×

المستقبل التكفيريّون الذين يقاتلهم حزب الله

التصنيف: سياسة

2013-05-08  04:47 ص  745

 

التكفير"، بالمعنى الذي أخذه المصطلح في حقل الحركات الإسلامية المتطرّفة الحديثة، يجوز أن نوزّعه بين أصناف ثلاثة.
الصنف الأوّل تكفيريّ بشكل مطلق: يكفّر مجتمعات اسلامية بأكملها بدعوى وقوعها في الشِرك، ورزوحها تحت نير استعباد الانسان للانسان بدلاً من عبادته لله، والقصد من التكفير هنا هجران هذه المجتمعات، والكفاح ضدّها، الى ان تعدل، وتتوب.
بالامكان الجزم بلا تردّد أنّ هذا النوع المطلق من التكفير لا أصل ولا فرع له البتة في مجرى الثورة السورية، ولا حتى على هامشها. أما أقرب من يمثّل هذه الوجهة فهو "حزب الله" الذي يعمل، على طريقته، السيف، بوجه مجتمع سوريّ، مسلم في أكثريته الكاسحة، وحجّة الحزب انه قرأ الواقع من حوله فوجد ان الثورة السورية لا هي ثورة ولا هي تناسبه.
الصنف الثاني من "التكفيريين" يعفي المجتمعات، وقد يسعى الى استمالتها، ضد الأنظمة "الطاغوتية" المعنية وحدها بالتكفير. وهنا، بالطبع ثمة في الثورة السورية من يكفّر نظام الطاغية بالاستناد الى مرجعية نصية، وفقهية، كما ثمة من يدينه ويعمل على تقويضه بالاستناد الى مرجعية اخلاقية حقوقية حداثية. الفرق بين المرجعيتين واسع لكنه ليس مطلقاً: أن يكون الطغيان بعثياً وفئوياً ودموياً بالنسبة الى الليبراليين واليساريين، أو أن يكون طاغوتاً بعثياً وفئوياً ودموياً بالنسبة الى الاسلاميين فهذا بحد ذاته مصدر تلاقٍ، وتداخل، وبهذا المعنى ينبغي القول ان تكفير النظام السوري ليس عيباً ينبغي للثورة السورية ان تتحرّج منه، اذ ليس مطلوباً من الليبرالي والاسلامي واليساري وغيرهم في هذه الثورة ان يضبطوا مصطلحهم وحساسيتهم بشكل أحاديّ. ان تكفير النظام البعثي هو أمر شبه بديهيّ اذا ما أخذنا بالحسبان "عراقة" هذا النظام في سياسة المجازر ذات الطابع الفئوي، فضلاً عن "عبادة الديكتاتور" التي يفرضها، والتي يخلطها بمسميات العلمانية والتقدمية حيناً، أو يلحقها بمنظومة ولاية الفقيه الايرانية حيناً آخر.
غير انه، لئن كان التكفير بالمعنيين الاول (تكفير مجتمعات بأسرها) والثاني (تكفير أنظمة سياسية) ينتمي الى الجديد الذي أحضرته الأجنحة الراديكالية من الحركية الاسلامية في القرن الماضي، فان الصنف الثالث من "التكفير" هو أكثر "تقليدية"، ويتعلّق بتكفير جماعة دينية لجماعة دينية أخرى، وهو ما كان شائعاً على أوسع نطاق قبل العصور الحديثة. لكن سمة هذا الصنف الثالث أنّه نسبيّ، وحمّال أوجه، يفتر ويشتد، ويتصلّب ويلين، بحسب الظروف والأهواء وميزان المخاوف المتبادلة والمصالح المتقاطعة. وهذا الصنف الثالث هو بالتأكيد مشكلة أساسية لا يزال يعاني منها العالم الاسلامي ككل، لكن ليس فقط هذا العالم الاسلامي. وهو مشكلة يعاني منها المجتمع السوري، وضمناً الثورة السورية، خصوصاً انّ النظام الدموي له طابع فئوي أقلويّ يتداخل مع معطيات أخرى، صحيح، لكن لا يجوز تضييعه أيضاً. وبهذا المعنى، النغمة التكفيرية في هذا الاطار تحوي مفارقة: تعبّر عن نزعة رافضة بحق للاستبداد الفئوي الحاصل، لكنها تتوعّد الاستبداد منظوراً اليه كبيئة أهلية طائفية بعينها بأن يتعرّض لاستبداد مضاد عاجلاً أم آجلاً.
والثورة السورية اذا كان يمكنها تقبّل تكفير النظام بحدّ ذاته، من ضمن ديناميات تعبير المجتمع السوري الثائر عن نفسه، الا انه لا يسعها غير الادانة الحيوية المتواصلة ضد كل منزع الى تكفير جماعات أهلية بعينها، وان كان التداخل بين هذين البعدين يفرزهما واقع الحرب الأهلية بشكل محموم ومقلق. في نهاية الأمر، لا يمكن ان تختار الواقع كما تختار من لائحة الأطعمة ما تريد أكله. الواقع بحد ذاته مرير، فكيف ان تعلّق الأمر بسوريا كما هي حالها اليوم؟!
فعن أي "تكفيريين" يتحدّث "حزب الله" ويذهب لمقاتلتهم فوق الأراضي السورية؟
ان كان بالمعنى الأوّل، تكفير المجتمع، فـ"حزب الله" عملياً يكفّر المجتمع السوريّ أو يقترب من هذا المسلك، كونه لا يقرّ هذا المجتمع، بأكثريته الساحقة، على دينه.
وان كان بالمعنى الثاني، تكفير النظام، فبالتأكيد لا يمكن لـ"حزب الله" أن يجاري مثل هذا، لكنه لا يمكنه كذلك الأمر ان يتجاهل حقيقة ان النظام السوري لا يعتمد ايديولوجيا ايمانية دينية، بل الايديولوجيا البعثية نفسها التي تكفّرها العقيدة الخمينية، لا سيما ابان الحرب مع العراق. لا يمكن ان يكون "البعث" كافراً في العراق، ومؤمناً في سوريا.
أما بالمعنى الثالث، فالتكفير سجال بين الفرق. جزء من مناخات فتنة مذهبية لا تزال تعلو وتنخفض بأشكال وسياقات متنوعة، منذ قرون عدّة. وهنا، لا يمكن الا من باب اعتماد المسلك التكفيري بحذافيره، تبرير القتال في سوريا بحجة انه لقتال "التكفيريين". فهذه الحجة حين يعتمدها "حزب الله" يكون قد ذهب بعيداً في تبنيه الفتنة المذهبية كدليل عمل. وباسترجاع التاريخ المعاصر، كان الصدام بين الشيوعيين والقوميين العرب في بغداد الخمسينيات والستينيات يغلّف معطيات مذهبية واثنية، نظراً الى ارتفاع نسبة الاكراد والشيعة في الشيوعيين والعرب السنة في القوميين. هذا في وقت كان كل فريق يعتمد آنذاك ايديولوجيا علمانية، تقدمية، اشتراكية. فكيف اذا كان الصدام اكثر دموية بما لا يقاس في سوريا اليوم، وفي مجتمع يقوم على اكثرية عربية سنية واضحة، وتظلّ تعدديته المذهبية والاثنية لا تقارن بالمستوى الاعلى من التعدّدية، كما في حال العراق؟ وكيف اذا كان الغشاء العلماني، التقدمي، أقل قدرة على اخفاء الطابع المذهبي، والاثني، للصدام، علماً انه صدام غير متكافئ، مرة لان فريقاً يمارسه من موقعه انه النظام، والجيش النظامي، في حين ان الفريق الآخر يمارسه من موقع انه اكثرية المجتمع؟
التنوير المزعوم الذي تلبّسه "حزب الله" شعاراً لحربه على السوريين هو في الواقع النقطة الأكثر ظلامية في هذا الصراع. الطابع النافر لفئوية النظام يتضاعف بـ"فضل" تورّط الحزب.

وسام سعادة

أخبار ذات صلة

إعلانات

إعلانات متنوعة

صيدا نت على الفايسبوك

الوكالة الوطنية للاعلام

انقر على الزر أدناه لزيارة موقع وكالة الأنباء الوطنية:

زيارة الموقع الإلكتروني

تابعنا