×

هُدِّدتُ بالاغتصاب وغادرتُ سجن الفرع مصابة بمرض جلدي

التصنيف: سياسة

2013-07-31  03:41 ص  896

 

في مكان ما، على الأراضي اللبنانية، داخل سيارة تجوب الطرق صعوداً ونزولاً، اختارت الناشطة السورية رشا أن تحكي عن "النظام" في بلدها، وهو منذ تعارفا وجهاً لوجه مع أحد فروعه إثر الطلب منها: "لازم تراجعي الفرع"، أدركت حجم الفوضى الذي يمكن أن يخلّفه في حياة كل من لا يوافقه الرأي بنسبة"99,99" في المئة.
متوترة بدت،هزيلة وقد انتهكت شعرها الأسود بضع شعرات بيضاء اللون على الرغم من كونها في العشرينيات من عمرها، وهي على الرغم من الأيام السوداء الثمانية في المعتقل وما أعقبها من متابعة لدى طبيب نفسي إثر ما شهدته وألمّ بها، فإنها لا تزال جميلة، إنما ذلك الجمال الفاقد للنبض واللون، يطل بالأبيض والأسود.
قبل الثورة كانت فتاة مدللة تعيش في كنف عائلة ميسورة الحال. وكان لها حبيب تحلم أن تلاقيه بثوبها الأبيض فور تخرّجها من الجامعة حيث كانت تدرس الهندسة الإلكترونية. لكنّ الحبيب الذي غدا خطيبها، ومعه شقيقها الثائر على النظام، سارا في رياح الثورة التي أنزلتهما إلى الشوارع ومعهما شباب جامعي لينادوا معا أن يرحل النظام. ومنذ التظاهرة الأولى، صارت العين حمراء على المنزل الذي فيه أكثر من معارض.
سافر خطيبها بعدما أيقن بأنّ ثمن البقاء رصاصة أو ضربة سكين في أحد الشوارع المظلمة. وهناك الكهرباء متواطئة مع اللجان الفرعية في الأحياء ضد كل من تسوّل له نفسه قول كلمة "لا"، أو "لماذا؟" أو "كيف؟".
البلد بيستاهل التضحية
"أنا وأخي خربنا بيت أبي، بس البلد بيستاهل التضحية كرمال نعيش وكرامتنا مرفوعة"، تعلّق في محاولة منها لتجميع أبرز الأحداث التي واجهتها بعد أن صار "السكايب" وسيلة الاتصال الوحيدة مع خطيبها الذي انتقل الى لبنان، ومن ثمّ الى بلد أوروبي".
أما شقيقها فاعتقل، وصدر عليه حكم بالاعدام نجا منه قبل ساعة من التنفيذ مقابل خمسة ملايين ليرة سورية دفعت للسجان من أجل تهريبه.
وبتعاقب الاعتقالات كرّت سبحة "الدفع" مليون للابنة ومليون للابن وتراكمت المستحقات إلى أن اتخذ الاتهام منحى أكثر جدية بحق رشا التي أضيف الى ملفها الى جانب كونها خطيبة "إرهابي"، أنها ترسل فيديوات الثورة الى فضائيتي العربية والجزيرة والقنوات الأجنبية، بالاضافة الى كونها تمد الثورة بمعلومات عن أماكن تواجد اللجان لضربها من قبل الثوار.
"كبرت التهمة"، فاعتقلت في غرفة صغيرة مع عشرات الفتيات اللواتي كوّمن فوق بعضهنّ لضيق المكان بحيث إذا وقفت إحداهن يتعذّر عليها إيجاد مكان للجلوس فتبقى واقفة لساعات، وتلك إحدى وسائل التعذيب التي تزيد من توترهن وتكاد تدفعهنّ للاختناق.
كانت العيون معصوبة وقد أجبرت الفتيات على خلع ملابسهن والبقاء بالثياب الداخلية. ينادي عليهنّ الضابط ومساعده بـ:"مدام" دورك أو: "مدام خلص دورك". وفي تأكيده على استخدام كلمة "مدام"، يبرر الضابط لرشا التي أوضحت له بأنها "آنسة": "كلكنّ ساقطات، عاهرات"، ثم يسألها: "كم واحد نمتي معو".
في وسائل التعذيب توضح رشا أنهم استخدموا بداية العصي لضربهن. ومن كانت تصرّ على نكران تهمتها تحوّل للاغتصاب.
تحكي: "بفعل توصية من جار متعاون مع النظام، ومعها ملايين الليرات التي تمكن والدي من دفعها للفرع مقابل أن لا أتعرّض للتعذيب أثناء التحقيق معي نفذت من الاغتصاب إلا أن الضابط ظل يهددني بين الفينة والأخرى: "جايي دورك إذا مش اليوم بكرا". وكان معاونوه يخاطبون المعتقلات بكلام بذيء".
تعلّق ساخرة: "لا أعرف من أين يحفظون كل هذا الكم الكبير من الشتائم والكفريات".
أمّا ثمن حريتها فاتفاق بين الطرفين: "أن تقنع خطيبها بالعودة إلى سوريا بحجة أنّ والديها يريدان تزويجها من قريب لها". والاتفاق الآخر أنها حين تريد النزول الى الشارع للتعبير عن رأيها،عليها أن تختار وجهة واحدة هي مسيرات التأييد فقط.
المال مرساة النجاة
بعد خروجها من المعتقل انقطعت عن أهلها ومحيطها لشهرين:لا شهية لطعام ولا لحديث ولا لاستقبال أي خبر من أي نوع كان.كان جسدها مضرّجاً بالأزرق لكثرة تعرضها للضرب إلى جانب إصابتها بمرض جلدي بفعل ظروف الاعتقال الصعبة حيث كانت لا تفارق مكانها ولا حتى لقضاء حاجتها.
بمساعدة طبيب نفسي تجاوزت بعض مخلّفات الاعتقال. وكانت الخطة مع خطيبها الذي تحادثه عبر "النت" بأن يتصل بها على الخط الأرضي ويعلمها بأنه تزوّج فتثور في وجهه موجهة له الشتائم التي حفظتها من المعتقل ومن ثمّ تقطع الاتصال به على أساس أنهما انفصلا. وسارت الأمور على هذا الحال إلى أن بلغه خبر انفجار ضخم بالقرب من منزلها. حاول الاتصال بها عبر "السكايب" لكنها لم تجب، فاتصل بها على الرقم الأرضي المراقب، وبعدها بدقائق اعتقلت مجدداً للسؤال عن وعدها لهم بتسليم خطيبها. فعدّلت من خطتها لتمرير الوقت بعدما لمست اهتماما خاصا بها من قبل ضابط الفرع . صارت تعده: "خلص بكرا بنضهر سوا"، وفي كل يوم تتذرّع بطارئ بانتظار أن تحصل على "الأوكي" بالسفر براً الى لبنان والثمن دفع مبلغ من المال لقاء مرساة النجاة.
تقول: "للأسف المال بيحكي في فروع المخابرات السورية والمتعاملين معها. هناك لكل وسيلة عذاب ثمنها، كما لكل مواطن ثمنه بحسب طائفته وانتمائه. فإذا كان غير علوي ومساندا للثورة يحكم عليه بالاعدام، ولكن قبل الاعدام يجري التفاوض على ثمنه مع الأهل. وما أن يقبض الثمن حتى ينفذ الاعدام به ويرسل للأهل مع تعليق:هيدا ابنكم سلمناكم اياه.أما إذا كان من جبهة النصرة فيحتفظ به للتبادل مع أسرى من جيش النظام". وبالنسبة لها تمكنت من مغادرة سوريا من خلال دعم أحد رجالات النظام الذي يدعم الثوار في الخفاء،حاملة معها حقيبة صغيرة فيها القليل من قطع الثياب والكثير من الشوق للأهل والمنزل والحي والرفاق الذين ذبح عدد منهم بـ"شخطة سكين" في حضرة ذويهم وأبنائهم والمارة. ومن ينجو من تهمة الثورة، فإنه يعود ليعلق بها من دون قصد، وهو الأمر الذي حصل مع قريب لها حين اصطدمت سيارته بأخرى لرجل أمن من النظام. كان قريبها بصدد نقل عائلته الى بلد مجاور حماية لبناته من الاغتصاب، فإذا بقدره يكبله من جديد حين وضعه الضابط أمام احتمالين: "إما تسلمني سيارتي "لانج" ما فيها ولا خدش أو أسجّل فيك محضر اتهام بأنك ارهابي من النصرة". ولسوء الأحوال المادية لقريبها فإنه ما زال محاصرا بتهمة الارهاب".
.. والقلق مستمر
في لبنان الخطر أقل على رشا، لكنها قلقة من الخيالات التي تعبر بجوارها. تراقب المارة بحذر معلقة:"مش هيك كان لبنان.كان بلد الأحرار والحرية ولكن للأسف صار الثوار مهددين بالخطف والقتل والملاحقة. لهذا أسعى للمغادرة إلى أي بلد لا يدفعني للنوم وأنا عيني مفتحتين وكل تهمتي أني أحب بلدي وأناصر الشباب الذي نزل مدفوعا بكرامته للانتفاضة على نظام أتقن لغة الدم والنار". وتضيف: "هناك أمر آخر أتقنه النظام: الكذب على المواطن". تعطي مثالا: "كنا في سوريا نفاجأ بقراءة خبر عاجل على التلفاز عن انفجار ضخم هز المنطقة الفلانية، وبعد الاستفسار والسؤال يأتي رد القاطنين بأنهم ما سمعوا صوت الانفجار. صرنا نتحسّب مسبقاً بأنّ الأمن السوري حين يحاصر منطقة ويمنع الدخول اليها ويقطع الكهرباء عنها يعني بأن عملا تخريبيا سيحدث فيها".
تشتاق رشا لبلدها، ولاسيما لوالدها الذي خضع للاستجواب بعد هروبها وأجبر على تسجيل شريط فيديو يعلن فيه براءته من ابنته تمهيدا لعرضه على قناة الدنيا."لولاه، لولا الخوف على أهلي وأخوتي لكنت صعّدت في الحديث أكثر. كنت فضحت ممارساتهم أكثر، لكني أخشى أن يتعرفوا إلي ويكون الثمن المؤلم :حياة عائلتي".تختم دامعة، وقد اختنق صوتها شوقا وخوفا، فالحماية التي حصلت عليها من الـ"UN" لن ترد يد المعتدي في حال جرى التعرف إليها.أما سوريا التي ترتسم في بالها هذه الأيام، فتلك المساحة المدمرة التي تربعت زوجة خالها على أنقاضها تلطم وتصرخ:"يا بيتي، يا أولادي...ما في شي! وينن؟".

رولا عبدالله

أخبار ذات صلة

إعلانات

إعلانات متنوعة

صيدا نت على الفايسبوك

الوكالة الوطنية للاعلام

انقر على الزر أدناه لزيارة موقع وكالة الأنباء الوطنية:

زيارة الموقع الإلكتروني

تابعنا