×

لماذا يكْفر حسن نصر الله بكل شيء اذا سقط بشار الأسد؟

التصنيف: سياسة

2013-05-27  08:52 ص  758

 

 

 

كيف يحسبها "حزب الله"؟
توفّر لنا الكلمة الأخيرة لأمينه العام حسن نصر الله في ذكرى التحرير مادة غنيّة بلا شك للتعرّف الى العقلية التي تحكم طريقة وصف هذا الحزب لدوافعه وقدراته، وما يرعبه وما يثق به، والكيفية التي من خلالها يبرّر ويسوّق أفعاله.
الشرط الأول للاستفادة التحليلية من هذه المادة السياسية - الدعائية هو الانتباه الى انّ نصر الله لا ينظر الى نفسه كما ينظر اليه أخصامه. سيقال ان هذا أمرٌ بديهيّ، لكنه ليس بديهياً تماماً، ولا بدّ من التذكير بأن نصر الله يتعامل جديّاً مع معركة القصير على انها تأتي كاستمرارية لمعركة مارون الراس، ولا يعاني أبداً لا هو، ولا أي فرد من جهازه الحزبي، من التمزّق الوجدانيّ بين "المعركة الصائبة"" أو "المشتهاة" في مارون الراس، وبين "المعركة الخاطئة" أو على الأقل "الاضطرارية" في القصير. 
منطقه بسيط: ثمة مؤامرة لإبادتي - سأرد عليها بتحطيم المتآمرين. أما الحلقة المفرغة التي يدور فيها هكذا منطق: كلما انتصرت اتسع نطاق التآمر واشتد التصميم على الابادة، اذاً لا مناص من ان احقّق نصراً تلو نصر. بعد حرب تموز، تحدّث نصر الله عن سفن كانت تتحضّر لإجلاء الشيعة عن لبنان في حال خسارتهم الحرب. لم يدعم ذلك بسند أو دليل، بل صوّر افتقاده للسند على انه من باب التصبّر والتعالي. وفي كلمته الأخيرة كان تحذيره الرؤيوي من "ضياع" كل شيء اذا سقط نظام بشار الأسد، "ضياع المقاومة وضياع فلسطين". وعلى الرغم من القالب الدرامي الذي يستعيد المؤثرات الدينية وهو يأتي بهذه "الرؤيا" (الأبوكاليبس)، الا انها تمثّل بالنسبة الى خطاب الحزب الالهي بعضاً من نفاذ الفكر الالحادي اليه. فلماذا سيضيع كل شيء اذا سقط بشار الاسد يا سيد حسن؟ أليس "للبيت" من "ربّ يحميه"؟ هذه اللحظة الالحادية في خطاب السيّد تغطي ما قبلها وما بعدها من وعد بتكرار النصر الالهي!
لكن المثير هو ان يترافق هذا المنحى الرؤيوي مع "عرض تجاريّ": "لنتقاتل في سوريا، ولنتسالم في لبنان". في فرنسا الثلاثينيات أيضاً، كان اليساريون يلتحقون بالجمهوريين الاسبان، واليمينيون المتطرفون يتطوّعون في صفوف الفاشيين الاسبان (طبعاً توصيف حركة ثم نظام فرانكو بالفاشي تعوزه الدقة)، فما المشكلة من اقتباس هذا النموذج لـ"تحييد" لبنان؟ يمكن حتى التفاهم على الطرق التي يسلكها مجاهدو الحزب وتلك التي يسلكها مجاهدو الثورة. العرض تجاري تماماً لكن فيه محاكاة للمنازلة بين الأرستوقراطيين: يتفقون على الزمان والمكان المحدّد ويلتزمون بطقوس النزال وفنونه. والحق ان هذا العرض كان سيكون لا بأس به لولا انه يعطي الحق للسوريين أيضاً من أن يتداعوا الى شيء من هذا القبيل "لنتقاتل في سوريا، ولنتقاتل في لبنان الشقيق أيضاً". كيف لم يحسبها نصر الله هنا؟
لكنه لم يكتف بذلك، فمن ضمن جهده البلاغي لتسويق العرض، قال انه قد يكون لنا مقاربة للواجب (الجهادي) تختلف عن مقاربتكم للواجب (الجهادي). بالتالي، وبما ان الحزب غير تكفيري فهو يتيح لكل فرقة ان تمارس الواجب الجهادي كما هي تعرّفه، ولو كان بنهش لحم الآخر، أو مضغه، انما في المكان الذي يحدّده "حزب الله"، في ساحة "الممارسات الجهادية المتحاربة". والحقّ يقال هل كانت الفتنة المذهبية غير ذلك في تاريخ المسلمين؟
"لن تفهموا جمهور المقاومة"، و"لسنا بحاجة الى ان نعلن الجهاد"، كلمات وشعارات أتى بها السيد. تكفي مقابلتها مع "خطبة الجهاد" للامام علي بن أبي طالب عليه السلام لتبيان كم انّها تشبه شيئاً آخر. فنصر الله يقول ما معناه: أنا سأكفر بكل شيء اذا سقط بشار الأسد، لكن جماعتي الهية، خاف عليكم سرّها، وهي أكبر من اعلان الجهاد، ولا تحتاج لاستجماع شرائطه. 
لقد استثمر السيد واعلام حزبه كثيراً في الصور البشعة الواردة من سوريا حول مقاتل أكل قلب جندي أسديّ. الاستثمار كان على طريقة المستعمرين الأوروبيين: آكل لحم البشر دليل ساطع على الهمجية. فاتهم ان واقعة "أكل القلب" الباعثة على الاشمئزاز، تنسف بحدّ ذاتها كل تفسير للثورة السورية على انها مؤامرة امبريالية صهيونية تكفيرية مشتركة. أي مؤامرة هذه التي تجعل انساناً يأكل لحم عدوّه نيئاً أمام الكاميرا؟ هذه لحظة سابقة بالضرورة على أي مؤامرة.
تبنى الممانع الخطاب الكولونيالي بحذافيره: آكل لحم البشر همجي - اذاً الثورة السورية همجية - اذاً حلال سفك دماء السوريين. 
في المقابل، لم يجد الليبرالي النمطي ما يقله في هذا الصدد سوى ان هذا الفعل لا يجوز وهو يشوّه وجه الثورة. كلام الليبرالي النمطي هنا صائب لكنه ليس كافياً، ولا يروي من عطش. لا يقول لنا لماذا قتل الأسديون عشرات الآلاف ومثلوا بالكثير من الجثث مكتفين بكي الأجساد وشوائها دون مضغها نيئة، في حين حدث هذا الفعل في صف الثورة السورية (وقبلها في الثورتين الفرنسية والروسية). 
شكّل مبحث الكانيبالية (أكل البشر لحم البشر) مبحثاً أساسياً لعلم الاناسة (الانثروبولوجيا). عمدة هذا العلم في القرن الماضي، كلود ليفي شتراوس أفرد له الشيء الكثير، وما يحصل في سوريا، وتحديداً هذه الواقعة الفظيعة تنادي المقاربة الانثروبولوجية وليس الاستعادة الخمينية لخطاب المستعمر الأوروبي (في اطار الاسلاموفوبيا المدوّرة مذهبياً). في كتابه "العرق والتاريخ" يفاصل ليفي شتراوس بين الغازي الاسباني وبين الساكن الاصلي في جزر الانتيل. الهاجس الاساسي الذي يدفع الاسباني الى الاستقواء والعدوانية هو التشكيك بأن لهذا "البدائي" روحاً تتوب الى باريها، وتحاسب على أفعالها. انشغل اللاهوتيون الكاثوليك بهذا لمرحلة غير قليلة. في المقابل، لم يشكّك "البدائي" بأن للغازي روحاً، شكّك بأنّ له جسداً طبيعياً، جسد يموت ويتحلّل مثل بقية الأجساد. كان يريد أن يأكل اللحم ليعرف من الغازي، ما طبيعة جسده، وهل هو جسد الهيّ أم جسد انسان.
ليس من الضرورة اسقاط هذا المثال - كما هو - على الحالة التي تعنينا. يكفي التأمل فيه لبرهة. بعض من خشوع.
وسام سعادة

أخبار ذات صلة

إعلانات

إعلانات متنوعة

صيدا نت على الفايسبوك

الوكالة الوطنية للاعلام

انقر على الزر أدناه لزيارة موقع وكالة الأنباء الوطنية:

زيارة الموقع الإلكتروني

تابعنا