×

إنها أزمة وطن وليست أزمة مستشفى

التصنيف: سياسة

2013-07-29  04:11 ص  662

 

اثار تحقيق الزميل نادر صبّاغ تحت عنوان «مستشفى حمّود ينازع» (المنشور في العدد ٢٠٦٣ الخميس ٢٥ تموز ٢٠١٣) اهتماما واسعا لدى الاوساط المختلفة في صيدا والجنوب وخارجهما، وردود فعل كبيرة ومتناقضة. في ما يلي تعليق كتبه الشيخ ماهر حمّود حول ازمة المستشفى ونوعها

الشيخ ماهر حمود
أرادت جريدة «الأخبار» أن تلفت الانتباه إلى أزمة حقيقية، هي جزء من أزمات لبنان المتلاحقة والمؤلمة التي يتداخل فيها المحلي مع الإقليمي والدولي، والسياسي مع الطائفي والمذهبي، والمالي مع الفساد والإفساد، والغوص في الدور التاريخي والعريق مع السعي إلى آفاق مستقبلية واسعة، هذا وغيره كثير. بالتأكيد إنها جزء من مشكلات لبنان وأزماته المتعددة، ولو كان المجتمع اللبناني متماسكا ومتكاملا كما ينبغي لكان هذا الصرح الطبي الكبير مكانا تتقاطع فيه الإرادات الحسنة والنوايا الطيبة ملقية خلفها الانتماء الديني والمذهبي والعرقي والحزبي والخلافات الصغيرة والكبيرة، ليفخر الجميع بمثل هذا الانجاز الذي اثبت مرة أخرى واحدة من الصفات التي يتحلى بها الشعب اللبناني (الإبداع).

لا أحب أن يفهم القارئ الكريم أن اهتمامي بهذا الموضوع هو بسبب القرابة، والجوار أيضا، ولكن لسبب هو أعلى وأسمى، هو التقدير للانجاز البشري الذي أشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله يحب من أحدكم إذا عمل عملا أن يتقنه»... وهكذا هذا المستشفى هو انجاز «فردي» يذكرك بهذا الحديث الشريف، في كل زاوية من زواياه وبكل حقبة من حياته..
هكذا منذ ذلك الصيف البعيد 1966 وأنا في الثالثة عشرة من العمر جلسنا في تلك القاعة الفسيحة التي كانت قبل ثلاث سنوات صالون بيتنا، أي جلسنا في البيت الذي ولدت فيه مع إخوتي جميعا، بيت جدي، الذي بناه باتجاه القبلة، وكان من أوائل البيوت خارج البلد القديمة. من هذا البيت العائلي العريق كانت انطلاقة المستشفى مع طابقين مجاورين شيّدا حديثا: لقد خسرنا بإنشاء المستشفى بستانا جميلا كان ملعب طفولتنا ومنطلق أحلامنا، ولكننا ربحنا مشروعا نفخر بأننا ننتمي إليه أو ينتمي إلينا، ذاع صيته في كل مكان. هذا البيت أصبح من حصة عمي في الميراث الذي كان شغوفا بتعليم أبنائه ينفق على ذلك بسخاء، والذي بدوره وهبه لابنه د. غسان الذي كان يرغب بالبقاء في ألمانيا لولا أن الظروف تهيأت له وجاء ليؤسس مستشفى صغير بين البساتين بعيدا عن مرافق الحياة العامة في المدينة الصغيرة الهادئة والتي يسودها البساطة، بالمعنى المناقض للتعقيد وليس بالمعنى السلبي للكلمة.
وقفت السيدة المميزة (بربارة) زوجته الألمانية أمامنا، نحن الفتيان المنشغلين بوضع أوراق الإعلان عن افتتاح المستشفى في المغلفات لإرسالها إلى الشخصيات باهتمام ومثابرة: قالت: هل ترون هذه المغلفات في منامكم؟... لم يكن احد يتوقع لهذا المستشفى أن يصبح في اقل من عشر سنوات اكبر مستشفى خاص في الجنوب أو في لبنان. لا ادري، ولكنه طبيب ناجح من دون شك، سريع التشخيص للمرض، سريع اتخاذ القرارات، يُشعرك أنه يشعر بكل آلامك ويستخف بما يراه أوهاما، بل يستطيع أن يُذهب أوهامك بلهجته الصارمة ورأيه القاطع طبيا، وغير متكبر أو مدع... لقد ازداد احترامي له عندما كان يتحدث مرة فقال لقد اضطررت لان اجري عمليات هامة لم ادرسها في كليات الطب، وذلك عندما كانت تأتيني حالات خاصة خلال الحرب وتكون طريق بيروت مقطوعة ولا مجال لإرسال المريض إلى أي مكان. علمتنا الحرب ما لم نكن نعلمه، وبالفعل فان أهمية هذا المستشفى كانت تظهر مضاعفة عند الحروب خاصة... ولا شك أن خلفية الدكتور غسان الوطنية المشهور في شبابه بانتمائه إلى حركة القوميين العرب التي انتمى إليها نخبة الشباب في الستينيات، كانت خلف اندماجه السريع مع المقاومة الفلسطينية التي أنفقت كثيرا على حاجاتها الطبية الملحة والمتراكمة.
بسرعة قياسية وجد الطابقين الرماديين الصغيرين امتدادا أفقيا وعموديا ونوعيا. أصبح المستشفى من السبعينيات إلى الاجتياح الإسرائيلي مركزا وطنيا قوميا. أصبح المستشفى شريكاً للمقاومة الفلسطينية بكل ما في الكلمة من معنى، وما كان للمقاومة أن تستغني عن خدمات المستشفى ودوره الطبي والوطني خلال عقد كامل من الزمن. نُقل الشهيد معروف سعد إلى هذا المستشفى اثر إصابته مباشرة عام 1975. ولا ينسى الصيداويون عندما تحول المستشفى إلى مرجعية أمنية سياسية بامتياز: أبو عمار وأبو أياد وقيادات فلسطينية يجتمعون في المستشفى قبل 15 يوما من الاجتياح لوضع حد للحروب الصغيرة التي أثقلت كاهل صيدا. قال أبو عمار وقتها بشكل واضح، بعد 15 يوما سترون تغيرا حقيقيا في خريطة الشرق الأوسط، وهكذا كان. ومن دون شك تمت معاملة المستشفى في الاجتياح الإسرائيلي كشريك للمقاومة وليس كمجرد مستشفى.
في فترة أخرى لا تقل أهمية، اثبت د. غسان انه جدير بهذا الصرح وان الصرح جدير به عندما افتتح قسم الجراحة القلبية المتطورة وذلك بعد الانتخابات النيابية الأولى بعد الحرب 1992، اذ لم يوفّق بالحصول على الأصوات اللازمة للنجاح. وكأنه بهذا الافتتاح التاريخي الذي حضره الشهيد رفيق الحريري رحمه الله أرسل رسالة إلى الجميع بل إلى نفسه، أنا في موقعي الطبيعي حيث أنجزت وحيث أفلحت، الساحة الطبية التي تحتاج إليّ وأحتاج إليها، ها أنا أعود إلى موقعي الطبيعي.. ومن نجاح إلى نجاح كان هذا المستشفى يشق طريقه نحو النجاح المنقطع النظير، يضاف إلى النجاح الطبي دماثة د. غسان وعلاقاته الواسعة وحسن استقباله لضيوفه. وكان الرئيس الحريري قد اعتمده ممثلا سياسيا له ابان الاجتياح وبعد الاندحار الإسرائيلي من صيدا وأكثر الجنوب عام 1985، وكان يشرف على كثير من أعمال ومشاريع الرئيس الحريري السياسية والاجتماعية، وذلك قبل أن يبرز دور الرئيس الحريري سياسيا بسنوات. كما سكنت السيدة بهية الحريري في احد طوابق المستشفى عندما تم تهجير العائلة من دارتها في ربيع 1985... كان يعمل بالسياسة بنكهة اجتماعية تنموية ثم لا يلبث أن يعود إلى الطب سالما معافى، كما يفترض، فهي ساحة نجاحه الطبيعية.
نعم ليس لمدينة صيدا أن تفقد هذا الصرح ولا للجنوب ولا للبنان. على الجميع أن يعتبروا أن هذا الصرح وأمثاله هو نقطة تقاطع بين الجميع. لقد كان جزءا من كل حدث كبير، صُنف فلسطينيا لفترة، ويحلو للبعض أن يصنفه جنوبيا بامتياز بكل ما تحمل الكلمة من معنى: بالموظفين والأطباء والمرضى والزائرين... ويمكن أن تراه جزءا من إقليم الخروب فترة من الفترات. أما القوات الدولية فلها حصة وكذلك المقاومة الإسلامية بشكل مباشر وغير مباشر، فكم من مقاوم استشفى في هذا الصرح تم إغفال اسمه لأنه لا يزال ملاحقا من العدو الإسرائيلي، وكم من مقاوم استأنف عمله وهو خارج لتوه من هذا المستشفى... أما شرقي صيدا بأهله المحببين فانه يجد نفسه في المستشفى بكافة مرافقه، يستشفون ويعملون ويشاركون: لقد تخرج الدكتور ميشال موسى من مستشفى حمود نائبا عن الزهراني ولا يزال وفقه الله.
إن من يريد تصنيف هذا المستشفى تصنيفا مذهبيا مخطئ حتما، وكذلك أي تصنيف آخر، هو جزء من المجتمع بكل تنوعه وألوانه، تنعكس عليه المشكلات والانتماءات ولكن دوره ابعد من ذلك بكثير.
هل كتب علينا في لبنان أن ندفع من انجازاتنا الإنسانية ونجاحاتنا الشخصية ثمن أزمات المنطقة... أزمة مذهبية عاتية تنفق عليها أميركا و«حلفاؤها» بسخاء منقطع النظير وتجند لها عقولا وتفتتح لها قنوات مذهبية بغيضة ينتج عنها حروب ماجنة مدمرة وينبثق عنها أزمات أخرى تنعكس على المؤسسات في لبنان وغيره: المجلس النيابي، تشكيل الحكومة، الغاز والنفط، الكهرباء، سلسلة الرتب والرواتب، انقسام حاد في كل شيء، مقاومة أو استسلام في كل هذه الأزمات. المجتمع يحتاج إلى هذا المستشفى والى أمثاله من الصروح الطبية والإنسانية المميزة، وليس احد معصوما من الخطأ، يتهمون المستشفى بأنه باهظ ومادي ويكثرون من الحديث في هذا: تعالوا واطلعوا على حسابات المستشفى وما آلت إليه الأمور. باختصار: ما يترتب على الدولة (وزارة الصحة، الضمان الاجتماعي، الجيش، قوى الأمن وكل الصناديق التعاونية) ديون متراكمة للمستشفى تبلغ نحو 35 مليون دولار. هذا المبلغ المتراكم منذ سنوات كفيل بان يعيد المستشفى إلى مكانه الطبيعي. المال العام الذي يجب أن ينقذ هذا الصرح وأمثاله والذي يجب أن يدعمه ليستمر ويتنامى، هذا المال العام الذي يجب أن يدعم المؤسسات لا أن يعرقلها هو الآن سبب الأزمة، وليس هنالك سبب آخر، وينبغي هنا أن نشير إلى أن الذين يدفعون فواتير الاستشفاء نقدا لا يشكلون أكثر من 20% من مدخول المستشفى في أعلى تقدير... الأزمة هي بنت أعمالنا وفسادنا، تنهك مؤسساتنا ونحن نتفرج.. هل علينا أن ننتظر النفط والغاز في العام 2018 مثلا؟ الناظر إلينا من بعيد سيستهين بمشاكلنا بالمقارنة مع مشاكل المنطقة، فليس هنالك من متعاطف والكل ينتظر نتائج الصراعات في المنطقة، نحن علينا أن نحل المشاكل دون انتظار احد، فهل من مجيب؟
تحدثوا عن الوطن عن مشكلات الوطن بكل ما فيه ومن فيه، عند ذلك نفهم جميعا أين الأزمة في هذا المستشفى وفي المستشفى الحكومي في صيدا وفي بيروت وفي النبطية وحلبا وزحلة، بل كل المستشفيات الخاصة والعامة، حتى المستشفيات التي تحمل أسماء رنانة وتختزل خلفها تاريخا عريقا.
إنها أزمة وطن وليست أزمة مستشفى، إنها أزمة وطن عربي وإسلامي وتاريخ مثقل بالهموم، هكذا هي الأمور ومن اجل ذلك نكتب فيها عسى أن نساهم في حل أزماتنا بالوعي أولا ثم بالإرادة والتصميم والعزم

أخبار ذات صلة

إعلانات

إعلانات متنوعة

صيدا نت على الفايسبوك

الوكالة الوطنية للاعلام

انقر على الزر أدناه لزيارة موقع وكالة الأنباء الوطنية:

زيارة الموقع الإلكتروني

تابعنا