرحلة إبراهيم قليلات، وحوّلتهم إلى رجال خير في حمى «دولته». اكتشف رجال المنطقة علم المقايضة بالفعل الخدماتي، وتحولوا الى مفاتيح انتخابية و«يا بخت يللي إلو» مكتب انتخابي في طريق الجديدة.
منذ 1996 لم تعد طريق الجديدة مسرحاً لمعارك الميليشيات «الغريبة» كما في الثمانينيات، ولا مركزاً للفصائل الفلسطينية. ولم تعد تعيش على روايات عبد الناصر من أفواه كبارها. رمت المنطقة خلفها ذكريات التصدي للاجتياح الإسرائيلي عام 1982. منذ 1996، لم يعد فيها سوى «الله... حريري... طريق الجديدة».
بعد غياب طويل، عاد أهل طريق الجديدة يتحدثون عن «زعيم سني». كان إبراهيم قليلات آخر من أجمعوا على قيادته. لكن مع الحريري تغير الوضع كلياً، رغم أن طلبات التوظيف والإعاشات الشهرية ووعود المشاريع الإنمائية التي هطلت مع رئيس الحكومة لا تقارن بحركة الجرافات في ساحة البرج، إلا أن أهل المنطقة لم يطمعوا بأكثر.
كان احتضان الحريري ورجاله لهم كافياً لمواجهة رجل كسليم الحص. «آدمي إيه... بس وين بنصرفها؟». كان هذا تعليقاً بسيطاً من التعليقات التي واكبت إعادة الحص الى سدة رئاسة الحكومة. وكان النزاع السياسي الأول للحريري مع رئيس الجمهورية الجديد إميل لحود فرصة لجس نبض ما استثمره في المنطقة.
كوّن أهل الطريق الجديدة سياستهم الخاصة بغياب مشروع حزبي وسياسي واضح للحريري. كانت عمليات المقاومة تستهوي معظمهم. «رجال... الله يقوّيهم!». غيض من فيض تعليقات الشبان الذين يتجمهرون حول التلفاز الذي شغّلوه على بطارية السيارة، بعد انقطاع التيار الكهربائي، إثر قصف الطائرات الإسرائيلية محطة الجمهور في حزيران 1999.
قبل عام من انتخابات 2000 النيابية، عاش أبناء المنطقة أولى حالات انفلاش «السياسة» في شوارعهم. إقصاء الحريري عن رئاسة الحكومة وتصاعد عمليات المقاومة في الجنوب كانا حديث أهل المنطقة التي لم تكن بحاجة إلى كثير من الوقت لحسم قناعاتها. رأت في الحريري رجل الدولة السني القادر على تجسيد مواقف أهلها تجاه ما يجري في الجنوب. بصمة الرجل على اتفاق نيسان 1996 عوّضت غيابهم الميداني عن الجهاد ضد جيش الاحتلال الإسرائيلي، ليصبح الحريري رجل «إعمار وتحرير» في نظرهم. وهذا ما لم يكن يدركه من وقفوا خلف الحملة على الحريري في تلفزيون لبنان الذي مثّل عاملاً استفزازياًَ كبيراً لأهل المنطقة خلال انتخابات عام 2000.
وفت المنطقة بعهدها للرجل، وخصوصاً أن المعركة التي خيضت ضده كانت في رأيهم ظلماً كبيراً. الدولة التي فتحت ذراعيها لاحتضان «الزعيم السني» في بداية التسعينيات، تذكرت، فجأة، أن تفتح ملفات «سوليدير» وغيرها، بعد صمت استمر 7 سنوات لم يخرقه إلا النائب نجاح واكيم.
تلك «المظلومية» خلّفت زحفاً شعبياً غير مسبوق إلى صناديق الانتخابات، أثمر إطاحة رئيس وزراء في حجم الحص من كل صناديق بيروت الانتخابية. لن تمحى من الذاكرة تلك الانتخابات التي كرست الحريري زعيماً أوحد. يومئذ دخل الرجل حيّ العرب محمولاً على الأكتاف. وما تشهده المنطقة اليوم من تحضيرات قبيل تظاهرات 14 شباط السنوية، هو غيض من فيض لما جرى للحريري في انتخابات 2000 حين همّ سكان المنطقة بأن يحملوا سيارته تكريماً له. نظراته أمام ثانوية الحرج إلى السيدات اللواتي كن يطلقن زغاريدهن وينثرن الأرزّ على أبي بهاء، كانت معبّرة للغاية. تلك المشاهد لم تعكس قوة الحريري وإعلامه وخدماته في المنطقة فحسب، بل عكست أيضاً شعور الناس بعودة قوة تأثيرهم على الحياة السياسية، منذ أن أقصوا عنها بعد انتهاء حالة «المرابطون» منتصف الثمانينيات.
لم تكن المنطقة مقفلة في وجه شخصيات أخرى، شرط أن تقلّد الحريري. فجأة تعرّف أهل المنطقة على شخص جديد: طه قليلات. الشاب المغامر اقتحم طريق الجديدة عبر شاحنات كانت تزرع المسافة بين بوابة «الجامعة العربية» وبنك البحر المتوسط في الملعب البلدي لتفرغ حمولتها من صناديق الإعاشة. لمع نجمه في المنطقة، فجأة، ومن دون مقدمات.
عشرات السيارات الفارهة والحديثة احتلت الأرصفة. جل من يقودها من شباب «الزعيم»، كما يحلو لأنصار قليلات تسميته. ذاك الشاب تمكّن، وبأسلوب مباشر، من إلحاق أذى كبير بشعبية الحريري في المنطقة. كل الأساليب التي استخدمت في الحشد الشعبي للحريري استخدمها قليلات دفعة واحدة: من الإعاشات حتى نادي الأولمبيك، والمساعدات العينية، الى توظيف عدد كبير من أبناء المنطقة في «بنك المدينة» ومؤسساته المستحدثة. شهدت الطريق الجديدة صراعاً حقيقياً بين «الزعيم» و«دولته»، سرعان ما حُسِم «فجأة» بإقصاء قليلات، قبل أن «تنفجر» لو تسنى للأخير خوض غمار الانتخابات النيابية.
مع قليلات، كان الصائم في شهر رمضان داخل المنطقة صائماً برتبة «درجة أولى». وإذا كان الحريري يفتح أبواب قريطم لحلقات الإفطار، فإن قليلات كان يرسل فانات شركاته لسكان المنطقة ليلاً لتصطحبهم إلى أرقى الناطحات مقابل البحر لإحياء سحور مجهّز من الـ«بان دور».
ما بين الإفطار والسحور، كان معظم أهل المنطقة يتسامرون مع جمعية المشاريع الخيرية الإسلامية في الشوارع يحيون معها في كل يوم «مولداً». فهم حتى وإن لم يكونوا منتسبين الى الأحباش، يستحسنون أناشيد الجمعية التي كانت وسيلة لطيفة لجذب أكبر عدد من الشبان نحو الجمعية الدينية الأكثر انتشاراً في المنطقة حينذاك.
لم يطل الانقسام بين مؤيد لـ«الزعيم» ومؤيد لـ«دولته». إقصاء قليلات عبر فضيحة «بنك المدينة» لاحقاً تسبب بالضرر الكبير لتيار المستقبل، وخصوصاً أنه أتى في ذروة المعركة السياسية التي كان الحريري يخوضها. فجأة تراجع الدعم المالي والإنمائي للحريري، ومع إطاحة قليلات صار أهل الطريق الجديدة يرددون أن «دولته» لا يريد لهم أن يسترزقوا، وخاصة أن فضيحة «المدينة» دوّت قبل عام من الانتخابات النيابية عام 2005.
مع أفول نجم «الزعيم» الشاب، عمّ الإحباط منازل من كانوا يستفيدون منه، أو يمنّون أنفسهم بالاستفادة. توقفت «المشاريع الكبيرة» التي كان قليلات قد باشر بتنفيذها، وبينها مركز تجاري ضخم في حي الدامرجي كان العديد من الشبان قد حجزوا وظيفة لهم فيه. اختفت السيارات الفارهة وعاد مناصرو قليلات الذين كانوا يعملون في مشاريعه الى أعتاب السفارات بحثاً عن فيزا.
في السابع من أيار 2008 سيشهد أحد محاور المنطقة تظاهرة مسلحة من نحو 30 شاباً مستنفرين لحمايتها من اقتحام المعارضة. اللافت أن معظمهم كانوا من «مناصري» قليلات السابقين لا من رجال سعد الحريري. كانت المشكلة مع رفيق الحريري عند إقصاء قليلات أيضاً أن الأمن السوري متّهم بمشاركة الحريري الحملة على الشاب المغامر. في الوقت نفسه، بدأت تطفو على السطح مشكلة الحريري مع سوريا.
لم يكن الوجود السوري محبوباً في الطريق الجديدة منذ ثمانينيات القرن الماضي. بعض أهلها لا ينسى اقتحام الجنود السوريين البيوت بحثاً عن الأسلحة. لكن المنطقة التي اعتادت الفراغ الحزبي منذ غياب «المرابطون»، استعانت عليه بالصبر، فلم يصطدم أبناؤها بالجيش السوري، إلا أنهم «انتفضوا» عليه سلمياً إبان تشييعهم المفتي حسن خالد، وذلك عبر بعض الهتافات، وكذلك عبر التضامن خلال «حرب التحرير» العونية، ولو همساً، مع الجنرال اللبناني على رغم القذائف التي انهمرت على أحياء المنطقة.
تعايشت الطريق الجديدة مع السوريين كغيرها من المناطق اللبنانية. استقوى بعض من أهلها على بعض بمقدار ارتباطه بضباط سوريين. وشهدت المنطقة مصاهرة حقيقية لضابطين كبيرين من الجيش السوري لعائلتين منها، إحداهما في حيّ الدامرجي، والأخرى عند حي التنك قرب قصقص. لكن الأغلبية كانت تسلّم أمرها على قاعدة «لا صوت يعلو فوق صوت المركز السوري».
تلك القاعدة تحللت تماماً مساء الرابع عشر من شباط 2005. فمن لم تهزّه قضية «تنكة الزيت» قبل ذلك بيوم، هزّته قوافل الدراجات النارية التي قذفت مركز حزب البعث قرب جسر الكولا بالحجارة والعصي. العيارات النارية التي دوّت أمام مركز البعث ستكون أول مظاهر التسونامي «الأزرق» بعدما أصبح رفيق الحريري شهيداً.
الأصل لا ما حصل
تعود أسماء شوارع الطريق الجديدة للعائلات الأولى التي سكنتها. وفي مفارقة غريبة، فإن حي صبرا الذي يعتبر الأفقر فيها، كان مشروعاً أرستقراطياً، وأول من سكنه هم آل صبرا، حيث شيّد رامز صبرا أول بيوتات هذا الشارع وكان أشبه بالقصر، فيما قطن عارف بك النعماني، صاحب الخيول في ميدان سباق الخيل، في الطبقة الثانية من مبنى صبرا. وسُمّي شارع حمد بذلك نسبة إلى آل حمد، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الرواس والألطي والدامرجي. وتُعدّ عائلات التمساح والسردوك ومكوك من العائلات الأولى التي اشتهرت في المنطقة. أما حي العرب، فقد اكتسب اسمه أيضا نسبة إلى آل العرب الذين كانوا يسكنون الكرنتينا، وهم من العرب الرحل، وكان أشهرهم عبد العزيز العرب الذي كان مرافقاً خاصاً لرياض الصلح، وقد كان أهالي المنطقة يلقون التحية على الشرطي عبد العزيز على طريقة البدو فيهتفون له: حيا العرب، قبل أن يشتهر الحي بهذا الاسم.أما حي الطمليس فقد اشتق اسمه بالتواتر من عائلة «لبّس» المسيحية التي عاشت فيه، وذلك حسب الرواية الأكثر شيوعاً لدى كهول طريق الجديدة حيث يروون أنه كان أشبه بمحطة لكل سكانه. هذا الحي تبدّلت وجوه أبنائه حسب الأحداث التي عصفت بالمنطقة، لكنه ما زال محافظاً على بعض البيوت القديمة والفقيرة، ولم تسعفه المباني الحديثة. ومع سيطرة تيار المستقبل عليه لم يتغير الوضع، إلا أنه اكتسب شهرة في الأعوام الماضية، لكون مناصري المستقبل استعملوه كـ«برج مراقبة» لمنطقة بربور، ومن هناك كانت تفسّر جهوزية جمهور المستقبل في المشاكل الفردية التي اندلعت بعد 2005.
حاميها حراميها
يتنهّد الكهل البيروتي خلف «أرجيلته» طويلاً ثم يتابع سرده للأحداث التي عصفت بالمنطقة إبان دخول الجيش السوري: «فاتوا على البيوت... ما راعوا حرمة حدن. أنا بذكر بالبناية يللي ورا المدينة الرياضية كيف كسر الجندي خزانة الأولاد مفكّر إنو فيها سلاح... السنة سنة 1991، دخل حرامي إلى شقة سكنية لمالكي بناية قديمة في المنطقة، واستنجد السكان بدورية سورية كانت تمر أسفل المبنى، استمر إطلاق الرصاص بينهم وبين السارق من الساعة 11 والنصف ليلاً حتى الرابعة فجر اليوم الثاني، إذ إنه كان قد لجأ الى غرفة يصعب دخولها إلا من ناحية واحدة، وكان مسلحاً بأكثر من مخزن رشاش، قبل أن يرشدهم أحد سكان المنطقة إلى السطح المشرف على تلك الغرفة، فباغتوه بطلقتين أصابتا رجله اليسرى. «لكن المفاجأة الكبرى أنه كان سورياً، وقد صرخ الضابط المسؤول عن الدورية به حين جرى اعتقاله: لك هاد إنت ولك حقير».
يكمل العجوز البيروتي حديثه بتنهيدة طويلة: «كان واحداً منهم!».
عقيدة إلياس عطا الله و رقص فوق الضريح
بعد 14 شباط 2005، انقلب مزاج طريق الجديدة. حزن شديد تبعه كسر لمحرمّات من دون قطع نهائي مع تاريخ عروبي. تظاهرة «شكراً سوريا» في 8 آذار أرّخت لبدء التباعد مع حزب الله، وأحداث الجامعة العربية أذنت ببدء القطيعة، لتتوّج المنطقة «قلعة سنيّة» لسعد الحريري
زياد عيتاني
صدمة أبناء طريق الجديدة في 14 شباط 2005 كانت شديدة. الساعات الأولى بعد الاغتيال مرّت ثقيلة عليهم. تسمّروا خلف الشاشات، قبل أن تتصاعد وتيرة الغضب متزامنة مع المواقف التي خرجت من محيط قريطم والهتافات التي علت من حي العرب.
قبل ذلك، كان آخر مظاهر الغضب العفوي الذي شهدته المنطقة يعود الى عام 1994، تحديداً بعد مجزرة الحرم الإبراهيمي، حين خرج سكانها من مسجد الجامعة العربية وجامع علي بن أبي طالب يهتفون «خيبر خيبر يا يهود... جيش محمد سوف يعود». بعضهم أغمي عليه أثناء صلاة الجمعة، يومها، عندما كان الشيخ سليم اللبابيدي يهمّ بالدعاء للشهداء الذين سقطوا وهم يؤدون صلاة الفجر على يد متطرف يهودي.
في شباط 2005، عمّ الحزن المنطقة. كان لكل من أهلها نصيب من ضحايا المتفجرة ـــــ الزلزال: آل العرب يبكون أبا طارق وأبا بهاء، ومعهم كل الأحياء المجاورة من السبيل الى حمد. في صبرا بكت الأرملة صندوق الإعاشة، وبكى في الدامرجي موظف مؤسسات الحريري مشغّله، وانسالت الدموع من عين محمود اليمنى، التي أصيب بها خلال الحرب الأهلية وعالجها على حساب «دولته»، قبل أن يصبح موظفاً في شركة أمنية في «وسط البلد» ومعيلاً لإخوته بعد سنوات من البطالة.
لم يطرح أهل طريق الجديدة أسئلة سياسية بعد الاغتيال. كانوا يبكون عزيزاً لهم بعاطفة خالصة، قبل أن تشدّهم الحملات السياسية لكسر حاجز الحزن والغضب والإحساس بالفراغ الكبير.
زيّن خالد دراجته بصورة الشهيد ووضع مكبراً للصوت فوقها، وانطلق مع رفاقه على وقع أنغام «بيروت عم تبكي» نحو ساحة الشهداء، أو «السوليدير» كما يسميها كبار المنطقة. بدت المواكبة من سكان المنطقة للحركة التي شهدها محيط الضريح عفوية، لكن غير كثيفة. جلّ من شاركوا في اول أيام اعتصامات 14 آذار في ساحة الشهداء كانوا من الشبان، بين الـ 17 والـ 24، المتحمسين للحدث الأبرز في حياتهم، أو ممن استفادوا مباشرة من الراحل، فيما فضّلت معظم العائلات التعاطف على طريقتها: إما بزيارة الضريح، أو بمتابعة الأحداث السياسية من خلف شاشات التلفزة والتفاعل مع كل ما يصدر من دارة آل الحريري.
في قريطم كانت العائلة والأبناء يتلقّون التعازي، وفي طريق الجديدة كان الهمس يدور حول خليفة الراحل. يبدو بهاء ذا طبيعة حادة. قالها أحدهم في «القهوة» القريبة من الفاكهاني. ردّ عليه آخر: «مزبوط. فهد وأيمن جامدان. وسعد الدين طيب كتير مبين عليه...». يقاطعهما ثالث: «يا حرام يا بهية... أكتر وحدة عاملة عليه».
عاش الناس عزاء آل الحريري بكل جوارحهم. المواقف التي أطلقها نواب بيروت، من قريطم، بإدانة سوريا، كسرت التابوات. حرق مركز البعث على جسر الكولا والنبرة المرتفعة لثلة من الشبان في المنطقة تجاه كل سوري، سواء كان عاملاً أو جندياً أو غيرهما، بددت كل ما عاشوه من احتقان داخلي منذ أيام «أبو شاكر»، مروراً باغتيال المفتي حسن خالد، ووصولاً الى اغتيال «الرفيق».
«ليش عم يعمل هيك؟». سأل بعض سكان المنطقة بعضهم بعضاً حين خرج السيد حسن نصر الله خطيباً على رأس تظاهرة ضخمة في 8 آذار 2005 رفعت شعار «شكراً سوريا». جرى ذلك في غمرة غضبهم وحزنهم. نصر الله «المجاهد، صاحب الإيمان الشديد»، المحبوب من كبار اهل المنطقة و«الصادق» و«صاحب المواقف النظيفة» و«يللي ما وسخ حالو بالسياسة بلبنان».
غضب خالد ورفاقه. «لازم يوقف معنا. ما هيك؟». لم تقنعه الإجابة التي سمعها من عمه الذي قال له: «يا خيي ما بيقدر. عم بجيب سلاح من سوريا».
كان خالد يومها في السابعة عشرة، أي إنه كان في الثانية عشرة عندما تحرر الجنوب، وفي الثامنة خلال حرب «عناقيد الغضب» عام 1996. كان يغفو قبل نشرة أخبار المنار التي تعرض عمليات المقاومة قرب فلسطين «التي أخذوها الإسرائيليين». لم يتسنَّ له أن يفهم طبيعة الصراع العربي ــــــ الإسرائيلي. أبوه كان مراهقاً حين رحل عبد الناصر. كوّن عائلته «بطلوع الروح» خلال الحرب الأهلية التي لم تجرّ عليه إلا الفقر والتهجير حين تطاول شرارتها طريق الجديدة. أجمل ما عاشه خالد مع أبيه، صاحب محل تصليح «الموتسيكات»، تلك الرحلة التي اصطحب فيها الوالد العائلة إلى نبع مار سركيس في إهدن. كان ذلك بعد الانتخابات النيابية عام 2000. لم يسأل خالد أباه عن سر الـ 140 دولاراً التي أنفقتها العائلة في تلك الرحلة، لأن حقول الفريز وبرودة المياه والقرى ذات القرميد الأحمر أبهرت الفتى يومها.
ذكّر خالد أمه بتلك الرحلة: «بتتذكري لما مرقنا قدام ضيعة، وصار بيي يسب جعجع لانو قال هاي ضيعته؟». أجابته والدته بنعم. فسألها الفتى: «طيب ليش؟ والله كلهن جماعته عم بينزلوا على الخيم معنا، وفي كمان تعول عون». انتفضت أم خالد: «إيه خليك مع تعول عون لأنهن مش زعران، بس هوليك عملو فينا عمايل. هلق لانو سوريا بينت على حقيقتها صفّوا معنا، بس طول عمرهن ما بحبونا».
لم يقتنع خالد كثيراً. عاود النزول الى ساحة الشهداء بدراجته الصغيرة. هناك، أمام الخيمة التي قصدها كان الياس عطا الله يروي للشبان حكايات السلاح خلال الاجتياح الإسرائيلي. أما بول، فأخبرهم كيف اعتقلته استخبارات الجيش أمام العدلية حين شتم سوريا. ورقص شاب وفتاة على المسرح الذي شيّد أمام الضريح على أنغام «أنا بتنفس حرية» بكامل حريتهما، فتذكر خالد «مشواره السري» مع إحدى بنات جيرانه الى الروشة.
بُحّ صوت ابن طريق الجديدة ذي الـ17 ربيعاً في 14 آذار 2005. لم يكن وحده. حتى «الحجة» كانت معه. ووسط تدافع الناس وصل مع والدته الى الضريح حيث أجهشت بالبكاء وهي تقرأ الفاتحة. «هاي ويلا، سوريا طلعي برا». صرخ مع رفاقه، ونظر الى والدته قائلاً: «هول هني جماعة القوات اللي مع جعجع. شايفة ما قلتلك سوريا كانت مفرقتنا؟ وهول تعول عون كمان. كان لازم نصر الله يجيب المقاومة وينزلوا معنا. كل يللي قاتلوا اسرائيل عم بيعملو هيك. أنا سمعت الياس عطالله تاع الشيوعية انو حاربوا اسرائيل على البربير والمتحف».
معظم سكان طريق الجديدة في سن خالد. صاغ هؤلاء «عقيدتهم السياسية» من تلك الخيم، ومن أغنية «ع الوعد نكمل دربك». في الأيام التالية، صار هؤلاء العصب الحقيقي لتوجهات زعماء المنطقة. هم من سيهرولون نحو الجامعة العربية، ومن سيمجّدون من أطلق النار من نافذة مبنى مجاور لموقف السيارات. وهم الذين سيحملون السلاح الذي كان، حتى وقت قريب، موجوداً حصراً في لعبة «كاونتر سترايك» التي يلعبونها على الكومبيوتر في محلات الإنترنت ليلاً.
تناقض تموز
لم يكن جمال حسني مبارك يتوقع أن يصرخ أحدهم من شرفة منزله في طريق الجديدة: «روحوا شيلوا علم اسرائيل من القاهرة، ما بدنا منكن أدوية». ذلك الرجل الستيني لم يكن نازحاً من الجنوب الى إحدى مدارس المنطقة. هو ابن طريق الجديدة الفخور بـ «سنيته» والمنتقد بشدة لموقف حزب الله الداعم لسوريا، لكن شيئاً من عروبته وقوميته تحرك فيه، وهو يرى ابن الرئيس المصري مترئساً وفداً من الدبلوماسيين والفنانين كانوا يزورون المستشفى الميداني الذي أقامته مصر في كلية الهندسة عند حي الدامرجي. لم يقف الرجل عند حدود تلك الصرخة. شغّل الراديو على «إذاعة النور»، ليرفع صوت نشيد «الله أكبر فوق كيد المعتدي» ليسمعه أبناء الشارع المنقسمون حول الصيف الحار الذي أطل عام 2006.
عاش أبناء تلك المنطقة حرب تموز بتناقض غريب. كانوا قد قرروا الوفاء لرفيق الحريري في انتخابات 2005 عبر ورثته الجدد، ابنه سعد ورفيق دربه فؤاد السنيورة، على رغم التذمر الواضح من اسم جبران تويني وصولانج الجميل، وخصوصاً من الجيل العتيق، لكن، في الوقت عينه، هلّل بعض شرفاتها وسطوحها بالتكبير لضرب البارجة ساعر، وانتشرت في المنطقة صورة تجمع جمال عبد الناصر والسيد نصر الله كتب عليها «من ناصر الى نصر الله ... المسيرة مستمرة».
جل ما تمناه معظم أبناء طريق الجديدة هو أن يكون سعد الحريري 2006 نسخة مطابقة لرفيق الحريري 1996. كان ذلك سيساعدهم على التصالح مع قناعاتهم «التاريخية»، بعيداً عن التجاذب التي خلفه الانقسام السياسي.
الجامعة العربية
هرول بضعة شبان نحو الجامعة العربية في أواخر كانون الثاني عام 2007، بطريقة منظمة، وبكثافة، حتى ليخيّل للبعض أنهم كانوا ينتظرون «المشكل» الذي هاجت وماجت طريق الجديدة فيه. معظم الذين توجهوا الى محيط الجامعة كانوا من حيّي «كاراج درويش» و«أبو سهل» القريبَين من صبرا، اللذين ورثا عن المخيم الفلسطيني معظم مآسيه، من فقر وإهمال وفوضى. كل ما شاهده اللبنانيون على شاشة التلفزة هو غضب لشبان لم تتجاوز أعمارهم الـ 25 عاماً. هذا كان على الأرض. أما من شهر سلاحه فوق سطوح المباني، فقد كانت طلقاته المصوّبة نحو أوتوتستراد المدينة الرياضية إيذاناً بانطلاق أكبر ظاهرة تسلح في تاريخ المنطقة، منذ أفول منظمة التحرير عنها عام 1982.
كانت الطريق الجديدة قبل يومين قد استيقظت على غبار أسود كثيف خلال إضراب «المعارضة» الشهير يوم 23 كانون الثاني 2007 ضد حكومة السنيورة. بضعة إطارات محترقة لامست حدود أوتوستراد المدينة الرياضية، البوابة الجنوبية للمنطقة. هكذا انطلقت كل أنواع التعبئة منذ تظاهرة قوى 8 آذار الأولى، وصولاً الى الاعتصام الشهير في الوسط التجاري . و8 آذار ليست، لسكان المنطقة، سوى حزب الله الذي واكبوه «خبراً تلفزيونياً» في التسعينيات، وبطلاً استثنائياً حرّر الجنوب في الـ 2000، وخصماً سياسياً بعد الـ 2005، وقوة عسكرية في الـ 2006. كل ذلك من دون أي احتكاك ملموس مع أحد من عناصره. أما اليوم، فها هو يعبر بحشوده أمامهم متجهاً نحو وسط «رفيق الحريري» التجاري، مجاهراً برفضه لخيارهم السياسي.
أحداث الجامعة العربية مهدت لـ «قانون طريق الجديدة» الحديث (مروان طحطح)
تجمهر شبان المنطقة حول النائب عمار حوري أمام موقف الجامعة أثناء جولة له في طريق الجديدة صبيحة اليوم التالي للحادثة. «كانوا مجهزين لاقتحام المنطقة... قولوا لسعد الحريري بدنا سلاح... ممنوع يندقروا الرجال القبضايات يللي حموا المنطقة وكانوا عم بقوصوا... خدوا بوسطة دار العجزة المحروقة وحطوها بساحة الملعب البلدي ليعرفوا يللي بعدهن عم بدافعوا عن المقاومة مين هني حزب الله»... يسمع حوري التعليقات قبل أن يعود الى سيارته مبتسماً، برفقة عدد من رجال المنطقة المعروفين. أحد هؤلاء الرجال يقصد جاره في المبنى القريب، ويسأله: «أنت حاطط ع سيارتك صورة من ناصر الى نصر الله؟». يجيبه جاره بالإيجاب، فيرد «زعيم الحي»: «خلص.. ما شفت بعيونك كيف انتهكوا حرمة المنطقة؟ بطلت القصة إسرائيل والسوري. شيلها لانو الشباب مولعة».
تبدلت أجواء طريق الجديدة منذ ذلك اليوم. لم يعد أحد يجرؤ على أخذ خيار سياسي يعاكس خيار أهلها. حلّت صور سعد الحريري وفؤاد السنيورة بدلاً من صورة عبد الناصر ونصر الله على قلتها. توزعت أعلام تيار المستقبل على أعمدة الإنارة وشرفات المنازل بكثرة. وقف أحد الشبان المتحمسين تحت مقر الحزب السوري القومي المشتعل معلناً «قانون طريق الجديدة» الحديث: «ما عنا بالمنطقة خونة لبيت الحريري. هاي طريق الجديدة. ما حدن يقرب عليها. ويللي ما عاجبوا يحمل غراضو والله معو».
تمكن أهل طريق الجديدة بولائهم للشيخ سعد وفاءً لوالده من إيصال رسالتهم. أُعلنت المنطقة «قلعة السنة » بناءً على الأحداث المتسارعة التي حصلت مطلع عام 2007. صحيح أن شبابها رفعوا شعارات «I love life» مع قوى 14 آذار، إلا أنهم هتفوا بالروح بالدم نفديك يا سعد عندما زارهم للصلاة في جامع الإمام علي بن أبي طالب. صحيح أن معظمهم يحبّذ سماع أغاني هاني شاكر يوم الأحد، الا أنه أيضاً يحفظ أغنية «ع الوعد نكمل دربك». صحيح أن سنية الطريق الجديدة ولدت مرة أخرى، لكنها لم تخرج من جوامعها، بل خرجت من مقاهيها.
من يدخل طريق الجديدة في تلك الفترة يفهم تماماً خلفية الفكرة التي راودت تيار المستقبل بمقارعة 8 آذار. ومن يجُل في الزواريب يفهم لماذا كان موكب الشهيدين زياد غندور وزياد قبلان يمر من الملعب البلدي ليُحمَل على أكتاف شباب من عمرهم، يتحدّون بهتافاتهم السيد نصر الله وحزبه، على مسمع من النائب وليد جنبلاط، متجهين نحو جامع الخاشقجي. بعض الذين لم يتأثروا بالمشهد السياسي عام 2005 كثيراً، على ندرتهم، احتفظوا بوجهة نظر خاصة حملت أكثر من سؤال عن دور جنبلاط في «الشارع السني». أولئك كانوا يهمسون في آذان جيرانهم أن جنبلاط يريد أن «يحارب الشيعة» بسعد الحريري، متسائلين عن سبب دخوله طريق الجديدة على رأس جنازة الزيادين بعد شهر ونيف على أحداث الجامعة العربية حين كانت المنطقة تغلي، قبل أن يتوجه بخطاب سياسي هادئ نحو الضاحية عند دفنهما، تاركاً حناجر الفتيان من أهل المنطقة تلتهب غضباً. نظرية كهذه يصر أصحابها عليها حين يتذكرون أن موكب النائب الشهيد وليد عيدو الذي سلك طريق بيت الشهيدين نحو الخاشقجي، وفي مقدمته جنبلاط أيضاً، لم يمر في طريق الجديدة.
أحزان طريق الجديدة... غضب
شهدت طريق الجديدة في تاريخها عدة ردات فعل، لغياب أو فقدان رمز سياسي أو زعيم محلي. يذكر كامل عيتاني المولود في المنطقة عام 1933، رد فعل السكان إثر اغتيال رياض الصلح. يقول: «توجه سكان طريق الجديدة نحو أول الأسواق القديمة حيث كسروا واجهات لبعض المحال التجارية. لقد كان الصلح رمزاً لكل أبناء المنطقة على تنوعهم الطبقي». في رحيل عبد الناصر يذكر رجل عايش تلك المرحلة جيداً أنه سمع صراخ أحدهم في الشارع، فهمّ لإلقاء نظرة، ليرى أحد «قبضايات» المنطقة، وكان ذا عضلات مفتولة ينادي بلكنة بيروتية قح: «أبو خالد يا حبيبي... منين اجت هالمصيبة». وما كان مستغرباً حينها هو طلاقة لسان هذا الرجل، حيث أكمل رثاءه زجلاً: «أبو خالد وصى وصية... ديرو بالكن ع الفدائيي».
وشهدت طريق الجديدة أكبر جنازة في تاريخها على الإطلاق إثر اغتيال المفتي حسن خالد، حين غطت وفود المشيعيين شوارعها انطلاقاً من الكولا ووصولاً الى جبانة الشهداء في قصقص، وكان رد فعل سكان المنطقة ينم عن احتقان كبير سببه غياب «المرابطون»، فرفع عدد كبير منهم علم المرابطون كتحدٍّ للجنود السوريين المنتشرين على أطراف الجنازة صارخين بأعلى أصواتهم: مرابط... مرابط...
إعجاب مكبوت... ومذهبية مستشرية .
«نحن لسنا مذهبيين»، يقول أحد أعيان شارع صبرا القدامى، ويتابع: «بالزمانات كان في المنطقة الكتير من الإخوة الشيعة. كانوا ينزحون من الحرمان الكبير الذي يطاول مناطقهم الجنوبية، وبعده من الاعتداءات الصهيونية. أنا عن نفسي كنت معجباً بمثابرتهم واجتهادهم في العمل. أذكر أنني تعرفت على عامل خشب كان يعمل في الصيفي في منتصف الأربعينيات. تقربت منه كثيراً وزرته في بيته الذي كان في أول الشياح. لقد احتل أبناؤه أكبر مراكز في الدولة، وأصبحوا الآن ذوي نفوذ ومال. حين زرته كانوا يجتمعون على ضوء قنديل من الكاز. وهو يقوم بتدريسهم».
يقاطع آخر كلام العجوز، فيقول: «يا خيي الحريري او غيره... إن كانوا بيسووا او لا... إذا كنا غلطنا او لا ... ما مفروض هني يحددوا مين منختار زعيم. سمعت سعد الحريري أو بيو مرة وقفوا وقالوا الشيعة لازم يقودهن فلان أو فلان؟ (السيد حسن) نصر الله عملها معنا بعد تموز، وقال عن السنيورة إنو هاي حكومة لغير السنّة. هالحكي مش مقبول».
كان سمير، ابن طريق الجديدة، قد سافر الى الدانمارك بعد الاجتياح الإسرائيلي عام 1982. مع انتهاء الحرب عام 1990، عاد ليزور تلك الأحياء التي هجرها، وقد ترسخ في ذهنه مشهد الدمار الرهيب في مبنى كلية الهندسة وبناية الصادق وشارع الفاكهاني. ما زالت هناك، تلك الأبنية التي لم تتغير صورتها كثيراً، باستثناء الفجوات الكبيرة التي أضيفت إلى بعضها جراء قصف المعركة العونية الأخيرة.
سأل عن أبناء المنطقة. أخذته رحلة الأجوبة إلى أحزان قضت على الذكريات الجميلة. هؤلاء كانوا قد ذاقوا الأمرّين منذ رحيل منظمة التحرير حتى اتفاق الطائف سنة 1990. روى له الجيران عن شباب اختفوا حين دخل الجيش زواريب المنطقة في عهد أمين الجميل. حدثوه عن حرب المخيمات وفظائعها، وعن شباب «المرابطون» الذين فرّوا من ملاحقة الجيش السوري لهم، فجعته ذكريات أصدقاء عن أقبية سجون لم يعرفوا أماكنها، إلا أن أكثر ما أثار استغرابه في الحديث عن تلك المرحلة، هو انقلاب كلام جيرانه إلى همس.
لكن تفاصيل صغيرة أكدت له أن الزمن الجميل لم ينقرض في 8 سنوات. فحين دخل منزله، وفوجئ بأن جدرانه باتت عارية من البويا، والبلاط اختفى تحت الردم، خرج إلى الشرفة مهموماً، فالمنزل يحتاج إلى أكثر من شهرين ليصبح جاهزاً للسكن. ما إن أطل على الشارع، حتى سمع صديقاً قديماً يصرخ له «البويا عليّي غصباً عنك»! وتبعه آخر بالقول «لا تحمل همّاً، أمّنت لك تصليح «سكورة المي» وتلحيم الخزان». أدرك سمير أن المنطقة لا تزال تحتفظ بنكهتها وبخامة رجالها المازجة بين الطيبة والشهامة.
أما صورة المنطقة وطابعها، فطرأت عليهما تغييرات كبيرة، حلت المقاهي مكان المكتبات ومتاجر الملبوسات على طول خط جامعة بيروت العربية. مقاه لا يتميز واحدها عن الآخر. كلها تتنافس في تقديم السندويشات السريعة وتحسين الخدمة بإضافة النعناع إلى الشاي، وقطعة من الشوكولا مع فنجان القهوة. هكذا يفعلون في الأفلام والمسلسلات وفي أحياء البلد القديمة. وصار من الضروري البحث عن أوجه الشبه بين «الدانكان دونتس» في «الداون تاون»، و«قهوة البرجاوي» في طريق الجديدة.
أثناء التحضير للانتخابات في عام 1996 شهدت المنطقة أول اتصال مباشر مع الحاكم الجديد. خرجت السيدة نازك الحريري من باب سيارتها السوداء، وفي لحظة اختفت المسافات بين «العطر الباريسي الفاخر» ورائحة رؤوس «النيفا» المنبعثة من ملحمة مشهورة في حي العرب. أطل بعدها رفيق الحريري، «الفاتح الجديد» الذي صافحهم فرداً فرداً. تذكّروا أن هذا لم يحصل مع صائب سلام ولا مع «الآدمي» سليم الحص، ولا طبعاً مع مالك نادي الأنصار، سليم دياب، الذي شكّل فريقه حالة الإجماع الوحيدة لدى سكان المنطقة حقبة طويلة.
كان يكفي سكان تلك المنطقة أن يصافحهم رفيق الحريري ويقبّل وجنات الأطفال في حي العرب، ليدخل الرجل الآتي من السعودية قلوبهم. كانوا قد حفظوا اسمه من خلال صناديق الإعاشة التي تجتاح منطقتهم في الأول من كل رمضان، قبل أن يعرفوا صورته. ذاك الرجل الذي قصد العديد منهم مؤسساته بغية إرسال أبنائهم للدراسة في الخارج، استطاع بمجرد الترجل من سيارته مع زوجته والتوجه إليهم بكلمة لم يفهموها سريعاً وقتها، أن يدخل بيوت المنطقة الأفقر في العاصمة.
ذلك اليوم، احتلت عبارة «زي ما هيّي» مكان صور عبد الناصر على جدران الأحياء. تحوّل الاهتمام من الصراع مع إسرائيل الى قضايا مختلفة. بات حديث الناس يتركز على قريطم و«دولته» وحال السنّة. حلّ حيّ العرب محل الأماكن التي خرج منها معظم عناصر «المرابطون» والقبضايات، فقط لأنه أكثر شوارع المنطقة قرباً الى قريطم. وقبل مستوصف أرض جلول ومدرسة الحريري، كان يكفي رب كل عائلة في الطريق الجديدة أن يتجه الى ذاك الحي مع «روشتة» الدواء أو فاتورة أقساط المدرسة، وأن يلتقي أحد أقارب أبو طارق العرب (المرافق الشخصي للحريري والذي استشهد معه) لتنقلب تلك الأوراق الى خدمات فعلية أسست لنشوء «جمعية بيروت للتنمية».
تلك الخدمات حولت أبو طارق وسليم دياب قطبين تقدّما على أغلب رجال المنطقة العتاق، كأبو علي وأبو ماهر وأبو عماد. إلا أن هؤلاء لم يختفوا. فرَجُلا قريطم أحسنا التصرف ولم يُخلّا بوصية «دولته»، إذ لم يتخليّا عن تلك الأسماء، بل أوكلا إليها مهمة جمع «الروشتات والفواتير».
حافظ أغلب رجال المنطقة على زعامتهم للأحياء بوفائهم للحريري. وكلمة «ادعوا له بطول العمر» التي يطلبونها من الناس بعد كل خدمة يؤدّونها، أمنت لهم المكانة التي تثبتّت بعلاقتهم مع آل العرب والبيك. دعوة طول العمر للرئيس الحريري التي خرجت من أفواه العجائز الذين تأمّن لهم الدواء، ومن أرباب العائلات الذين نالوا حسومات و«وصل قرطاسية» عند كل موسم دراسي كانت مرفقة دائماً بكلمة «سلم عليه وقلّوا الله يخلّيه فوق راسنا». «سلّم عليه» هي مفتاح السطوة اللطيفة التي بدّلت الطبائع الميليشيوية لأهل المنطقة التي اكتسبوها من أيام منظمة التحرير، مروراً بمرحلة إبراهيم قليلات، وحوّلتهم إلى رجال خير في حمى «دولته». اكتشف رجال المنطقة علم المقايضة بالفعل الخدماتي، وتحولوا الى مفاتيح انتخابية و«يا بخت يللي إلو» مكتب انتخابي في طريق الجديدة.
منذ 1996 لم تعد طريق الجديدة مسرحاً لمعارك الميليشيات «الغريبة» كما في الثمانينيات، ولا مركزاً للفصائل الفلسطينية. ولم تعد تعيش على روايات عبد الناصر من أفواه كبارها. رمت المنطقة خلفها ذكريات التصدي للاجتياح الإسرائيلي عام 1982. منذ 1996، لم يعد فيها سوى «الله... حريري... طريق الجديدة».
بعد غياب طويل، عاد أهل طريق الجديدة يتحدثون عن «زعيم سني». كان إبراهيم قليلات آخر من أجمعوا على قيادته. لكن مع الحريري تغير الوضع كلياً، رغم أن طلبات التوظيف والإعاشات الشهرية ووعود المشاريع الإنمائية التي هطلت مع رئيس الحكومة لا تقارن بحركة الجرافات في ساحة البرج، إلا أن أهل المنطقة لم يطمعوا بأكثر.
كان احتضان الحريري ورجاله لهم كافياً لمواجهة رجل كسليم الحص. «آدمي إيه... بس وين بنصرفها؟». كان هذا تعليقاً بسيطاً من التعليقات التي واكبت إعادة الحص الى سدة رئاسة الحكومة. وكان النزاع السياسي الأول للحريري مع رئيس الجمهورية الجديد إميل لحود فرصة لجس نبض ما استثمره في المنطقة.
كوّن أهل الطريق الجديدة سياستهم الخاصة بغياب مشروع حزبي وسياسي واضح للحريري. كانت عمليات المقاومة تستهوي معظمهم. «رجال... الله يقوّيهم!». غيض من فيض تعليقات الشبان الذين يتجمهرون حول التلفاز الذي شغّلوه على بطارية السيارة، بعد انقطاع التيار الكهربائي، إثر قصف الطائرات الإسرائيلية محطة الجمهور في حزيران 1999.
قبل عام من انتخابات 2000 النيابية، عاش أبناء المنطقة أولى حالات انفلاش «السياسة» في شوارعهم. إقصاء الحريري عن رئاسة الحكومة وتصاعد عمليات المقاومة في الجنوب كانا حديث أهل المنطقة التي لم تكن بحاجة إلى كثير من الوقت لحسم قناعاتها. رأت في الحريري رجل الدولة السني القادر على تجسيد مواقف أهلها تجاه ما يجري في الجنوب. بصمة الرجل على اتفاق نيسان 1996 عوّضت غيابهم الميداني عن الجهاد ضد جيش الاحتلال الإسرائيلي، ليصبح الحريري رجل «إعمار وتحرير» في نظرهم. وهذا ما لم يكن يدركه من وقفوا خلف الحملة على الحريري في تلفزيون لبنان الذي مثّل عاملاً استفزازياًَ كبيراً لأهل المنطقة خلال انتخابات عام 2000.
وفت المنطقة بعهدها للرجل، وخصوصاً أن المعركة التي خيضت ضده كانت في رأيهم ظلماً كبيراً. الدولة التي فتحت ذراعيها لاحتضان «الزعيم السني» في بداية التسعينيات، تذكرت، فجأة، أن تفتح ملفات «سوليدير» وغيرها، بعد صمت استمر 7 سنوات لم يخرقه إلا النائب نجاح واكيم.
تلك «المظلومية» خلّفت زحفاً شعبياً غير مسبوق إلى صناديق الانتخابات، أثمر إطاحة رئيس وزراء في حجم الحص من كل صناديق بيروت الانتخابية. لن تمحى من الذاكرة تلك الانتخابات التي كرست الحريري زعيماً أوحد. يومئذ دخل الرجل حيّ العرب محمولاً على الأكتاف. وما تشهده المنطقة اليوم من تحضيرات قبيل تظاهرات 14 شباط السنوية، هو غيض من فيض لما جرى للحريري في انتخابات 2000 حين همّ سكان المنطقة بأن يحملوا سيارته تكريماً له. نظراته أمام ثانوية الحرج إلى السيدات اللواتي كن يطلقن زغاريدهن وينثرن الأرزّ على أبي بهاء، كانت معبّرة للغاية. تلك المشاهد لم تعكس قوة الحريري وإعلامه وخدماته في المنطقة فحسب، بل عكست أيضاً شعور الناس بعودة قوة تأثيرهم على الحياة السياسية، منذ أن أقصوا عنها بعد انتهاء حالة «المرابطون» منتصف الثمانينيات.
لم تكن المنطقة مقفلة في وجه شخصيات أخرى، شرط أن تقلّد الحريري. فجأة تعرّف أهل المنطقة على شخص جديد: طه قليلات. الشاب المغامر اقتحم طريق الجديدة عبر شاحنات كانت تزرع المسافة بين بوابة «الجامعة العربية» وبنك البحر المتوسط في الملعب البلدي لتفرغ حمولتها من صناديق الإعاشة. لمع نجمه في المنطقة، فجأة، ومن دون مقدمات.
عشرات السيارات الفارهة والحديثة احتلت الأرصفة. جل من يقودها من شباب «الزعيم»، كما يحلو لأنصار قليلات تسميته. ذاك الشاب تمكّن، وبأسلوب مباشر، من إلحاق أذى كبير بشعبية الحريري في المنطقة. كل الأساليب التي استخدمت في الحشد الشعبي للحريري استخدمها قليلات دفعة واحدة: من الإعاشات حتى نادي الأولمبيك، والمساعدات العينية، الى توظيف عدد كبير من أبناء المنطقة في «بنك المدينة» ومؤسساته المستحدثة. شهدت الطريق الجديدة صراعاً حقيقياً بين «الزعيم» و«دولته»، سرعان ما حُسِم «فجأة» بإقصاء قليلات، قبل أن «تنفجر» لو تسنى للأخير خوض غمار الانتخابات النيابية.
مع قليلات، كان الصائم في شهر رمضان داخل المنطقة صائماً برتبة «درجة أولى». وإذا كان الحريري يفتح أبواب قريطم لحلقات الإفطار، فإن قليلات كان يرسل فانات شركاته لسكان المنطقة ليلاً لتصطحبهم إلى أرقى الناطحات مقابل البحر لإحياء سحور مجهّز من الـ«بان دور».
ما بين الإفطار والسحور، كان معظم أهل المنطقة يتسامرون مع جمعية المشاريع الخيرية الإسلامية في الشوارع يحيون معها في كل يوم «مولداً». فهم حتى وإن لم يكونوا منتسبين الى الأحباش، يستحسنون أناشيد الجمعية التي كانت وسيلة لطيفة لجذب أكبر عدد من الشبان نحو الجمعية الدينية الأكثر انتشاراً في المنطقة حينذاك.
لم يطل الانقسام بين مؤيد لـ«الزعيم» ومؤيد لـ«دولته». إقصاء قليلات عبر فضيحة «بنك المدينة» لاحقاً تسبب بالضرر الكبير لتيار المستقبل، وخصوصاً أنه أتى في ذروة المعركة السياسية التي كان الحريري يخوضها. فجأة تراجع الدعم المالي والإنمائي للحريري، ومع إطاحة قليلات صار أهل الطريق الجديدة يرددون أن «دولته» لا يريد لهم أن يسترزقوا، وخاصة أن فضيحة «المدينة» دوّت قبل عام من الانتخابات النيابية عام 2005.
مع أفول نجم «الزعيم» الشاب، عمّ الإحباط منازل من كانوا يستفيدون منه، أو يمنّون أنفسهم بالاستفادة. توقفت «المشاريع الكبيرة» التي كان قليلات قد باشر بتنفيذها، وبينها مركز تجاري ضخم في حي الدامرجي كان العديد من الشبان قد حجزوا وظيفة لهم فيه. اختفت السيارات الفارهة وعاد مناصرو قليلات الذين كانوا يعملون في مشاريعه الى أعتاب السفارات بحثاً عن فيزا.
في السابع من أيار 2008 سيشهد أحد محاور المنطقة تظاهرة مسلحة من نحو 30 شاباً مستنفرين لحمايتها من اقتحام المعارضة. اللافت أن معظمهم كانوا من «مناصري» قليلات السابقين لا من رجال سعد الحريري. كانت المشكلة مع رفيق الحريري عند إقصاء قليلات أيضاً أن الأمن السوري متّهم بمشاركة الحريري الحملة على الشاب المغامر. في الوقت نفسه، بدأت تطفو على السطح مشكلة الحريري مع سوريا.
لم يكن الوجود السوري محبوباً في الطريق الجديدة منذ ثمانينيات القرن الماضي. بعض أهلها لا ينسى اقتحام الجنود السوريين البيوت بحثاً عن الأسلحة. لكن المنطقة التي اعتادت الفراغ الحزبي منذ غياب «المرابطون»، استعانت عليه بالصبر، فلم يصطدم أبناؤها بالجيش السوري، إلا أنهم «انتفضوا» عليه سلمياً إبان تشييعهم المفتي حسن خالد، وذلك عبر بعض الهتافات، وكذلك عبر التضامن خلال «حرب التحرير» العونية، ولو همساً، مع الجنرال اللبناني على رغم القذائف التي انهمرت على أحياء المنطقة.
تعايشت الطريق الجديدة مع السوريين كغيرها من المناطق اللبنانية. استقوى بعض من أهلها على بعض بمقدار ارتباطه بضباط سوريين. وشهدت المنطقة مصاهرة حقيقية لضابطين كبيرين من الجيش السوري لعائلتين منها، إحداهما في حيّ الدامرجي، والأخرى عند حي التنك قرب قصقص. لكن الأغلبية كانت تسلّم أمرها على قاعدة «لا صوت يعلو فوق صوت المركز السوري».
تلك القاعدة تحللت تماماً مساء الرابع عشر من شباط 2005. فمن لم تهزّه قضية «تنكة الزيت» قبل ذلك بيوم، هزّته قوافل الدراجات النارية التي قذفت مركز حزب البعث قرب جسر الكولا بالحجارة والعصي. العيارات النارية التي دوّت أمام مركز البعث ستكون أول مظاهر التسونامي «الأزرق» بعدما أصبح رفيق الحريري شهيداً.
الأصل لا ما حصل
تعود أسماء شوارع الطريق الجديدة للعائلات الأولى التي سكنتها. وفي مفارقة غريبة، فإن حي صبرا الذي يعتبر الأفقر فيها، كان مشروعاً أرستقراطياً، وأول من سكنه هم آل صبرا، حيث شيّد رامز صبرا أول بيوتات هذا الشارع وكان أشبه بالقصر، فيما قطن عارف بك النعماني، صاحب الخيول في ميدان سباق الخيل، في الطبقة الثانية من مبنى صبرا. وسُمّي شارع حمد بذلك نسبة إلى آل حمد، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الرواس والألطي والدامرجي. وتُعدّ عائلات التمساح والسردوك ومكوك من العائلات الأولى التي اشتهرت في المنطقة. أما حي العرب، فقد اكتسب اسمه أيضا نسبة إلى آل العرب الذين كانوا يسكنون الكرنتينا، وهم من العرب الرحل، وكان أشهرهم عبد العزيز العرب الذي كان مرافقاً خاصاً لرياض الصلح، وقد كان أهالي المنطقة يلقون التحية على الشرطي عبد العزيز على طريقة البدو فيهتفون له: حيا العرب، قبل أن يشتهر الحي بهذا الاسم.أما حي الطمليس فقد اشتق اسمه بالتواتر من عائلة «لبّس» المسيحية التي عاشت فيه، وذلك حسب الرواية الأكثر شيوعاً لدى كهول طريق الجديدة حيث يروون أنه كان أشبه بمحطة لكل سكانه. هذا الحي تبدّلت وجوه أبنائه حسب الأحداث التي عصفت بالمنطقة، لكنه ما زال محافظاً على بعض البيوت القديمة والفقيرة، ولم تسعفه المباني الحديثة. ومع سيطرة تيار المستقبل عليه لم يتغير الوضع، إلا أنه اكتسب شهرة في الأعوام الماضية، لكون مناصري المستقبل استعملوه كـ«برج مراقبة» لمنطقة بربور، ومن هناك كانت تفسّر جهوزية جمهور المستقبل في المشاكل الفردية التي اندلعت بعد 2005.
حاميها حراميها
يتنهّد الكهل البيروتي خلف «أرجيلته» طويلاً ثم يتابع سرده للأحداث التي عصفت بالمنطقة إبان دخول الجيش السوري: «فاتوا على البيوت... ما راعوا حرمة حدن. أنا بذكر بالبناية يللي ورا المدينة الرياضية كيف كسر الجندي خزانة الأولاد مفكّر إنو فيها سلاح... السنة سنة 1991، دخل حرامي إلى شقة سكنية لمالكي بناية قديمة في المنطقة، واستنجد السكان بدورية سورية كانت تمر أسفل المبنى، استمر إطلاق الرصاص بينهم وبين السارق من الساعة 11 والنصف ليلاً حتى الرابعة فجر اليوم الثاني، إذ إنه كان قد لجأ الى غرفة يصعب دخولها إلا من ناحية واحدة، وكان مسلحاً بأكثر من مخزن رشاش، قبل أن يرشدهم أحد سكان المنطقة إلى السطح المشرف على تلك الغرفة، فباغتوه بطلقتين أصابتا رجله اليسرى. «لكن المفاجأة الكبرى أنه كان سورياً، وقد صرخ الضابط المسؤول عن الدورية به حين جرى اعتقاله: لك هاد إنت ولك حقير».
يكمل العجوز البيروتي حديثه بتنهيدة طويلة: «كان واحداً منهم!».
عقيدة إلياس عطا الله و رقص فوق الضريح
بعد 14 شباط 2005، انقلب مزاج طريق الجديدة. حزن شديد تبعه كسر لمحرمّات من دون قطع نهائي مع تاريخ عروبي. تظاهرة «شكراً سوريا» في 8 آذار أرّخت لبدء التباعد مع حزب الله، وأحداث الجامعة العربية أذنت ببدء القطيعة، لتتوّج المنطقة «قلعة سنيّة» لسعد الحريري
زياد عيتاني
صدمة أبناء طريق الجديدة في 14 شباط 2005 كانت شديدة. الساعات الأولى بعد الاغتيال مرّت ثقيلة عليهم. تسمّروا خلف الشاشات، قبل أن تتصاعد وتيرة الغضب متزامنة مع المواقف التي خرجت من محيط قريطم والهتافات التي علت من حي العرب.
قبل ذلك، كان آخر مظاهر الغضب العفوي الذي شهدته المنطقة يعود الى عام 1994، تحديداً بعد مجزرة الحرم الإبراهيمي، حين خرج سكانها من مسجد الجامعة العربية وجامع علي بن أبي طالب يهتفون «خيبر خيبر يا يهود... جيش محمد سوف يعود». بعضهم أغمي عليه أثناء صلاة الجمعة، يومها، عندما كان الشيخ سليم اللبابيدي يهمّ بالدعاء للشهداء الذين سقطوا وهم يؤدون صلاة الفجر على يد متطرف يهودي.
في شباط 2005، عمّ الحزن المنطقة. كان لكل من أهلها نصيب من ضحايا المتفجرة ـــــ الزلزال: آل العرب يبكون أبا طارق وأبا بهاء، ومعهم كل الأحياء المجاورة من السبيل الى حمد. في صبرا بكت الأرملة صندوق الإعاشة، وبكى في الدامرجي موظف مؤسسات الحريري مشغّله، وانسالت الدموع من عين محمود اليمنى، التي أصيب بها خلال الحرب الأهلية وعالجها على حساب «دولته»، قبل أن يصبح موظفاً في شركة أمنية في «وسط البلد» ومعيلاً لإخوته بعد سنوات من البطالة.
لم يطرح أهل طريق الجديدة أسئلة سياسية بعد الاغتيال. كانوا يبكون عزيزاً لهم بعاطفة خالصة، قبل أن تشدّهم الحملات السياسية لكسر حاجز الحزن والغضب والإحساس بالفراغ الكبير.
زيّن خالد دراجته بصورة الشهيد ووضع مكبراً للصوت فوقها، وانطلق مع رفاقه على وقع أنغام «بيروت عم تبكي» نحو ساحة الشهداء، أو «السوليدير» كما يسميها كبار المنطقة. بدت المواكبة من سكان المنطقة للحركة التي شهدها محيط الضريح عفوية، لكن غير كثيفة. جلّ من شاركوا في اول أيام اعتصامات 14 آذار في ساحة الشهداء كانوا من الشبان، بين الـ 17 والـ 24، المتحمسين للحدث الأبرز في حياتهم، أو ممن استفادوا مباشرة من الراحل، فيما فضّلت معظم العائلات التعاطف على طريقتها: إما بزيارة الضريح، أو بمتابعة الأحداث السياسية من خلف شاشات التلفزة والتفاعل مع كل ما يصدر من دارة آل الحريري.
في قريطم كانت العائلة والأبناء يتلقّون التعازي، وفي طريق الجديدة كان الهمس يدور حول خليفة الراحل. يبدو بهاء ذا طبيعة حادة. قالها أحدهم في «القهوة» القريبة من الفاكهاني. ردّ عليه آخر: «مزبوط. فهد وأيمن جامدان. وسعد الدين طيب كتير مبين عليه...». يقاطعهما ثالث: «يا حرام يا بهية... أكتر وحدة عاملة عليه».
عاش الناس عزاء آل الحريري بكل جوارحهم. المواقف التي أطلقها نواب بيروت، من قريطم، بإدانة سوريا، كسرت التابوات. حرق مركز البعث على جسر الكولا والنبرة المرتفعة لثلة من الشبان في المنطقة تجاه كل سوري، سواء كان عاملاً أو جندياً أو غيرهما، بددت كل ما عاشوه من احتقان داخلي منذ أيام «أبو شاكر»، مروراً باغتيال المفتي حسن خالد، ووصولاً الى اغتيال «الرفيق».
«ليش عم يعمل هيك؟». سأل بعض سكان المنطقة بعضهم بعضاً حين خرج السيد حسن نصر الله خطيباً على رأس تظاهرة ضخمة في 8 آذار 2005 رفعت شعار «شكراً سوريا». جرى ذلك في غمرة غضبهم وحزنهم. نصر الله «المجاهد، صاحب الإيمان الشديد»، المحبوب من كبار اهل المنطقة و«الصادق» و«صاحب المواقف النظيفة» و«يللي ما وسخ حالو بالسياسة بلبنان».
غضب خالد ورفاقه. «لازم يوقف معنا. ما هيك؟». لم تقنعه الإجابة التي سمعها من عمه الذي قال له: «يا خيي ما بيقدر. عم بجيب سلاح من سوريا».
كان خالد يومها في السابعة عشرة، أي إنه كان في الثانية عشرة عندما تحرر الجنوب، وفي الثامنة خلال حرب «عناقيد الغضب» عام 1996. كان يغفو قبل نشرة أخبار المنار التي تعرض عمليات المقاومة قرب فلسطين «التي أخذوها الإسرائيليين». لم يتسنَّ له أن يفهم طبيعة الصراع العربي ــــــ الإسرائيلي. أبوه كان مراهقاً حين رحل عبد الناصر. كوّن عائلته «بطلوع الروح» خلال الحرب الأهلية التي لم تجرّ عليه إلا الفقر والتهجير حين تطاول شرارتها طريق الجديدة. أجمل ما عاشه خالد مع أبيه، صاحب محل تصليح «الموتسيكات»، تلك الرحلة التي اصطحب فيها الوالد العائلة إلى نبع مار سركيس في إهدن. كان ذلك بعد الانتخابات النيابية عام 2000. لم يسأل خالد أباه عن سر الـ 140 دولاراً التي أنفقتها العائلة في تلك الرحلة، لأن حقول الفريز وبرودة المياه والقرى ذات القرميد الأحمر أبهرت الفتى يومها.
ذكّر خالد أمه بتلك الرحلة: «بتتذكري لما مرقنا قدام ضيعة، وصار بيي يسب جعجع لانو قال هاي ضيعته؟». أجابته والدته بنعم. فسألها الفتى: «طيب ليش؟ والله كلهن جماعته عم بينزلوا على الخيم معنا، وفي كمان تعول عون». انتفضت أم خالد: «إيه خليك مع تعول عون لأنهن مش زعران، بس هوليك عملو فينا عمايل. هلق لانو سوريا بينت على حقيقتها صفّوا معنا، بس طول عمرهن ما بحبونا».
لم يقتنع خالد كثيراً. عاود النزول الى ساحة الشهداء بدراجته الصغيرة. هناك، أمام الخيمة التي قصدها كان الياس عطا الله يروي للشبان حكايات السلاح خلال الاجتياح الإسرائيلي. أما بول، فأخبرهم كيف اعتقلته استخبارات الجيش أمام العدلية حين شتم سوريا. ورقص شاب وفتاة على المسرح الذي شيّد أمام الضريح على أنغام «أنا بتنفس حرية» بكامل حريتهما، فتذكر خالد «مشواره السري» مع إحدى بنات جيرانه الى الروشة.
بُحّ صوت ابن طريق الجديدة ذي الـ17 ربيعاً في 14 آذار 2005. لم يكن وحده. حتى «الحجة» كانت معه. ووسط تدافع الناس وصل مع والدته الى الضريح حيث أجهشت بالبكاء وهي تقرأ الفاتحة. «هاي ويلا، سوريا طلعي برا». صرخ مع رفاقه، ونظر الى والدته قائلاً: «هول هني جماعة القوات اللي مع جعجع. شايفة ما قلتلك سوريا كانت مفرقتنا؟ وهول تعول عون كمان. كان لازم نصر الله يجيب المقاومة وينزلوا معنا. كل يللي قاتلوا اسرائيل عم بيعملو هيك. أنا سمعت الياس عطالله تاع الشيوعية انو حاربوا اسرائيل على البربير والمتحف».
معظم سكان طريق الجديدة في سن خالد. صاغ هؤلاء «عقيدتهم السياسية» من تلك الخيم، ومن أغنية «ع الوعد نكمل دربك». في الأيام التالية، صار هؤلاء العصب الحقيقي لتوجهات زعماء المنطقة. هم من سيهرولون نحو الجامعة العربية، ومن سيمجّدون من أطلق النار من نافذة مبنى مجاور لموقف السيارات. وهم الذين سيحملون السلاح الذي كان، حتى وقت قريب، موجوداً حصراً في لعبة «كاونتر سترايك» التي يلعبونها على الكومبيوتر في محلات الإنترنت ليلاً.
تناقض تموز
لم يكن جمال حسني مبارك يتوقع أن يصرخ أحدهم من شرفة منزله في طريق الجديدة: «روحوا شيلوا علم اسرائيل من القاهرة، ما بدنا منكن أدوية». ذلك الرجل الستيني لم يكن نازحاً من الجنوب الى إحدى مدارس المنطقة. هو ابن طريق الجديدة الفخور بـ «سنيته» والمنتقد بشدة لموقف حزب الله الداعم لسوريا، لكن شيئاً من عروبته وقوميته تحرك فيه، وهو يرى ابن الرئيس المصري مترئساً وفداً من الدبلوماسيين والفنانين كانوا يزورون المستشفى الميداني الذي أقامته مصر في كلية الهندسة عند حي الدامرجي. لم يقف الرجل عند حدود تلك الصرخة. شغّل الراديو على «إذاعة النور»، ليرفع صوت نشيد «الله أكبر فوق كيد المعتدي» ليسمعه أبناء الشارع المنقسمون حول الصيف الحار الذي أطل عام 2006.
عاش أبناء تلك المنطقة حرب تموز بتناقض غريب. كانوا قد قرروا الوفاء لرفيق الحريري في انتخابات 2005 عبر ورثته الجدد، ابنه سعد ورفيق دربه فؤاد السنيورة، على رغم التذمر الواضح من اسم جبران تويني وصولانج الجميل، وخصوصاً من الجيل العتيق، لكن، في الوقت عينه، هلّل بعض شرفاتها وسطوحها بالتكبير لضرب البارجة ساعر، وانتشرت في المنطقة صورة تجمع جمال عبد الناصر والسيد نصر الله كتب عليها «من ناصر الى نصر الله ... المسيرة مستمرة».
جل ما تمناه معظم أبناء طريق الجديدة هو أن يكون سعد الحريري 2006 نسخة مطابقة لرفيق الحريري 1996. كان ذلك سيساعدهم على التصالح مع قناعاتهم «التاريخية»، بعيداً عن التجاذب التي خلفه الانقسام السياسي.
الجامعة العربية
هرول بضعة شبان نحو الجامعة العربية في أواخر كانون الثاني عام 2007، بطريقة منظمة، وبكثافة، حتى ليخيّل للبعض أنهم كانوا ينتظرون «المشكل» الذي هاجت وماجت طريق الجديدة فيه. معظم الذين توجهوا الى محيط الجامعة كانوا من حيّي «كاراج درويش» و«أبو سهل» القريبَين من صبرا، اللذين ورثا عن المخيم الفلسطيني معظم مآسيه، من فقر وإهمال وفوضى. كل ما شاهده اللبنانيون على شاشة التلفزة هو غضب لشبان لم تتجاوز أعمارهم الـ 25 عاماً. هذا كان على الأرض. أما من شهر سلاحه فوق سطوح المباني، فقد كانت طلقاته المصوّبة نحو أوتوتستراد المدينة الرياضية إيذاناً بانطلاق أكبر ظاهرة تسلح في تاريخ المنطقة، منذ أفول منظمة التحرير عنها عام 1982.
كانت الطريق الجديدة قبل يومين قد استيقظت على غبار أسود كثيف خلال إضراب «المعارضة» الشهير يوم 23 كانون الثاني 2007 ضد حكومة السنيورة. بضعة إطارات محترقة لامست حدود أوتوستراد المدينة الرياضية، البوابة الجنوبية للمنطقة. هكذا انطلقت كل أنواع التعبئة منذ تظاهرة قوى 8 آذار الأولى، وصولاً الى الاعتصام الشهير في الوسط التجاري . و8 آذار ليست، لسكان المنطقة، سوى حزب الله الذي واكبوه «خبراً تلفزيونياً» في التسعينيات، وبطلاً استثنائياً حرّر الجنوب في الـ 2000، وخصماً سياسياً بعد الـ 2005، وقوة عسكرية في الـ 2006. كل ذلك من دون أي احتكاك ملموس مع أحد من عناصره. أما اليوم، فها هو يعبر بحشوده أمامهم متجهاً نحو وسط «رفيق الحريري» التجاري، مجاهراً برفضه لخيارهم السياسي.
أحداث الجامعة العربية مهدت لـ «قانون طريق الجديدة» الحديث (مروان طحطح)
تجمهر شبان المنطقة حول النائب عمار حوري أمام موقف الجامعة أثناء جولة له في طريق الجديدة صبيحة اليوم التالي للحادثة. «كانوا مجهزين لاقتحام المنطقة... قولوا لسعد الحريري بدنا سلاح... ممنوع يندقروا الرجال القبضايات يللي حموا المنطقة وكانوا عم بقوصوا... خدوا بوسطة دار العجزة المحروقة وحطوها بساحة الملعب البلدي ليعرفوا يللي بعدهن عم بدافعوا عن المقاومة مين هني حزب الله»... يسمع حوري التعليقات قبل أن يعود الى سيارته مبتسماً، برفقة عدد من رجال المنطقة المعروفين. أحد هؤلاء الرجال يقصد جاره في المبنى القريب، ويسأله: «أنت حاطط ع سيارتك صورة من ناصر الى نصر الله؟». يجيبه جاره بالإيجاب، فيرد «زعيم الحي»: «خلص.. ما شفت بعيونك كيف انتهكوا حرمة المنطقة؟ بطلت القصة إسرائيل والسوري. شيلها لانو الشباب مولعة».
تبدلت أجواء طريق الجديدة منذ ذلك اليوم. لم يعد أحد يجرؤ على أخذ خيار سياسي يعاكس خيار أهلها. حلّت صور سعد الحريري وفؤاد السنيورة بدلاً من صورة عبد الناصر ونصر الله على قلتها. توزعت أعلام تيار المستقبل على أعمدة الإنارة وشرفات المنازل بكثرة. وقف أحد الشبان المتحمسين تحت مقر الحزب السوري القومي المشتعل معلناً «قانون طريق الجديدة» الحديث: «ما عنا بالمنطقة خونة لبيت الحريري. هاي طريق الجديدة. ما حدن يقرب عليها. ويللي ما عاجبوا يحمل غراضو والله معو».
تمكن أهل طريق الجديدة بولائهم للشيخ سعد وفاءً لوالده من إيصال رسالتهم. أُعلنت المنطقة «قلعة السنة » بناءً على الأحداث المتسارعة التي حصلت مطلع عام 2007. صحيح أن شبابها رفعوا شعارات «I love life» مع قوى 14 آذار، إلا أنهم هتفوا بالروح بالدم نفديك يا سعد عندما زارهم للصلاة في جامع الإمام علي بن أبي طالب. صحيح أن معظمهم يحبّذ سماع أغاني هاني شاكر يوم الأحد، الا أنه أيضاً يحفظ أغنية «ع الوعد نكمل دربك». صحيح أن سنية الطريق الجديدة ولدت مرة أخرى، لكنها لم تخرج من جوامعها، بل خرجت من مقاهيها.
من يدخل طريق الجديدة في تلك الفترة يفهم تماماً خلفية الفكرة التي راودت تيار المستقبل بمقارعة 8 آذار. ومن يجُل في الزواريب يفهم لماذا كان موكب الشهيدين زياد غندور وزياد قبلان يمر من الملعب البلدي ليُحمَل على أكتاف شباب من عمرهم، يتحدّون بهتافاتهم السيد نصر الله وحزبه، على مسمع من النائب وليد جنبلاط، متجهين نحو جامع الخاشقجي. بعض الذين لم يتأثروا بالمشهد السياسي عام 2005 كثيراً، على ندرتهم، احتفظوا بوجهة نظر خاصة حملت أكثر من سؤال عن دور جنبلاط في «الشارع السني». أولئك كانوا يهمسون في آذان جيرانهم أن جنبلاط يريد أن «يحارب الشيعة» بسعد الحريري، متسائلين عن سبب دخوله طريق الجديدة على رأس جنازة الزيادين بعد شهر ونيف على أحداث الجامعة العربية حين كانت المنطقة تغلي، قبل أن يتوجه بخطاب سياسي هادئ نحو الضاحية عند دفنهما، تاركاً حناجر الفتيان من أهل المنطقة تلتهب غضباً. نظرية كهذه يصر أصحابها عليها حين يتذكرون أن موكب النائب الشهيد وليد عيدو الذي سلك طريق بيت الشهيدين نحو الخاشقجي، وفي مقدمته جنبلاط أيضاً، لم يمر في طريق الجديدة.
أحزان طريق الجديدة... غضب
شهدت طريق الجديدة في تاريخها عدة ردات فعل، لغياب أو فقدان رمز سياسي أو زعيم محلي. يذكر كامل عيتاني المولود في المنطقة عام 1933، رد فعل السكان إثر اغتيال رياض الصلح. يقول: «توجه سكان طريق الجديدة نحو أول الأسواق القديمة حيث كسروا واجهات لبعض المحال التجارية. لقد كان الصلح رمزاً لكل أبناء المنطقة على تنوعهم الطبقي». في رحيل عبد الناصر يذكر رجل عايش تلك المرحلة جيداً أنه سمع صراخ أحدهم في الشارع، فهمّ لإلقاء نظرة، ليرى أحد «قبضايات» المنطقة، وكان ذا عضلات مفتولة ينادي بلكنة بيروتية قح: «أبو خالد يا حبيبي... منين اجت هالمصيبة». وما كان مستغرباً حينها هو طلاقة لسان هذا الرجل، حيث أكمل رثاءه زجلاً: «أبو خالد وصى وصية... ديرو بالكن ع الفدائيي».
وشهدت طريق الجديدة أكبر جنازة في تاريخها على الإطلاق إثر اغتيال المفتي حسن خالد، حين غطت وفود المشيعيين شوارعها انطلاقاً من الكولا ووصولاً الى جبانة الشهداء في قصقص، وكان رد فعل سكان المنطقة ينم عن احتقان كبير سببه غياب «المرابطون»، فرفع عدد كبير منهم علم المرابطون كتحدٍّ للجنود السوريين المنتشرين على أطراف الجنازة صارخين بأعلى أصواتهم: مرابط... مرابط...
إعجاب مكبوت... ومذهبية مستشرية .
«نحن لسنا مذهبيين»، يقول أحد أعيان شارع صبرا القدامى، ويتابع: «بالزمانات كان في المنطقة الكتير من الإخوة الشيعة. كانوا ينزحون من الحرمان الكبير الذي يطاول مناطقهم الجنوبية، وبعده من الاعتداءات الصهيونية. أنا عن نفسي كنت معجباً بمثابرتهم واجتهادهم في العمل. أذكر أنني تعرفت على عامل خشب كان يعمل في الصيفي في منتصف الأربعينيات. تقربت منه كثيراً وزرته في بيته الذي كان في أول الشياح. لقد احتل أبناؤه أكبر مراكز في الدولة، وأصبحوا الآن ذوي نفوذ ومال. حين زرته كانوا يجتمعون على ضوء قنديل من الكاز. وهو يقوم بتدريسهم».
يقاطع آخر كلام العجوز، فيقول: «يا خيي الحريري او غيره... إن كانوا بيسووا او لا... إذا كنا غلطنا او لا ... ما مفروض هني يحددوا مين منختار زعيم. سمعت سعد الحريري أو بيو مرة وقفوا وقالوا الشيعة لازم يقودهن فلان أو فلان؟ (السيد حسن) نصر الله عملها معنا بعد تموز، وقال عن السنيورة إنو هاي حكومة لغير السنّة. هالحكي مش مقبول».
أخبار ذات صلة
سي إن إن": ترامب يدرس استئناف العمليات العسكرية ضد إيران
2026-05-12 05:03 ص 67
أبو مرعي يرفع صورة للرئيس عون في الهلالية- صيدا: "رؤية تقود… وعزم لا ينكسر"
2026-05-11 03:52 م 129
وهاب دعا لإقرار قانون عفو يؤدي لتبييض السجون: لماذا الحقد على الموقوفين الإسلاميين؟
2026-05-11 12:31 م 73
ابو مرعي :بعد ما دمّرتوا البلد… بأي حق بعد بتحكوا عن الوطنية؟
2026-05-11 09:43 ص 137
نتنياهو: يجب استمرار الحرب ضد حزب الله حتى لو انتهت مع إيران
2026-05-11 05:03 ص 98
إعلانات
إعلانات متنوعة
صيدا نت على الفايسبوك
الوكالة الوطنية للاعلام
انقر على الزر أدناه لزيارة موقع وكالة الأنباء الوطنية:
زيارة الموقع الإلكترونيتابعنا
زاروب طل وارجع في صيدا.. ذاكرة لا تنسى
2026-05-07 10:29 م
أبو مرعي… مهندس التحالفات أم صانع التوازنات؟ قراءة في دوره السياسي
2026-04-30 05:14 ص
د سمر البقاعي عيد العمال… تحية إلى الأيدي التي تبني رغم الأزمات
2026-04-30 05:11 ص
د. محمد حسيب البزري وعقيلته هالة عاصي… حين يصبح العطاء أسلوب حياة
2026-04-29 05:56 ص
نائب سعد : ديناميكية جديدة في التنظيم الناصري: دماء شابة تعيد رسم المشهد
2026-04-25 03:49 م
بالفيديو صيدا تُحاصَر بالصمت… وطرابلس تصرخ: أين رجال المدينة؟

