ليلة القبض على.. القصير
التصنيف: سياسة
2013-06-17 04:22 ص 636
انتظروا بوجوم الدقائق الأولى لآخر ثلاثاء (4/6) لهم في القصير. ألقوا على ديارهم المدمرة وأرضهم الطاهرة نظرة الرحيل. لبسوا سواد الليل، واستمعوا إلى وشوشات الظلام، وحملوا أنفسهم فوق أرجلهم قبل أن يبدأ المسير العجيب.
انطلقوا؛ الوجوه تتوامض كابتسامات الفائزين، والعيون تتلألأ بدموع المكلومين. ألف وثلاثماية جريح من أصل ستة آلاف مقاتل كسروا إرادة قتال ثوار القصير. مصيرهم مع النساء والأطفال والعُجز حدد مسؤولية الأحياء. حماية أعراضهم من وحوش البشر رسم طريق القوافل المثقلة بالخطوب.
قبل ليلة من الرحيل الكبير؛ اجتمع قادة الكتائب؛ تجاذبوا التردد وتبادلوا الآراء، ثم قرروا ادخار أنفسهم لمعارك التحرير الآتية. تجرعوا مرارة خروج عدوهم من طور الإنسانية؛ كلما دمر المشافي وخزانات الماء والبنية التحتية، ثم لم يخجل من رفض الممرات الإنسانية.
كانت أنات الجرحى أعلى من أي صوت مصمم على قتال الرمق الأخير. لم يحملوا إلا ما تحملته أيديهم. ساروا؛ الصحيح يحمل السقيم، والمتين يعين العجوز، والأطفال يتعلقون بأمهاتهم. آلياتهم وسلاحهم المتوسط تركوه؛ حملوا ما خف منه. في الطريق لم تسلم العقول من هجمات الأفكار الهوجاء، تخاطبهم؛ لا تنقصكم شجاعة القتال، ولا الموت يجزعكم، وبين أيديكم سلاح يكفيكم أياماً أُخر، ولا تأمنون غدر عدوكم. تتربع رعونة الأفكار قليلاً في العقول، ثم يزول سلطانها عندما ينظرون إلى براءة الأطفال معهم.
خطواتهم كانت تراقبها طائرات صغيرة بدون طيار تتبع ذلك الحزب الذي كرهوا سماع اسمه؛ فحرّفوا لفظه. قلة منهم بقيت في الجبهات لقتال التأخير. الكثرة الباقية كانت في وادي حسية، نحو البويضة وبساتين الحسينية تخط المسير.
لم يكد التعب يتسلل إليهم حتى شعروا بحرارة النار تلفهم. ارتكسوا إلى الأرض بلا مقاومة لئلا ينكشفوا أجمعين، لكن فجعات النساء كانت أعلى من أزيز الرصاص. تقدمت ثلة منهم فأوقفت بأرواحها المجزرة. قتلت وقُتلت، وأحاط باقي المسلحين بالعوائل لحمايتهم.
هنالك استشهدت أم عمار وصهرها وجُرحت ابنتها. هنالك بكى الناس مسعفة الثورة السورية؛ من أحيا الله على يديها أرواحاً لم يأت أجلها، ومن فاضت تحت رعايتها أرواحاً انتهى عمرها؛ لعلها في لحظة تذكرت مئات الذين انزوى الموت عنهم بسببها، فنطقت الشهادتين وابتسمت. ابنتها المصابة صرخت: "وينك يا ماما ما تتركيني خذيني معك". ماجت الأرض بأصوات التكبير: "أللهم تقبلها شهيدة يا الله". قاسم الزين طبيب القصير كان بجانبها؛ عاين لوعة الموت كما لم ينظر إليه من قبل، وشاهد روعة الشهادة كما لم يرها البتة.
على وقع الجراح واصلوا المسير. تعاهدوا أن يقتل الحر منهم الأسير إن وقع سلاحه، كي لا يتلذذ المجرمون بقتله ألف مرة قبل أن يتركوا للروح أن تعود إلى ربها بسلام... توالت الساعات وتثاقلت الخطى. من كان يحمل جثة قريب تركها. ومن صار جثة غطوا بالحجارة جثمانه. من جاع تقاسم الرغيف مع أخوانه ومن جُرح لعق دمه وتجاسر على كسور ضلوعه ومضى.
في اليوم التالي لم تعد الأرجل قادرة على حمل أي شيء غير الأجساد وبعضٍ من سلاح. شربوا قطرات الندى من راحات الورق الأخضر. أكلوا اللوز وأوراقه، والبطاطا النيئة في الحقول. أخفوا جراحهم المتعفنة عن ناظريهم. أصموا آذانهم عن بكاء أطفالهم... وأصمتوا أفواههم التي لم تعد تحسن الكلام.
في طريق جهنم رأوا كل شيء؛ الجثث الممددة، والأطراف المقطعة والدواب النافق... وانسلاخ أرواحهم عن التراب الذي عشقوه. لم يكن لهم رفيق أقرب من الموت؛ كانوا يسمعون أنفاسه في أنفاسهم، ونبض حياته في دبيب أقدامهم... ألفوه حتى تمنى كثيرون منهم معانقته.
ثم تكرر المشهد؛ شاركت المدفعية والدبابات في المرة الثانية، وتحولت قبسات الفجر خطوطاً من دماء، وتوزع الناس أرجاء أرضهم الحنون. اندسوا في ثراها. عشرات لازموا حضنها إلى الأبد، ومن حملته رجلاه صرخ قبل المسير: "يا الله يا الله ما إلنا غيرك يا الله". استحالت أصداء التكبير قوة جعلتهم يتلقفون الرصاص بصدورهم. عشرات أُخر بنوا الجسر الأخير لعبور بقيتهم الفتحة من قلب جهنم.
تعاقب الليل والنهار مرات وما زال- على كل دفعة قبل أن تصل مأمنها في جبل القلمون أو ريف دمشق أو وادي عرسال. كثيرون لم يصلوا بعد؛ الله وحده يعلم حالهم. الناجون لم ينتبهوا إلى تغيّر أشكالهم؛ الذين رأوهم كانوا مرآتهم التي وصفت الوجوه والأجسام العفرة. الباقون لم تسمح لهم غريزة الحياة أن يتفقدوا بعضهم؛ فلما جلسوا بكت العيون فراق الأهل والرفاق. لكل ناجٍ لوعة، ولكل أسرة قصة تروى؛ إلا لوعة أم أضاع الجزع شطراً من أولادها في براري التيه؛ كلما نظرت في عيون من أنقذتهم تذكرت من سهت عنهم، وكلما تلوعت جزعاً عليهم، كتبت بدموعها قصةً لا تدركها الحروف.
قصة القصير ليست كابوساً لم تشهد الحياة أحداثه. مأساة القصير حقيقة ستروي الأجيال فظاعتها! كثيرون في الأمة ألبسهم الخداع ثوب الظلم من دون أن يكتشفوا اسوداده؛ فتن نفوسهم، وسلب عقولهم، ولوى تفكيرهم... حتى القصير تفضح كل شيء.
في عرسال وبين جبال القلمون. في الغوطة وفي قلب دمشق، وحيثما يقف قُصيري؛ يقسم بالله أنه سيلبي نداء الأرض وأبنائها. من يستمع يدرك مقدار العزيمة، ومن يرى يوقن أن الله سينتقم بأيدي هؤلاء من ظالميهم؛ بالحتم لا بالشك ولا بالترجيح.
أخبار ذات صلة
صدمة في إسرائيل بعد هجوم فانس.. و"رسالة لنتنياهو"
2026-06-20 04:47 ص 90
الأمير محمد بن سلمان يؤكد تطلع السعودية للوصول إلى اتفاق دائم بين أميركا وإيران
2026-06-20 04:45 ص 53
أميركا: محادثات إسرائيل ولبنان ستعقد بواشنطن الأسبوع المقبل
2026-06-20 04:43 ص 63
فانس: لا حاجة لوجود عسكري في هرمز.. وإسرائيل تحاول التأثير في سياستنا
2026-06-20 04:42 ص 52
رويترز: الحرس الثوري يشكل خلايا سرية في العراق لاستهداف دول خليجية
2026-06-19 04:01 م 88
إعلانات
إعلانات متنوعة
صيدا نت على الفايسبوك
الوكالة الوطنية للاعلام
انقر على الزر أدناه لزيارة موقع وكالة الأنباء الوطنية:
زيارة الموقع الإلكترونيتابعنا
اجتماع المجلس البلدي في صيدا: ما الذي تغيّر؟
2026-06-18 05:10 ص
زيارة هلال حبلي لمحمد السعودي... قراءة في واقع صيدا وتحديات المرحلة
2026-06-10 06:03 م
لقاء بلدية صيدا: لاول مره ينجح اللقاء السياسي في القرارت والعبرة في التنفيذ
2026-06-10 05:05 ص
رسالة إلى جمهور الثنائي الشيعي ال يتظاهرون في لبنان
2026-06-09 04:59 ص
جوزاف عون انت بطل و لبنان يلتقط أنفاسه بعد إعلان الهدنة
2026-06-04 10:05 ص
هل تشهد صيدا مظاهر عاشورائية في مراكز الإيواء أم تبقى ضمن الحسينيات؟

