×

ما قبل الـ2006 لن يكون كما بعد.. بعده

التصنيف: سياسة

2013-05-15  04:28 ص  651

 

تتزاحم في رأس الجنوبيين هذه الأيام، الأسئلة الصعبة حول مصيرهم في حال قرر "حزب الله" فتح جبهة في لبنان، في إطار الجبهات الإيرانية لإنقاذ النظام السوري وفرض الهيمنة الفارسية في المنطقة، فأهل الجنوب من غير المنتمين الى الحزب، يحاولون أن يفكروا بمصالحهم وحياتهم ومستقبلهم، بعيداً عن مصالح قياديين في الحزب تغطوا بـ"المقاومة" لممارسة الفساد على أنواعه، ولذلك يقرأون التطورات بصورة مختلفة، إلا أنهم يبحثون عن يد تمتد لهم من أجل الاستعانة بها بوجه "السلاح" الذي أصبح خطراً عليهم أيضاً، بعد أن بدأ "حزب الله" بسوق الشباب الى الموت في سوريا، مما يعيدهم بالذاكرة الى أيام "سفر برلك"، ومن أجل ذلك قد يصبح طلب الدولة على جدول أعمالهم اليومي، من أجل مساعدتهم على الانتقال من ضفة الولي الفقيه الى ضفة الشرعية اللبنانية.
كثيرون قد يقولون إنه من المبكر الحديث عن هذا الأمر، ومحللون قد يتنطحون للتأكيد أن دويلة الحزب قوية ومن الصعب تفكيكها، إلا أن من يعرف الجنوبيين جيداً، يدرك أنهم لن يمشوا الى ما لا نهاية في المشروع الانتحاري لـ"حزب الله" الذي يقوّض الوطن ويخلق الفتن ويعمق الإنقسام، هذا ما يمكن استنتاجه، اذ ان مصالح كثيرة بدأت تتناقض مع مصالح الحزب وتوجهاته وإن لم تخرج بعد الى العلن لتبشر بولادة جديدة، إلا أنه يمكن لأي زائر للقرى الجنوبية، أن يستخلص أموراً عدة، منها على سبيل المثال أن "الأمليين" أي عناصر حركة "أمل" ليسوا مرتاحين لتوجهات الحزب في تدخله لحماية النظام السوري وهم أصلاً يعتبرون أنفسهم أنهم أول من رفع شعار "الدولة" وأهمية وصولها الى الجنوب وطالب بانتشار الجيش اللبناني في القرى وكذلك كانوا مشاركين في "المقاومة" قبل أن يصادرها "حزب الله" وتضطر معها الحركة الى خوض معارك على الأرض ضد عناصر الحزب في مناطق عدة لا سيما في قرى إقليم التفاح وصور بعد أن اتخذ النظام السوري قرار تحالفه مع النظام الإيراني، ففعل ما تقتضيه مصلحة التحالفات الجديدة، أي ضرب التحالف القديم مع "أمل" لصالح التحالف الجديد مع "حزب الله"، وبعد أن كانت الآلة السورية وحليفها قد قضيا على تنوّع الساحة الجنوبية وأحزابها العلمانية فاغتالا قيادات وعناصر في المقاومة وكوادر سياسية في الحزب "الشيوعي اللبناني"، كما منعا أي تحركات للحلفاء الفلسطينيين الذين تعاونوا مع "جبهة المقاومة"، بوساطة سورية، تجلّت بإضعاف أو تطويع التنظيمات المعارضة للسياسة السورية، ووضعها تحت المجهر، وقتالها أيضاً إذا تطلّب الأمر، كما حصل في منتصف الثمانينات في حرب المخيمات.
"المستقبل" ترصد في تحقيق على حلقتين واقع ما يهمس في السر عن "حزب الله" في القرى الجنوبية.
أي زائر للجنوب اليوم يستطيع أن يستنتج أن اهله محتارون، لأنهم أمام خيارات صعبة، الآباء والأمهات الذين عايشوا مراحل الماضي يخافون من توريط أولادهم في حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل في سوريا، مع أن آخرين قد تصيبهم حالة "الخرس" أمام ما يقدمه الحزب من "زودة" على تعويض "القتل" حين يسقط إبنهم في دمشق أو حمص أو حلب، فالحزب اليوم يسعى عبر مال التعويضات الى إخراس العواطف والضمائر، وهو إن نجح في بعض الحالات ولفترة قصيرة، إلا أنه لن يستطيع النجاح لاحقاً، لا سيما وأن الأمور مرشحة للتفاقم، كما أن أهل الجنوب سئموا مجالس العزاء وهم يحتاجون الى قليل من الفرح في حياتهم، سئموا العيش في الأسود ويحتاجون الى تلوين يومياتهم بألوان الطبيعة والفرح، بدل "الأصفر" المهيمن على طرقهم وأشجارهم وشاشات تلفزيوناتهم.
في تقدير عدد من أبناء الجنوب الذين التقيناهم ولن نذكر أسماءهم لأن تحذيرات "حزب الله" سلكت طريقها إليهم، إذ هم اليوم يرفعون أصواتهم في المحيط الذي يعيشون فيه، منتقدين ما يقوم به الحزب في سوريا كونه حسب تعبير أحدهم "ليس عاشوراء، بل حرب مجنونة ـ تحت أي عنوان أتت سواء كان الدفاع عن المقامات المقدسة أو الشيعة اللبنانيين أو مقاومة إسرائيل في الجولان ـ ولن يكون الحزب منتصراً فيها، لأن "التوابيت" التي تحمل جثث مقاتليه من هناك إن كانت تصل اليوم بالقطارة الى القرى، فهو سيكون مضطراً الى الإجابة عن أسئلة الأمهات اللواتي يفتقدن أولادهن ولا يعرفن مصيرهم، بعد أن صادرهم الحزب وقرر تحويلهم الى "شهداء" لن يدخلوا الجنة بسبب عدم عدالة المعارك التي يخوضونها هناك".
ويلفت آخر الى أن "المظاهر الدينية التي انتشرت في القرى الجنوبية كانت بهدف سياسي وليس من منطلق تعصّب ديني، فقد نجح الحزب في خطة التجييش المذهبي لتبرير دوره"، ويقول: "عندما كانت حركة "أمل" تهيمن على الجنوب، كانت تبدو بعض المظاهر المرتبطة بالعادات والتقاليد، مثل احتفال عاشوراء في النبطية، وهي كانت موجودة أيام كانت أحزاب الحركة الوطنية أيضاً قبل الاجتياح الإسرائيلي في العام 1982، وتستمر عشرة أيام في الحسينيات، ضمن طقوس تقليدية ولم يكن هناك مجالس عزاء يومية مثلما حصل في وقت لاحق، حيث أراد "حزب الله" استقطاب الناس عبر الدين والمال، في ظل غياب أي دور لقوى سياسية أخرى نتيجة الصراعات التي قضت على أي إمكانية لتحركات علنية من أحزاب علمانية، كما أن الصراع الشيعي الشيعي الذي حصل ونتج عنه توليفة سياسية، اي ما سمي بالثنائية الشيعية "أمل" حزب الله، أجبرت أهل الجنوب على تقبّل حقيقة واقعة، وعدم التفكير بالمضي نحو خيارات أخرى".
يجد أحد الشباب أن الالتفاف الشعبي حول "حزب الله" الذي كان موجوداً قبل التحرير في العام 2000 من قبل الجنوبيين واللبنانيين لم يعد كما هو عليه بعد حرب الـ2006، حيث سقطت ورقة التين، وأظهر الحزب طمعاً بالسلطة والهيمنة على القرار وإقصاء أفرقاء، وحوّل وجهة سلاح "المقاومة" الى الداخل وأظهر الصورة البشعة له بكونه حزباً يحرّض على المذهبية. والجنوبيون وإن أظهروا إيمانهم، إلا أنهم لا يهوون استعداء محيطهم، وهذا ما يفسّر أنه بعد استشهاد الرئيس رفيق الحريري، شارك أكثر من مئة ألف منهم في 14 آذار 2005، وكان هؤلاء حالة معبّرة عن رغبتهم في الخلاص من "حزب الله" ويريدون رحيل "الجيش السوري"، لأن أهل الجنوب كانوا أكثر المتضررين في نظام الوصاية السورية، والأصوات الشيعية التي كانت تنتقد ممارسات "السوري" لم تكن قليلة العدد حتى "أمل" كانت بهذا الشكل او ذاك، مستاءة ومستهدفة وتجلى ذلك في الانتخابات البلدية التي جرت في العام 2004 وقد كان هناك هجمة سورية على الحركة يومها وهذا ما عبّر عنه النائب عاصم قانصوه في تصريحات آنذاك، وقد وصل صراع "حزب الله" "أمل" الى نقطة حرجة، استوجب إعادة توحيد الصف بينهما عملاً بالتوجه السوري الإيراني، بعد اغتيال الرئيس الحريري الذي أحدث هزة كبيرة".
ويستدرك الشاب بالقول: "حركة 14 آذار لم تعط أهمية للمعارضة الشيعية تلك، وكان بالإمكان استغلال خوف "حزب الله" في تلك المرحلة، لخلق حالة معارضة حقيقية، إذ كان الحزب يدرك ماذا فعلت يداه، وكان بحاجة الى أخذ الرضا من بيئته نتيجة تخوفه على وضعه إلا أن الحلف الرباعي أنقذه، ولجأ لاحقاً الى المنحى المذهبي من أجل جمع الجمهور الشيعي من حوله من جديد، والذي جاء مترافقاً مع "ضخ أموال" ظهرت نتائجه ما بعد حرب 2006 وذلك لإسقاط تهمة تورطهم بهذه الحرب والتي لم تنتج سوى إطلاق سراح سمير القنطار، والانتصارات التي تحدث عنها الأمين العام للحزب في خطاباته لم تستطع أن تقضي على مشاعر الهزيمة التي كانت موجودة في دواخلهم وهذا ما يفسر كثرة الاطلالات الاعلامية لنصر الله في حينه من أجل ضبط الحالة لأن كل الصواريخ التي أطلقها الحزب خلال الحرب لم تقتل سوى 30 إسرائيلياً ولم تجرح سوى 100 منهم ودمرت القليل من الأبنية، إلا أن جنود إسرائيل وصلوا الى تخوم الليطاني وفي ذلك لا مجال للمقارنة بين القدرات التي تحدث عنها نصرالله وبين الواقع الذي عاشه أهل الجنوب، ثم إن مفهوم المقاومة عند الجنوبيين، ليس في الاستعراضات العسكرية في الضاحية الجنوبية بل في بندقية سرية تختبئ في منزل أو تحت الأرض لمواجهة المحتل إن تواجد على الأرض في قرية ما".
ويذكر في هذا الاطار، كيف أن "حزب الله" كان يضغط على الرئيس فؤاد السنيورة للقيام بمفاوضات لوقف إطلاق النار، وعندما عاد أهالي الجنوب الى قراهم ورؤوا ما جرى من دمار، سألوا "هكذا فعلت بنا يا "سيد؟"، كانت حالة التململ كبيرة، لذلك أطل الحزب بصورة مختلفة، حاملاً ملايين الدولارات من اجل تأمين سكوتهم ونجح باعادة استنهاض حالة التعاطف الجماهيري معه بواسطة المال، وعلت نبرته في تخوين كل من يرفع صوته ضده".
إتكل "حزب الله" على استعادة ثقة الناس على استشراء حالة الفرز المذهبي، وعمل على الترويج أن الطائفة الشيعية مهددة وخلقوا خصماً مفترضاً سنياً، تارة القوى السلفية في طرابلس وتارة أخرى ظاهرة الشيخ أحمد الاسير في صيدا، إلا أن "تيار المستقبل" بتوجهاته المعتدلة، أسقط ذلك الوهم والادعاء، ولذلك فإن أي ظاهرة سنية متطرفة اليوم هي وليدة هذا الحزب وتوجهاته، وهي برأي احدهم "لا تمثل في الساحة السنية سوى نفسها، إذ لا تعاطف شعبياً معها مع أن إعلام حزب الله يروج لها".
ويبقى السؤال، "هل بالإمكان المراهنة على تغيير منشود من أجل الخروج بالطائفة من سجن الحزب الواحد الى رحاب الوطن؟".
(يتبع حلقة ثانية)

فاطمة حوحو

أخبار ذات صلة

إعلانات

إعلانات متنوعة

صيدا نت على الفايسبوك

الوكالة الوطنية للاعلام

انقر على الزر أدناه لزيارة موقع وكالة الأنباء الوطنية:

زيارة الموقع الإلكتروني

تابعنا