حارة صيدا: الأسير خلف ظهر المدينة
التصنيف: سياسة
2013-06-28 04:35 ص 551
حول صيدا ترى العين قفصاً على امتداد الساحل تسيّجه السماء. قفص شيّده الشيخ احمد الأسير، والأسوار سقطت أخيراً. ليس عصيّاً على الزائر أن يكتشف أن المدينة نفضت عن نفسها غباراً طارئاً ولكنه كان كثيفاً. هكذا هي الجبال في قلوب الصيداويين اليوم. برفق تضع السواد جانباً، وتعود إلى حياة لم تُستلب. حارة صيدا تكذب التلفزيون وهلع التلفزيون المصبوغ بملح الفتنة. وفي الحارة 82 ألفاً يحشرون الفتنة في رجل واحد وجماعةٍ واحدة
البيوت باقية كالرياح التي تمر فوق التلال الوديعة، من أول الطريق قرب «الملعب البلدي» آخر الرميلة، مروراً بعبرا الرقيقة، وصولاً إلى إقليم التفاح وجزين. البيوت في أمكنتها وسط كل هذا. تقف حارة صيدا على مرتفع يحاذي عبرا، فينتصبان الواحدة مقابل الأخرى، ويقود الطريق الفاصل بينهما إلى محطتين رئيستين. الأولى للقادمين من صيدا، والثانية من جزين. وفي قلب هذه الطبيعة التي تكاد أن تكون موسيقى، لا يفسدها إلا دعوات الإغلاق غداً، تقف على مرتفع من صيدا، والحال أن الحارة أكبر من المدينة، كما يجزم رئيس بلديتها، سميح الزين. هكتاران من المساحة الفائضة، وتنوع سكاني مثيل للواقع في صيدا. وسيبدو هذا كلاماً بمثابة الهرب من المشهد، بيد أن الناس في صيدا لا يميّزون بعضهم من المذاهب. وأحياناً لا يعرفون بعضهم مذاهب بعض. وكي لا نسكب أملاً من هواء فوق نار الأحداث الأخيرة، يمكن أن نعود إلى التاريخ، غير المزور طبعاً. التاريخ الحقيقي المحفور تحت جلد السكان. ساكن قديم يؤكد لنا أن الراحل معروف سعد كان ينام في حارة صيدا، ويعرف أهلها الذين قبلوا به قائداً في «الثورة الشعبيّة» عام 1958. لم يقل أحد إنها ربيع، ولم يكن هناك سوى الإذاعة. ولكنها كانت «ثورة»، وجمعت من الفقراء شغفاً ورغبةً بالتغيير. وعلى سبيل الدعابة يروي لنا الزين قصة حدثت معه شخصياً. كانوا في الطريق لدفن أحد الأصدقاء الذين شاركوا في انتفاضة الخمسينيات، وكان من آل القرص. وصلوا إلى المقبرة لكن الجنازة تابعت المسير! فاستغرب الرجل عندما علموا أن الميت من طائفة أخرى هي طائفته نفسه. ولكن كون الناس لا يتحدثون في مثل هذه الامور، بدا الأمر طرفة ضدّ قسوة الغياب. شيّعوه وكأنهم كانوا يشيّعون أبناء طوائفهم. فلقد أتت الحرب ولم تتأثر حارة صيدا بمنحوتة الحرب النتنة. حدثت مناوشات مع «القوات اللبنانيّة» ولا أحد ينفي ذلك، غير أن اللافت هو «نصب شهداء التحرير» في أول البلدة، دشنه الرئيس نبيه بري في 2009، وللمناسبة، يقول العارفون إن الرجل أشرف شخصياً على «ضبط» عناصر حركة أمل في حارة صيدا. كان يتصل كل ساعة تقريباً، ليحرص على ما نسمّيه في لبنان: «ضبط النفس». كانت قناصات الشر تصطاد الجنود ولازم الجميع منازلهم، كأنهم يعرفون أنها حرب لن تطول. سينتهي القناصة. القناصة صخور بشريّة تأول الموت تأويلاً قاسياً.
وفقاً للعارفين، في حارة صيدا، فإن «مشروع الأسير» لم يكن يفاجئهم. أبلغوا «السلطات المعنية» بالأمر أكثر من مرة. المركز الديني الذي صار مسجداً، ثم مركزاً حربياً، كان قبلة لأسلحة يراقبون تكدسها قرب شرفاتهم. وكان الجميع يتريث لأن الشيخ، الذي نشأ في حارة صيدا، ويقول الناس هناك إنه كان «طبالاً قبل التوبة»، يحظى بغطاء سميك. والقول إنه سميك ليس عبثيّاً، فهو سميك، لرسوخه في صيدا، وحضوره في الضواحي، من الصالحيّة، الهلالية، وطبعاً مجدليون. حسب هؤلاء، خطط الأسير للهجوم على الحارة، ولوصلها بالطريق الساحلي، وصولاً إلى مجدليون. ولكن هذه تحليلات لا شيء منها مثبت. ويضيف إليها العارفون أن الأسير فكر في تحويل طريق جزين إلى «خط فاصل» بين حارة صيدا وعبرا، على غرار باب التبانة وجبل محسن. ولم يفشل في ذلك بسبب الجيش وحسب، «بل لأنه لا بيئة حاضنة له في عبرا أصلاً، على غرار المقاتلين في باب التبانة، الذين تساندهم شخصيات رسمية وأمنية سابقة». في أية حال، لم يترك الأسير وحيداً، والناس في حارة صيدا يستغربون اللغة المذهبيّة وطرح الامور على هذا النحو. المباني في المنطقة مختلطة مذهبياً إلى حد يراهنون على أن لا مثيل له في سائر البلاد. ورغم ذلك يستغربون دور الأحزاب الأخرى، التي تدّعي التعقل والعقلانية، وتحديداً «الجماعة الإسلاميّة»، التي يبدو أنها ماضية في خيار التصعيد ضدّ الهدوء النسبي، بعد دعوتها إلى إغلاق المدينة على مقربة من الضواحي التي لم تمسح رعب القنص عن وجهها بعد. يخيّم الهدوء على الحارة، من أولها وآخرها. شيّعت البلدة شهداء «سرايا المقاومة» وعادت إلى حياتها، بعدما عاد الجيش إلى المدينة. غير أن الجماعة، التي لا يفهم الناس في حارة صيدا ماذا أصابها، أصدرت بياناً، لم تترك زاوية فيه إلا وجعلته محشواً بالخطابة. وللمناسبة، الناس متدينون في صيدا غير أن مفارقة لافتة تميّز علاقاتهم. قديماً، ورغم أن «الحارة» تباهي باحتضانها الجيش ضدّ «منظمة التحرير الفلسطينيّة»، فإن المقاتلين الفلسطينيين ما زالوا يحافظون حتى الآن على علاقات طيبة بحارة صيدا والجوار. لهم علاقاتهم وأصدقاء لم تفرق بينهم البواريد، فلماذا يفرق فضل شمندور (شاكر) بين الحارة والمدينة؟ لا يبدو هذا عقلانيّاً على الإطلاق. عندما احتلت ميليشيات الأسير البيوت المطلة في عبرا، بعض من الهاربين لجأ إلى حارة صيدا. وفي حارة صيدا نازحون سوريّون. لا تسأل البلديّة إلى أية جهة ينتمون. إنهم ضيوف وبينهم عائلات وأبرياء لهم كرامات. الكارثة في الذين هبطوا إلى مجمع بلال بن رباح وأطلقوا النار على الجيش. طبعاً إذا مشيت في الحارة نهاراً ترى وجوهاً معلقة على النوافذ، وصوراً كثيرة لشهداء تلاحق الأحياء كأنها مصابيح. هذه مشاهد لبنانيّة تقليديّة لا مفر منها، وليست مربعات أمنية، ولا مراكز حزبيّة. والحال أن المطرب السابق، فضل شاكر، كان محبوباً في الحارة. فنان وأشياء من هذا النوع. وقبل شهرين بالضبط، وفي عزاء داخل مسجد الموصللي في تعمير عين الحلوة، عندما جاء شاكر إلى العزاء، محاطاً بجيش صغير قوامه ثلاثون مرافقاً، سلّم على جميع المعزين الآخرين، ومن بينهم أشخاص «في أجواء حزب الله». تطغى العلاقات الشخصية على كل شيء آخر في صيدا. وفضل شاكر السنتين الأخيرتين، غير مفهوم لأحد في الحارة، التي اشترى قصراً فيها وأقام فيه منذ 2005. واليوم، يعتقدون أنه غادر إلى الأبد. لقد أحدثت تصريحاته المذهبيّة شرخاً عميقاً، بينه شخصياً وبين الآخرين. صيدا والحارة لن تتأثرا. الحارة تراهن على ذلك، وكذلك صيدا. أحد المسنين يسألنا عن شيخ اسمه عبد الحفيظ قاسم. وعندما نقول إننا لا نعرفه يبتسم. يقول إن هذا الشيخ كان في منطقة بربور «وكانت كل تصريحاته ضدّ المسيحيين»، فلفظته البيئة. لا نتبنى رواية الرجل حول الشيخ عبد الحفيظ، ولا نعرف إن كان موجوداً فعلاً، رغم أننا حاولنا التأكد من ذلك. الرجل منسي تماماً، وكذلك يتوقع أهل حارة صيدا أن يحل بالأسير. لا مكان للخلاف بين الشيعة والسنة في بلدتهم. البيئة تلفظ هذه الثقافة. وهذا أمل مجاني آخر.
أخبار ذات صلة
ترامب يهدد بقصف إيران "إذا لم توقف وكلاءها في لبنان"
2026-06-21 05:35 م 37
صورة عقد أول اجتماع بحضور أميركي وإيراني في سويسرا.. وهذه محاوره
2026-06-21 02:54 م 47
صدمة في إسرائيل بعد هجوم فانس.. و"رسالة لنتنياهو"
2026-06-20 04:47 ص 106
الأمير محمد بن سلمان يؤكد تطلع السعودية للوصول إلى اتفاق دائم بين أميركا وإيران
2026-06-20 04:45 ص 73
أميركا: محادثات إسرائيل ولبنان ستعقد بواشنطن الأسبوع المقبل
2026-06-20 04:43 ص 85
إعلانات
إعلانات متنوعة
صيدا نت على الفايسبوك
الوكالة الوطنية للاعلام
انقر على الزر أدناه لزيارة موقع وكالة الأنباء الوطنية:
زيارة الموقع الإلكترونيتابعنا
اجتماع المجلس البلدي في صيدا: ما الذي تغيّر؟
2026-06-18 05:10 ص
زيارة هلال حبلي لمحمد السعودي... قراءة في واقع صيدا وتحديات المرحلة
2026-06-10 06:03 م
لقاء بلدية صيدا: لاول مره ينجح اللقاء السياسي في القرارت والعبرة في التنفيذ
2026-06-10 05:05 ص
رسالة إلى جمهور الثنائي الشيعي ال يتظاهرون في لبنان
2026-06-09 04:59 ص
جوزاف عون انت بطل و لبنان يلتقط أنفاسه بعد إعلان الهدنة
2026-06-04 10:05 ص
هل تشهد صيدا مظاهر عاشورائية في مراكز الإيواء أم تبقى ضمن الحسينيات؟

