×

صيدا تستعيد حركة خجولة وتأمل قيام دولة

التصنيف: سياسة

2013-06-27  04:20 ص  593

 

سوسن أبوظهر

انقشع غبار المعركة وتنفس الصيداويون الصعداء. لكن ملابسات ما جرى غير واضحة بعد، والنار لا تزال تحت الرماد. صحيح أن الحياة الطبيعية تعود بخجل، إلا أن عبرا تبقى في ذهول. والنفوس التي تراقب الجيش يواصل عمليته في المربع الأمني لمسجد بلال بن رباح تنتظر إجابات عن تساؤلات كثيرة وتطلب مد القبضة الأمنية على كل سلاح.

صيدا قبيل العاشرة صباحاً. المقاهي على الكورنيش البحري تفتقد الرواد. بضعة أشخاص يستمتعون بوجبة فول. وقربهم رجال يدخنون النرجيلة. جاء علي أحمد علي خليفة من الغازية للاطمئنان الى "أصدقاء العمر"، مع أنه توقف عن شراء حاجاته من صيدا، "بوابة الجنوب"، بعد "تمادي" الشيخ أحمد الأسير. وأضاف :"من ساعده في الفرار، كائناً من كان، تجب محاكمته. وأناشد قيادة الجيش إعدامه و(المطرب السابق) فضل شاكر في ساحة النجمة في صيدا ليكون عبرة لسواه. أما الجيش فهو للناس جميعاً، وليس بحاجة الى "حزب الله" و"سرايا المقاومة" ليقاتلا عنه".
ويعقب المؤهل أول المتقاعد أحمد أن "الشعب الذي يقتل عناصر جيشه لا يستحق وطناً. يُرعبني الكلام الطائفي على الجيش. سقط للمؤسسة العسكرية شهيد علوي من الطائفة التي يقاتلونها في طرابلس". لا تُعجب الإشادة بالجيش شخصاً كان يسترق السمع فيقول: "إن شاء الله "تولع" من جديد. الأسير بطل"، ثم يتوارى.
ويشكو الصيادون ضيق الحال، ويدعو السبعيني حسين القُرص الله ليحمي الجيش و"أرزة لبنان".
وليست أوضاع النجارين أفضل. يقول عاصف الإمام: "نحن مع الجيش، وإن وقعت أخطاء. لا نريد الاقتتال الداخلي كما في سوريا. الدماء لا تزال على الأرض، فلماذا الاستفزازات؟ لماذا رُفعت رايات "حزب الله" في شقق عبرا؟ ماذا لو ردت خلايا نائمة تناصر الأسير وتجددت المواجهات؟ المطلوب قيام دولة قوية لا يعلو سلاح فوقها، حتى لو كان لـ"حزب الله"". ويحدثنا عن جارة له قتلت أثناء الفرار من عبرا تحت القنص، وعن رجل قدِم من السعودية في إجازة ليقضي على الطريق. وقبالة القلعة البحرية تقف امرأة عجوز تستعجل العودة إلى برجا للتعزية بـ"جارنا الجيشي الشاب الذي قتلوه في عبرا".

حركة تجارية خفيفة
نغادر إلى ساحة الشهداء، ومنها إلى شارع رياض الصلح الرئيسي في المدينة. المتاجر فتحت أبوابها، ولكن لا حركة لمبيع وشراء. والمارة يحملون ربطات الخبز وأكياس المواد الغذائية.
قال لنا تاجر إن "أشغالنا متعطلة منذ عامين، وازدادت سوءاً حين نفذ الأسير اعتصامه (في الأوتوستراد الشرقي العام الماضي)".
الزحمة أقل من المعتاد عند دوار النجمة. وفي السوق المعروف بـ"البلد" يجلس أصحاب المتاجر خارجها، فالكهرباء مقطوعة، والمولدات تقنن التغذية بالتيار، ولا زبائن. وهاتان المرأتان في متجر المصوغات الذهبية دخلتا لبيع ما لديهما لا للشراء.
يشكو تاجر ألعاب: "تسبب الأسير بخراب بيوتنا. من أين لي دفع الإيجار الشهري ورواتب العاملين. بسببه صار أبناء الجنوب يتفادون الشراء من هنا خشية إهانتهم وتعرضهم للسباب". ويضيف: "أنا سني ولا يهمني إن كان "حزب الله" ساعدَ الجيش لإنهاء هذه الظاهرة. سمعتُ كلاماً من متعاطفين معه أنه بطل مظلوم، ما هذا الهراء؟ إنهم متعصبون ولا مجال لمناقشتهم".
يعد عامل أسياخ الشاورما ويسأل زميله عن شائعة ترددت صباحاً عن مهاجمة حاجز للجيش في عبرا. أنباء تتردد هنا وهناك وتشيع القلق. البعض يعددون أسماء من قتلوا من أنصار الأسير، ويتساءلون هل بينهم لاعب قدم شهير. وترددت أصوات تطلب اعتبارهم شهداء و"إكرامهم بدفنهم في مكان واحد". غير أنهم سيوارون تباعاً، بهدوء، ودُفن أمس أحمد الحريري، مؤذن مسجد بلال بن رباح.

ترقب في "عين الحلوة"
أجواء الشائعات نجدها أيضاً في مخيم عين الحلوة. يتلقى شبان فيه اتصالات هاتفية تسألهم عن مواجهات بين الفصائل فيه، وأخرى تبلغهم عن توتر في ساحة النجمة ننفيه لهم.
هنا التعاطف مع الأسير ليس خفياً، ولكن لا انتقاد للجيش. يقول أحد أنصار حركة "فتح": "فلنسم الأمور بأسمائها. الصراع سني- شيعي. السُنة يُسحقون. و"سرايا المقاومة" لا يتعرض لها أحد، بينما يُحمل شيخ يدعو إلى الإسلام المسؤولية عن الانفلات الأمني. نحن نعارض المس بالجيش اللبناني وهو أكبر المظلومين في لبنان وضحية "حزب الله". المعركة لم تكن معه، بل مع "حزب الله" والحركة ("أمل"). كنتُ في منطقة الهلالية وشاهدتُ مقاتلين من الحركة والحزب هناك". وهو لم يوضح كيف جزم بالانتماء الحزبي لهؤلاء المسلحين. مع العلم أن صفحات عدة على شبكة الانترنت تناقلت صوراً لعناصر من "حزب الله" يقاتلون ببزات عسكرية في عبرا وقد عصبوا سواعدهم بالشارة الصفراء. والجميع يدرك أن التلاعب بالصور ممكن.
هذا الشاب الفلسطيني ورفاقه مقتنعون بأن "حزب الله" نصب فخاً للجيش والأسير معاً. في المقابل، يخشى زميله تفشي فكر تنظيم "القاعدة" في مخيم عين الحلوة، مقراً بوجود أشخاص فيه يتبنون نهج الأسير.

"الحارة" وعبرا
في الطريق إلى عبرا، لا بد من التوقف في حارة صيدا، المنطقة التي زج باسمها في ما سمي عبر صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي بـ "مجزرة عبرا". في الفضاء الافتراضي، لم يتوقف إطلاق النار الطائفي. أنصار الأسير يؤكدون على مشاركة "حزب الله" في القتال بنشر صور لمسلحين نعتهم قيادته بعدما أدوا "واجبهم" في صيدا، مقارنين بين عبرا والقصير السورية. في المقابل، تُنشر صور لشاب من حارة صيدا قضى في "المعركة مع الظلاميين إلى جانب الجيش اللبناني البطل".
الساعة قاربت الظهيرة. يتحلق الميكانيكي محمد صالح مع رجال آخرين حول النرجيلة. يؤكد أن لا سلاح لدى أبناء حارة صيدا، و"ربما وُجِدَ البعض منه في منازل رجال المقاومة. وقد يكون هناك مناصرون لـ"حزب الله" قاتلوا مع الجيش. المؤسسة العسكرية سندُنا، وقامت الحرب (عام 1975) حين انهار الجيش". يتخوف الرجل من اندلاع "انفجار جديد في صيدا ينطلق من عين الحلوة حيث يدعون إلى الجهاد في وجه الجيش".
يقول لنا رئيس البلدية سميح الزين إن "الأسير احتل منطقة في عبرا. وهذه المنطقة وحارة صيدا جارتان يفصل بينهما شارع. وسيكون لنا اليوم بيان مشترك مع بلدية عبرا. تأكدوا أنه لا يمكن فصل صيدا عن حارة صيدا والهلالية والبرامية". ويتساءل: "من يحق له في إخلاء الشقق؟ أليست النيابة العامة أو البلدية؟".
وفي عبرا لا يزال انتشار الجيش على حاله. يُحظر دخول المربع الأمني والتصوير في محيطه، فعمليات التمشيط مستمرة.
الصحافيون ينتظرون قبالة المكان على الطريق العام. يراقبون، ومعهم المدنيون على الشرفات، حركةَ الجنود وآلياتهم. وفي الجوار عمال بدأوا بتصليح الأعطال الكبيرة في خطوط الكهرباء.
المنسق العام لـ"تيار المستقبل" في صيدا والجنوب ناصر حمود احتُجز في مطعم مع مواطنين تسع ساعات الأحد قبل تمكنهم من الفرار. قال :"نطلب تعامل الجيش مع كل مظاهر تفلت السلاح غير الشرعي، وهذا يعني "سرايا المقاومة" وسواها من البؤر الأمنية، وقضية الشقق، وهي أربع على الأقل. واجبنا حماية الجيش، وعليه التعامل بحكمة مع ملف المناطق الأمنية المغلقة". ونبه إلى "وجوب التمييز بين أنصار الأسير المسلحين، ومن كانوا يؤدون الصلاة في المسجد، وقد دُهمت منازل بعضهم وأوقفوا". وكرر أنه "مهما تكن أخطاء "حزب الله"، فإنها لا تبرر امتلاك السلاح ومهاجمة الجيش. لكن من المسؤول عن تمرير السلاح إلى الأسير، وما دور الأجهزة الأمنية؟".
ويطلعنا مواطنون على صور منازلهم التي نُهبت، ويقولون إن ذلك تم بعد دخول الجيش المنطقة. "طبعاً العسكريون لا يسرقون، فمن فعل ذلك؟"، غامزين من قناة "سرايا المقاومة". ويتحدثون عن مقتل 25 عنصراً فيها على الأقل. ويشيرون إلى شقة محترقة فوق مطعم الـ"كي أف سي" القريب من المسجد، ويؤكدون أنها من "الشقق إياها".
ويتجادل رجل وابنه. يتحدث الفتى عن "تدمير" المسجد، فيرد الوالد بأن "الجنود احترموا حُرمة المكان"، ويذكره بالعثور على مخزن أسلحة فيه.
وإذ يتداعى أنصار الأسير عبر مواقع التواصل الاجتماعي إلى جمع تبرعات لإعادة إعمار المسجد بعد "تدنيسه"، يدعو مناوئون له إلى تحويله معهداً للتدريس "الصحيح" للعلوم الدينية. يبدو أن ظاهرة الرجل لم تنته بعد ولا الأسباب التي كانت وراء ظهورها. وهذه كلها تحديات تواجه الجيش، وإن يكن يحظى بعطف شعبي لافت.

sawssan.abouzahr@annahar.com.lb
Twitter : @sawssanabouzahr

أخبار ذات صلة

إعلانات

إعلانات متنوعة

صيدا نت على الفايسبوك

الوكالة الوطنية للاعلام

انقر على الزر أدناه لزيارة موقع وكالة الأنباء الوطنية:

زيارة الموقع الإلكتروني

تابعنا