نظرة إلى طبيعة علاقة حزب الله بالقوى المؤيدة له
التصنيف: سياسة
2013-05-28 04:48 ص 707
فادي شامية
سلطت الأحداث المتلاحقة في صيدا أخيراً الضوء على طبيعة العلاقة التي تربط "حزب الله" بالقوى التابعة له. قد يكون مفهوماً أن يستتبع الحزب التافهين والطارئين وذوي الأوزان السياسية الخفيفة، فيرتهنهم بالكامل، لكن أن يصل الأمر إلى أحزاب ذات جذور وتاريخ عريق، كحال "التنظيم الشعبي الناصري" في صيدا، فالأمر يدعو للتبصر من زاويتين؛ طبيعة علاقة الحزب بالقوى التي تؤيده، ووسائل الحزب للوصول إلى النتيجة التي يريدها.
على اثر الصدمة التي أحدثها مقتل شاب صيداوي في سوريا، سبق أن تشيع وانتمى إلى "حزب الله"، وقاتل في صفوفه في القصير؛ تحرك شبان غاضبون لمنع دفنه في مقابر أهل السنة. وبما أن الغالبية الساحقة من أهالي صيدا تعتبر من يقاتل السوريين في القصير مجرماً، فقد ثارت ثائرة الشباب قبل قياداتها، فنزلوا إلى الشارع تعبيراً عن غضبهم. وحده "التنظيم الناصري" من بين من يُحسب لهم وزن، لم يتفهم هذا الغضب، بل حاول خداع الناس بإصداره بياناً؛ استنكر فيه "قطع طريق المقبرة لمنع دفن جثمان الشهيد صالح الصباغ فيها، علماً بأن الشهيد سقط خلال دورة تدريب في معسكر للمقاومة الإسلامية"، مع أن المعلوم أن الصباغ قُتل في سوريا؛ أهله ومشيعوه والناس جميعاً يعرفون ذلك، وقد صرحوا به وهتفوا في تشييعه: "يا زينب: لن تُسبى مرتين"! (22/5/2013).
لم يقتصر الأمر على ذلك؛ فبعد يومين (24/5/2013) احتفل "التنظيم الناصري" في ذكرى التحرير، فضم إلى افتخاره بشهداء المقاومة اسم صالح الصباغ نفسه، واصفاً الغيارى على دماء وأعراض أهلهم في سوريا بـ"الشلة الضالة"!.
وبقدر ما كانت هذه الواقعة فجة؛ بقدر ما بيّنت طبيعة العلاقة التي يرسمها "حزب الله" للقوى التي تؤيده؛ استتباع كامل إلى درجة الارتهان، ليس لأن موقف "الناصري" في هذا الموضوع جاء نسخة عن موقف "حزب الله" فقط، بل لأن "التنظيم الناصري" لم يُصدر منذ مدة طويلة جداً موقفاً واحداً يخالف رؤية "حزب الله" في أي خيار سياسي أساسي ينتهجه، ولو كان خياراً انتحارياً كما هي حال تورطه بالدم السوري. معنى ذلك أن الناصرية القديمة كما كان يعرفها آباؤنا وأجدادنا- لم تعد متجسدة في الحزب الذي أسسه الشهيد معروف سعد، وإنما تحوّل هذا التنظيم إلى مجرد قناع محلي بصبغة قومية لمشروع غير وطني ولا علاقة له بالقومية العربية.
هذا ما يفسر ابتعاد "التنظيم الناصري" عن الشعور الجمعي لأبناء صيدا، ابتعاداً لم يسبق أن حصل من قبل، إذ الواقع أن هذا التنظيم بات في نظر غالبية الصيداويين قناعاً لصالح "حزب الله"؛ بلا مشروع سياسي، وطروح فكرية، وبلا هامش يفصله عن الحزب المذكور، لدرجة أنه لم يتفهم غضبة الناس في صيدا بسبب تشييع من يقتُل أهلهم في سوريا، ولم ينتبه إلى أن لبنان تحول بلداً غازياً لأول مرة في تاريخه بسبب حزب يدعي وصلاً بالله، تماماً كما لم يفهم غضبة الصيداويين من قبل عندما اعتدى الحزب إياه عليهم في 9 أيار 2008، فحاول "التنظيم الناصري" استنساخ التجربة بدعوى رفضه لممارسات الشيخ أحمد الأسير في 27 تموز 2012، واعتدى على الناس وممتلكاتهم وقطع أواصر المدينة بالدواليب المحروقة وسلاحه المنشور.
إن القراءة الإجمالية لمواقف "التنظيم الناصري" السابقة تؤكد أن الحزب والتنظيم باتا شيئاً واحداً عملياً، وعلى سبيل المثال لا الحصر: لم يستنكر التنظيم أي اعتداء أو إطلاق نار تعرض له مسجد بلال بن رباح من قبل شبيحة الحزب في صيدا، بما في ذلك الاعتداء الأخير، رغم استنكارهم أي خطوة يقوم بها "الأسيريون" بالمقابل. لم يستنكر خطف وضرب شاب صيداوي على خلفية مذهبية فجة (من آل الديماسي في 18/3/2012). كما لم يأبه لوجود مطلوبين بجريمة قتل ما زالوا طلقاء ويترددون على مجمع الزهراء في المدينة، مقابل مطالبته "رئيس الجمهورية بوضع حد للعبث بأمن صيدا وأمن الجنوب ولبنان" على خلفية الدعوة الى الاعتصام أمام المجمع المذكور (وهو أشبه بثكنة عسكرية) من أجل تسليم المطلوبين.
ولا يقتصر الأمر على الشأن الصيداوي، فالتطابق يشمل المواقف الإقليمية أيضاً؛ لا يوجد ثورة في سوريا ـ استنكار ما يستنكره الحزب من أحداث وإهمال ما يهمله. تحويل المناسبات الوطنية (ذكرى استشهاد معروف سعد مثلاً) إلى مناسبات لدعم النظام السوري. مهاجمة المملكة العربية السعودية وقطر على التوقيت الذي يريده الحزب. توصيف ما يريده الحزب على هواه للدرجة التي وصل معها الأمر إلى وصف أحداث البحرين بـ"ثورة سلمية ذات أبعاد وطنية وعروبية" (توصيف الحراك في البحرين بالثورة يمكن المناقشة فيه، أما أن لهذه "الثورة" أبعاداً وطنية وعروبية، وهي المرتبطة بإيران حتى النخاع، فالأمر مدعاة لاستغراب كبير!).... وقس على ذلك!.
الشق الثاني في الموضوع هو التجويف الداخلي الذي تعرّض له "التنظيم الناصري" حتى أصبح ملحقاً إلى هذه الدرجة بـ "حزب الله". الأمر لا يقتصر على دعمه بالمال والسلاح، حاله كحال القوى التابعة الأخرى فحسب، وإنما تعظيم دور قيادات معينة فيه؛ غير صيداوية، وعلى ارتباط وثيق بالحزب، وتتبع المذهب الديني للحزب نفسه، وإن بصبغة قومية أو يسارية. هذه القيادات أصبحت هي المخ القيادي في التنظيم تحت ظلال الزعامة التاريخية لآل سعد، وإليها يعود الفضل في غياب المشروع السياسي المستقل للتنظيم الصيداوي العريق.
وكترجمة لهذا الواقع؛ لم يعد "التنظيم الناصري" يعكس التنوع الصيداوي على حقيقته، بقدر ما بات يضم غالبية من شيعة المدينة؛ ممن له انتماء مزدوج؛ "حزب الله" كعقيدة دينية وطروح سياسية رئيسة، و"التنظيم الناصري" كارتباط مناطقي... وفي الخيارات الكبرى فإن الموقف يحدده الانتماء الأول. يظهر هذا الأمر بوضوح في الشعارات والصور والرموز التي يحملها هؤلاء وهي مشتركة ما بين الحزب والتنظيم (صور نصر الله والعلم الناصري على سبيل المثال لا الحصر).
ليس ذلك فحسب؛ فقد كشفت الاشتباكات التي وقعت مطلع العام الجاري وفي آذار الماضي منه، حجم اختراق الحزب للتنظيم بعناصر مسلحة تحت اسم "سرايا المقاومة". شكّلت هذه الأحداث لحظة تأمل حقيقية لمؤيدي "التنظيم الناصري" ومعارضيه؛ بعدما تبين بالملموس أن "حزب الله" سحب عناصر من "الناصري" لصالح "السرايا"، وبعدما تحولت العلاقة بين هذه العناصر المسحوبة والرفاق السابقين إلى اشتباكات مسلحة؛ روّعت المدينة في ثلاث مناسبات متتالية؛ 1/1/2013- 3/1/2013 (أدت إلى مقتل عنصر من "سرايا المقاومة" وجرح عنصرين من "التنظيم")- 27/3/2013، ومع فداحة هذا الأمر، فقد "عولج" بعتاب وتفاهم لم يغير من الواقع القائم شيئاً.
بناءً على التفصيل الذي سبق؛ فإن مشكلة الغالبية الصيداوية اليوم مع زعامة آل سعد التاريخية ليست في الاختلافات الفكرية؛ ما بين "عروبية تقدمية" و"رجعية ظلامية" (وفق أدبيات التنظيم الناصري)، ولا الخلافات السياسية؛ ما بين "خط المقاومة" في مواجهة "قوى الهيمنة الأميركية" (وفق توصيفات "التنظيم الناصري" أيضاً)، ولا في النعوت الحادة التي يطلقها الأمين العام للتنظيم أسامة سعد بوجه خصومه الإسلاميين وغير الإسلاميين في المدينة... إذ لطالما اعتُبر هذا الواقع جزءاً من التنوع الصيداوي، وغنى له (مع التحفظ عن الحدة فيه)، ولكن المشكلة الحقيقية التي يعانيها "التنظيم الناصري" نفسه، كما خصومه، أن التنظيم بحد ذاته لم يعد موجوداً، أو على الأقل أن الناس لم تعد تراه إلا صورة؛ مسَخَها "حزب الله" على قياس مشروعه!
أخبار ذات صلة
رويترز: الحرس الثوري يشكل خلايا سرية في العراق لاستهداف دول خليجية
2026-06-19 04:01 م 63
بهية الحريري تستكمل جولتها على فاعليات صيدا الروحية بلقاء مع المطران مارون العمار
2026-06-19 01:34 م 82
حزب يطالب باستبدال هذين الوزيرين
2026-06-19 08:46 ص 94
فرنجية حول العقوبات الأميركية: لا تعنينا ولا تهمنا
2026-06-19 08:42 ص 106
جعجع: التفاهم الأميركي–الإيراني "مسرحية"
2026-06-19 08:40 ص 67
فانس ينتقد المعارضين في إسرائيل لمذكرة التفاهم مع إيران
2026-06-19 04:51 ص 76
إعلانات
إعلانات متنوعة
صيدا نت على الفايسبوك
الوكالة الوطنية للاعلام
انقر على الزر أدناه لزيارة موقع وكالة الأنباء الوطنية:
زيارة الموقع الإلكترونيتابعنا
اجتماع المجلس البلدي في صيدا: ما الذي تغيّر؟
2026-06-18 05:10 ص
زيارة هلال حبلي لمحمد السعودي... قراءة في واقع صيدا وتحديات المرحلة
2026-06-10 06:03 م
لقاء بلدية صيدا: لاول مره ينجح اللقاء السياسي في القرارت والعبرة في التنفيذ
2026-06-10 05:05 ص
رسالة إلى جمهور الثنائي الشيعي ال يتظاهرون في لبنان
2026-06-09 04:59 ص
جوزاف عون انت بطل و لبنان يلتقط أنفاسه بعد إعلان الهدنة
2026-06-04 10:05 ص
هل تشهد صيدا مظاهر عاشورائية في مراكز الإيواء أم تبقى ضمن الحسينيات؟
2026-06-04 04:33 ص
صيدا مدينة الكفاءات… وهشام حشيشو في موقع رسمي بالدولة

