×

الابتلاء للمؤمن نعمة -كتبه: مفتي صيدا وأقضيتها الشيخ أحمد محي الدين نصار

التصنيف: سياسة

2013-06-10  10:40 م  431

 

قال الله تعالى )ألم، أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ(، وقال رسول الله r (إنّ عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط). فمن السنن الكونية وقوع البلاء على المخلوقين اختباراً لهم، وتمحيصاً لذنوبهم، وتمييزاً بين الصادق والكاذب منهم، ورفعة في الدرجات للصادق الصابر، وحجة على الكاذب المتخاذل.
وإنّ أكمل الناس إيمانا أشدُّهم ابتلاء لقوله r (أشدُّ الناس بلاء الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل، يُبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلباً اشتد به بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتلي على قدر دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة)، والمؤمن كل أمره خير فهو في نعمة وعافية في جميع أحواله لقوله r (عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن: إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له).

والبلاء له صور كثيرة؛ فقد يكون البلاء في الأهل والولد؛ مرضاً أو موتاً أو عقوقاً. وقد يكون في المال؛ قلةً أو طغياناً. وقد يكون في الدين؛ في التزام المسلم وأخلاقه، أو منهجه ونبراسه، أو في عقيدته ومعاملاته، أو في جهاده ورباطه. وإن أعظم ما يبتلى به العبد في دينه، وكل الابتلاءات تعود إليه، فالدين هو الحاكم في كل تصرفات المسلم والتزاماته وعلاقاته وسلوكه. وقد جُمع للنبي r كثير من أنواع البلاء فابتلى في أهله وماله وولده ودينه، ماتت الزوجة ومات الولد في حياته r، وحوصر عليه الصلاة والسلام اقتصاديا في غالب مراحل الدعوة، وسبّ وأهين وضرب وافتري عليه وتعرض للتهديد ولعدد من محاولات الاغتيال، فصبر r واحتسب وأحسن الظن بربه ورضي بحكمه وامتثل الشرع ولم يتجاوز حدوده فصار بحق قدوة يحتذي به لكل مبتلى )لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا(.

وهناك لطائف إذا تأملها العبد هان عليه البلاء وصبر وآثر العاقبة الحسنة وأبصر الوعد والثواب الجزيل، منها أن البلاء أمر مكتوب لا محيد عن وقوعه، فعليه التكيّف مع هذا الظرف والتعامل بما يتناسب معه. وأن يعلم أن كثيراً من الخلق مبتلى كل بحسبه ولا يكاد يسلم أحد، ومن نظر في مصيبة غيره هانت عليه مصيبته، وأنّ مع العسر يسرى. وأن يحسن الظنّ بالله تعالى التزاما بقوله سبحانه )وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ(. وأنّ الله تعالى قد فتح له باباً عظيماً من أبواب العبادة من الصبر والرجاء وانتظار الفرج والخشوع والدعاء. وأنّ الله تعالى أراد أن يرفع منزلته ويكون هذا العمل من أرجى أعماله في دخول الجنة. وأنّه قد يكون غافلاً عن ذكر الله مفرطاً في جنب الله مغتراً بزخرف الدنيا، فأراد الله قصره عن ذلك وإيقاظه من غفلته ورجوعه إلى الرشد.

فإذا استشعر العبد هذه المعاني انقلب البلاء في حقه إلى نعمة ولذة في العبادة والمناجاة وقوة الاتصال بالله ربّ الأرباب، وغيرها من مقامات العبادة ما تعجز العبارة عن وصفه. فالمرء لا يكون فقيها كامل الفقه حتى يَعدّ البلاء نعمة ويَعدّ الرخاء مصيبة، لقوله r (يود أهل العافية يوم القيامة حين يعطى أهل البلاء الثواب لو أن جلودهم كانت قرضت في الدنيا بالمقارض). وقد قال بعض الصالحين: "لا تكرهوا البلايا الواقعة، والنقمات الحادثة، فَلَرُبَّ أمرٍ تكرهه فيه نجاتك، ولَرُبَّ أمرٍ تؤثره فيه عطبك".

وللابتلاء حكم كثيرة، منها؛ تحقيق العبودية لله رب العالمين، وتربية الرجال وإعدادهم إيمانياً للتمكين في الأرض، والابتلاء فرصة للتفكير في عيوب النفس وأخطاء المرحلة الماضية، والابتلاء يخرج العجب من النفوس ويجعلها أقرب إلى الله، كما ويظهر حقائق الناس ومعادنهم، فالإنسان يميز بين الأصدقاء الحقيقيين وأصدقاء المصلحة. والابتلاء يكشف حقيقة الدنيا وزيفها وأنّها متاع الغرور، ويذكرك بفضل الله ونعمه، كما ويجعلك في شوق إلى لقائه سبحانه وإلى جنته.

ما أجمل تلك اللحظات التي يفر فيها العبد إلى ربه ويعلم أنّه وحده سبحانه هو مفرّج الكروب، وما أعظم الفرحة إذا نزل الفرج بعد الشدة، وقد قال تعالى )وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ، الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُهْتَدُونَ(. ورسول الله r يقول (ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمره الله: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيراً منها، إلا أخلف الله له خيراً منها). أسأل الله لي ولكم الصبر والثبات والسداد، والحمد لله رب العالمين.
 

أخبار ذات صلة

إعلانات

إعلانات متنوعة

صيدا نت على الفايسبوك

الوكالة الوطنية للاعلام

انقر على الزر أدناه لزيارة موقع وكالة الأنباء الوطنية:

زيارة الموقع الإلكتروني

تابعنا